تأمل خارج القص في خراب ما نسميه وطن

أيحتاج الموت إلى تجربة ؟

 

تأمل خارج القص في خراب ما  نسميه وطن

 

شوقي كريم حسن

 

 

بغداد

 

ـــ 1 ــــ

 

داخل الذات

 

الارض التي اقف عند اهتزازاتها تبدو غريبة عني ، برغم معرفتي بها لسنوات طويلة، لم تعد ذات الارض التى كنت انظر اليها برضا، واشعرها وهي تبتسم لي، بل وتتجرأ احيانا كثيرة  فتحتضنني بود عروس تحاول اكتشاف ليلتها الاولى ،اشعرها تلهث لتلسع قوامي الخدر الغارق في سماوات وجودها الممتحن ، تذوبني الاهات رويدا، وتاخذني الاحلام تحت ظلال اجنحتها لهذا لااجد لي ثمة من شكل محدد، لم اعد اشم ذلك العطر المميز الأخاذ ، ولم اعد ابصر تلك الابتسامة المغرية  ، التي تحيل الروح الى مدن السرور، ولم تعد تلك التأوهات تهيم بين ثناياها، لقد تغير كل شيء… وغدت الملامح التي اعرفها قاتمة تميل الى السواد الفاضح !!

 

خارج الذات

 

حين حملتني اجنحة طائر القلق لتقرب من تلك المسافة  التي تكتسي بملامح المقابر العتيقة ، بدأت الام القلب تستحوذ على كياني  ، فصارت معالم اعماقي تتكور عند بقايا رجولتي التي لاتعرف كيف يمكن ان تجد طريق الهروب، كنت في مواضي الايام التي كنا نسحلها مرغمة صاغرة الى حيث نريد ،اعرف النظر اليها جيدا، الاعب الاشجارالتي كنت اعدها بشيء من البطر والالفة والانثيال واحدة واحدة..امسد قذلها المنحية الى الارض وارسم عند خدود امتداداتها السمر قلوبا تخترقها سهاما  وهي تشخب دما بلون رائحة الاس ، ابصر شرفات البيوت الموغلة بالعتق والانتشاء ، تلك اللصوصية التي كن بنات الارتياح يمارسنها حين نمر، اعرف ان المسافة تحتضن خطاي بسرعة برق، لكني وجدت نفسي محاصرا، ثمة رائحة ما بدأت  تأخذ مني انفاسي التي علا وجيفها، اعتقد انها ليست أنفاسي، بل اعتقد جازما بأن الذي يريد الوصول الى غايته ، ليس بأنا، لقد غيرني المكان تماما، مثلما تغير هو، ثمة جدران من الكونكريت الاملح المربوش بنقط يحف بها حصى الصحارى واوشام من دم جففته حروقات الايام الخوالي، وتقاطعات لها حد السكاكين وغرابة الافواة التي لاتجيد النطق، وسيطرات تفتيش  متناثرة وهي تسور وجودها بخوف مرتجف هلع ، تبصرك وكأنك المجرم الاول والوحيد في هذا العالم ، الذي وشمته فضائح الخيانات وابتكار الموت، حين امرني الواقف عند الباب بحدة ، ان اعتلي الصخرة التي أمامه ، استنهضت نفسي وثمة في داخلي غبار عاصف  ،بدأ يتصاعد رويدا ، وثمة سيول من الروائح الى تقترب من الفة الموت الممزوج بعطور المشافي  ،وغرف التحقيق، وزنازين السجون، وغرف بائعات الهوى اللواتي كن ينظرن من خلال الفتحات نصف المواربة الى خطواتنا الثقيلة المسترخية ،،التي كانت تمر كل لليلة وهي تضج بالغناء والصراخ، وهتك عرض الشعر، وامتهان ارواح الأفكار ، لم يعد ليّ ثمة من وجود، حاولت التراجع، او حاولت ألانهزام ، لكن هناك عند التقاطع العسير الوصول اليه من ينتظرني ، تحاملت روحي على روحها القاحلة  ،واستنهضاني معا، امتدت يد الرجل تنبش بين ثنايا جسدي متصاعدة الى الاعلى ، وهو ينظرني بغضب يشوبه الاحتقار والكراهية، ثانية حاولت التراجع، لكن اليد التي خلفي ، اخذتني الى امام عنوة، ابصرت الامتداد الملفوح بحر لا طاقة ليّ على تحمله، فلم اجد غير بقايا اشباح تلاحق اشباحها، خطو لا يستقر عند معنى، وانين لايعرف له عنوان مستقر، وسيول من الدخان الذي يلاحق الرؤوس مثل غربان ملحاء، بدأت خطواتي تتثاقل، وصارت انفاسي تتصاعد محاولة الخروج من بين جداران حلقي، لكن اليد التي لااعرف لها طعما، اخذتني اليها ببطء متمهل، الى حيث كانت الانتظارات تمطر نواحا، وصمتا، وغرابة، وجنون!!

 

انتظار الذ من العذابّ!!

 

في الهنا/ انا انتظر اذن انا مجنون / في الهنا  انا ابكي اذن انا لا استحق الانتظار / في الهنا ، انا اتأمل تلك الوجوه التي تتأمل هي الاخرى الامتدادات التي لا تقف عند حد، اذن هي تستحق الانتقام/ في الهنا / انا احاول طمأنت روحي الغارقة في سيول هواجسها  ،وأرتباكها، وخوفها، اذن انا حقير ، كلب يجب ان تدوسه كل نذلات الارض التي هنا، في الهنا…….. ثمة توابيت تنظر ان تعذب ثانية، ان تمارس ضدها لعبة الموت ثانية، ان تقطع اوصالها ثانية، ان تهان برغم الاكاذيب التي تقال عنها ثانية ، في الهنا/ خيوط من دم…..دم بألوان بدأت تجف رويدا لكنها بدأت تختلط مع بعضها بأرتياح دون ان تسأل، او هي تعمدت ان تطرد خوفها، وارتباكها، وحاولت ان تنسج اغطية وداعها الاخير بنسيج احلامها المتناسقة الالوان والأشكال،  في الهنا / شعرت ان ثمة شيء ما يحدث،،، وانتظارات تستباح، وجنون عدواني يمارس ضدنا جميعا،  / في الهنا، /، ليس ثمة مكان أوي اليه، بل ليس ثمة مكان ناؤى اليه جميعا، كانت سجادة الحر تغطي رؤوسنا بفرح غامر، وكأنها تتعمد تذكيرنا بسنوات كنا نشعر وإياها بسعادة  مبتلاة بالابتهاج، حاولت الحصول على جرعة ماء، او مكان  يجعلني اعيد توازني واستقراري، وحين اطلقت هذا السؤال الذي بدا غريبا على الحارس الباذخ الربوبية، الجالس فوق اعلى دكة في المكان، حدجني بشيء من الغضب والكراهية، وأِشار الى حين كنت اقف اولا، يتوجب عليّ الان ان اعاود الرجوع الى حيث الصخرة والنبش، والاحتقارات، لا لشيء سوى اني تمنيت ان اعمد رأسي المجنون بشيء من طهر الماء، وأن  اجعل شفتي ترتلان اناشيد ايمانها بقدسية الطهر ورواء الروح //لم يعد لدجلة ثمة من وجود برغم مرورة قبالتي… لم يعد الماء كائنا اليفا يستر عري الحياة وجبروتها، لم يعد للماء من معنى مقدس البته //، لم تعد بي حاجة الى شيء، فليس هناك من شيء يجعلني احترم وجودي كله، مثل قطعة زبد ذابت افكاري، وغاب قمر اسألتي، فاقتعدت الارض محاولا الامساك  بشيء من ذلك الذي كانني، اول ما امسكت بغراب جنوننا، ومسافات احلامنا التي كنا نعتقد انها ستأخذنا الى ابعد حدود تعرفها خطانا، امسكت بفراغ اغانينا التي ملأت ليلينا بأكاذيب الحكايات والقصص ووجوه النسوان ،  غير المتشابهات قط، وجوه اشعرها لا تشبه وجوه الان، الابتسامات الارق من الفرح، العيون التي تطش الامال، الرضا الذي يدفع بنا الى لجج التطهر المتألق، الهمسات التي تجعل كل اطيار المتنزهات تتقافز وكأنها شعرت بما نشعر به، عند تلك الحظة المبهرة جاءني الصوت الذي لااعرف مصدره مناديا أسمي، امتدت اليد الاخرى لتساعدني على  الوقوف، على اجتياز لحظات فرحي باتجاه لحظات التوابيت، كانت التوابيت قد اختفت تماما، ولم يبق غير تلك الانهار التى تحولت الى خطوط سود تشكل معاني لايمكن فك طلاسمها، معان جعلتني اعاود مر اقبتها من المصدر حتى الاستقرار ، لأكثر من مرة خطوط مستقيمة جاءت من جهات متعددة لتستقر عند لحظة اليباس والترقب، !!

 

الدخول في لعبة لااعرفها

 

*كثيرا ما سمعتهم يقولون عني، من انني لاعب ماهر، اعرف كيف ابدأ والى ماذا انتهي، وسمعتهم يقولون عني ان لخطواتي استقرار العارف  بعلوم التصوف ومدياته، وسمعتهم يقولون ان الامتحان بالنسبة لي مجرد محاولة لتوليد الاسئلة والإكثار من غرائبها وجنونها، وسمعتهم يقولون، اني خالق احلام من طراز  الجنون نفسه أنا لا احترم غير تلك الاحلام ألمجنونة ولا اعرف غيرها، واصف تلك الاحلام البسيطة الساذجة، المترهلة الاطراف المسترخية ، من انها احلام مطايا، الاحلام ان لم تك بسخونة تنانير الامهات لايمكن ان توصل لغير السذاجة والبله والحمرنة، لهذا استحوذت على كياني كله لعبة التقدم الى أمام ، وأن كانت خطواتي قد تثاقلت بعض الشي، وراحت دقات قلبي الذي صار اشبه بطائر يبحث عن خلاصة من قفص شعر معه بالملل، لكني تقدمت، الرجل الازرق الذي يرتدي جزمة تصل الى ركبتيه، الموشومة بالوان من الدم، أمرني بالتقدم، فتقدمت عليّ انقذ بقايا الصراخ الذي تعالى في دواخلي، حين دخلت المكان الفارغ من الحياة كانت ثمة جثث  تجاوزت حياء الحياة ، بعد ان شعرت بان لاضرورة لهذه الحياة، جثث تبحث عن بعض من احلامها ، لكن المكان كان  يذبح بسواطيره، وسكاكينه، وآلاته الحادة تلك الاحلام التي تجاوزت وسعها ولم تعد ترغب بغير لحظات وداع أخيره ، ابصرته الان… ابصرته يشير الي… ابصرته دونما رأس، ابصرته يشير الى المكان البعيد، وحين استدرت وجدت الرأس المغسول بجفاف الدم يستقر عند ظلام مخيف ، ظلام لم  ار مثله من قبل، لم اعد اطيق المكان، وربما لم يعد المكان يطقني، لاني وبلحظة جنون وجدتني استقر عند الطرف القصي عاريا انتظر دوري، وجدتني اشخب دما بلون الحبر، وكان رأسي يستقر عند ذلك الكهف الذي لاقرار له، الرائحة الاطرى من كل الروائح والاغرب منها ، سحبت بقايا جثتي التي بدأت تتعفن الى اول العربات التي كانت تنسحب بقوة غاضبة الى حيث التوابيت التي تنتظر، وعند لحظة سقوطي وجدت الكف الابيض منن الحليب تمتد اليّ ، قلت مستغربا ــــ ماذا؟

 

 قالت بشموخ قاتل محترف ــــــ كرامية!!

 

قلت مستفهما ــــ ماذا؟

 

اعادها بصوت محايد تماما ــــــــ كرا……. مية !!

 

الواقف قريب مني امتدت يده بورقة نقدية عالية القيمة، حين ابصرتها الكف التي تحمل تواصيف الحليب صرخت ـــــ ماهذا ماذا تضننا هنا … نتسول نحن لانقبل باقل من………. !!

 

( لن ابوح بالرقم الذي قاله ، فهذا متروك لكل من يرغب التجربة))

 

غير الواقف الى جانبي الورقة النقدية بكومة من الاوراق الحمر، ابتسمت اليد ودست المبلغ في جيب احتقارها وما لبثت ان همست ـــ من لايدفع هذا المبلغ عليه ان لايفكر باستلام جثته، وما لبث ان دخل ليجر بقايا روحي الى حيث التابوت الذي كان ينتظر الفجيعه،  اغمضت عيني، واجهشت باكيا، لا لشيء، سوى أني رحت اتأمل ما نسميه وطن وهو يساوم موتاه من اجل حفنة من الحقارات والكراهيات والموت المجاني!!

 

داخل حدود الانزيا

 

الحياة فقاعة صورها قبل ان تنفجر ، وكل نفس ذائقة الموت، وان وعد الله حق، ويا قاريء كتابي ابكي على شبابي بالأمس كنت حيا واليوم في التر اب… وياخسارة تروح يازين الرجال…… هذه شعارات مقابرنا الحديثة التكوين ، مقابرنا التي باتت تزحف راكضة علها تستطيع الاستحواذ على ما تبقى من المدن التي لاتعرف لها خلاصا، كان انبهاري خارج حدود الوعي ، خارج حدود المعقولية، وحدها خطوط بيض خطت بغير ما انتظام على سطح شاهدة صفراء تقول ـــــــ التجربة اكبر برهان !!

 

ما الذي تشير اليه تلك المقولة، ايحتاج الموت الى تجربة ، ربما….. نعم ربما لأننا نسكن  داخل اسوار ارواحنا التي باتت لا تفكر بغير تجربة الموت وتقف عند بوابات انتظاره !!

 

مشاركة