تأملات في “لو يخجل الموت قليلاً”

كوكاس يُشهر في وجه الموت وردة ذابلة كأنها سيف


 

 

سميرة جودي

 

 

“لو يخجل الموت قليلاً” كتاب تأملي مرح برغم طابعه الحزين، حيث يقودنا عبد العزيز كوكاس عبر 14 جنازة، إلى سيرة الراحلين الذين غابوا، ويمنح اللغة لمن فقد اللسان وغاص في صمت أبدي.. كتاب منحوت بقلقٍ داخلي ذاتي وجماعي، لأن جل الأسماء، المحتفى بها هنا بعد فقد، من الأسماء الكبار التي وشمت المغرب والذاكرة الجماعية للمغاربة، مكتوبة بنَفَسٍ يذكّر بأن الكتابة حياة ثانية لا يتقنها إلا من مرّ بالموت ولم يُدفن ومن الأسماء التي طانت أشبه بالنجوم في سماء الكاتب.

ليس كتاب “لو يخجل الموت قليلاً” مجرّد مرثية بنفس شعري على هيئة نثر، بل هو صرخة من داخلنا، نحن القراء أيضا، الذي كنا نظن أن الكتب تُقرأ، فإذا بها تُبكي، تُربك، تُعيد ترتيبنا من الداخل. إنه كتاب يُشبه تلك اللحظة التي ننظر فيها إلى صورتنا في المرآة فلا نرى وجهنا بل وجعنا.

ليس الموت في هذا النص قدَرًا بيولوجيًا بل موقفًا وجوديًا يتلصص، يتسلل من وراء الذاكرة، من الصور القديمة، من رائحة أمٍّ رحلت، من شغب طفل لم يغادر حلمه. كأنّ كوكاس لا يخشى الموت، بل يخشى ألا يخجل الموت من نفسه، أن يكون فظًا، عاجزًا عن فهم هشاشتنا. ولذلك، يدعوه أن “يخجل قليلا” وما الخجل هنا سوى استعارة أخلاقية لجعل الفناء أكثر إنسانية، أقلّ قسوة.
كل مقطع في هذا الكتاب هو حقل دلالي يتناسل من ذاته. لا توجد جملة بريئة ولا صورة محايدة. يكتب كوكاس بنَفَس من سار في حقل ألغام الذكريات ولم يبق له سوى قلب ينبض في حضرة الأسى. لكنه قلب لا يزال يحب، ولا يزال يكتب، لأن الكتابة ـ كما تقول صفحات هذا النص ـ فعل مقاومة في وجه النسيان، تمرّد ضدّ سلطة العدم.

تبدو نبرة الكاتب أحيانًا قريبة من الصلاة، لا بمعناها الطقسي بل بوصفها ارتجافًا داخليًا أمام مطلقٍ لا نملك حياله إلا التأمل: لماذا يموت الأحبة؟ ولماذا نعيش بعدهم؟ وأي معنى للزمن إذا لم يكن يرمّم جراحه، بل يعمّقها؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بصيغة فلسفية مباشرة، لكنها تنبض من بين سطور كتاب “لو يخجل الموت قليلا” كجمرٍ تحت رماد الصمت. إنه دفتر الخسارات الأنيقة، وكتاب المقهورين الذين لا يجدون عزاءً إلا في أن يسردوا وجعهم بلغة لا تموت.

يقول المفكر محمد هاشمي في تقديم كتاب كوكاس: ” هذا الحارس الذي فرش في تواضع وإيثار كلماته للغائبين كي ينبعثوا مرة أخرى في ضوء الكلام، فإذا بهم مرة أخرى يستعيدون ملامح الحياة، ويرفلون في أبّهة لغة كوكاس الشاعرية التي لم تفقده مهنة الصحافة فخامة الكلمات، وعراقة المعجم وفحولته، وإذا به “ينشر” وجودهم بعيدا عن مصائد النسيان، فجعلنا نعرفهم واحدا واحدا، ينبضون بالحياة في خيالنا، كأننا جالسناهم وحادثناهم، وشاركناهم سمر لياليهم وسردياتهم، عرفنا الأب والأخ والأم التي لرقّة ما كتب في حقها، صارت أُمّنا جميعا، والتقينا كل تلك الأسماء اللامعة التي غادرتنا في غفلة من الحياة، فتذكرنا ملامح أصحابها، ونبرة صوتهم، وبصمة فكرهم ومواقفهم، وجلسة الشّلة في دفء الصداقة واضطرام الأفكار، هذا الانبعاث والاستذكار لم يكن بلغة عزيز مجرد استحضار، بل حضورا عجيبا بقدر ما أسعفته اللغة وأخلاق الاعتراف، وهكذا استطاع أن يكسر سطوة الصمت والموت، بقوة الكتابة، وهكذا جعل الموت “يخجل قليلا””.

وسط هذا الغروب الممتدّ داخل الروح، ينهض عبد العزيز كوكاس من بين رماد الشعر، شاهِدًا على موتٍ يتردد في أن يقطف زهرة الكلمات، كأنّه ينتظر اعتذارًا من الحياة أو أن يخجل قليلاً. كل جملة فيها خيط من دم، وكل مقطع هو مقطع من شجرة نسبٍ غامضة تربط بين الحب والموت والكتابة والطفولة. إنّه يشبه كتّاب المنفى الداخلي الذين يعيشون داخل أجسادهم كما يعيش المنفي داخل خيمة لا تقي من الريح، ولا تُشبه بيتاً.
“لو يخجل الموت قليلاً” هو محاولة لترويض الغياب، لإعطاء الموت وجهاً يُشبهنا، ليجعلنا أكثر صدقًا في مواجهة هشاشتنا. تبدو المرثيات- البروفايلات كجدارية تأملية، لا نقرأ هنا تصورات فلسفية عن الموت، بل نسمع صوت الموت يتلعثم وهو يحاول أن ينطق باسمنا دون أن يذبحنا. وجعل من الضعف شكلاً راقيًا من القوة. لم يكتب كوكاس عن الموت، بل من داخله، كمن يسكن في تابوتٍ من الذكريات ويحاول أن يربّي فيه زهرة الحنين.

اللغة كملاذ أخير ضدّ العدم

يسائل كوكاس الموت، يستدرجه ويسخر منه، لا يُعلن الهزيمة أمامه بل يمارس أسمى أشكال المقاومة: البوح. إنه يعيد ترتيب الفناء لغويًا، كأنّ للعدم قاموسًا وللحزن نحوًا خاصًا لا يُدرّس إلا في أحضان الوداع والفقد. ليس الموت، في هذا الكتاب، نهاية بل رفيقٌ ثقيل الظل. يتسكّع في تفاصيل الحياة، يحشر أنفه في الألبومات القديمة، يندسّ في رائحة قميص الأب، في صوت الأم الذي لا يزال في درج الذاكرة. لكنه، على غير عادته، لا يبدو منتصرًا. هنا الموت ليس قيصرًا بل متسكّعًا خجولًا..
في نثر كوكاس، اللغة ليست وسيطًا، كل جملة هي حبل تتدلّى منه الذات من قمة الهاوية. لا توجد استعارة مجاملة، كل صورة هي محاولة لتسكين الألم دون أن يُنسى. كأنّ الكاتب قد استعار من الشعر أعصابه ومن الفلسفة جراحها المفتوحة. إنه يكتب كما لو كان يرقّع شروخ الزمان أو يحاول أن يرسم على جسد الغياب وشمًا من المعنى. لذلك يصعب تصنيف هذا الكتاب وفق الخطاطات الأجناسية المعروفة: هو ليس مذكرات، ولا شعراً، ولا تأملات. إنه وثيقة وجودية تُشبه ما أسماه نيتشه “نثر الضمير”، ذلك النثر الذي لا يهدف إلى الإقناع بل إلى البقاء.

الذات كمشروع عبور بين الحياة والموت

ليست الذات في “لو يخجل الموت” كيانًا صلبًا، لا حضور للمتكلم إلا في الحديث بالصحبة عن الغائبين الذين رافقهم عبد العزيز كوكاس في محطات من العمر، إن ضمير الغائب هو المهيمن هنا، حيث الغياب والفقد سيّد، وفي نص “حارس وادي النسيان” يرثي كوكاس موته، نحس أننا أمام نص بلغة تجعلنا نحار بين البكاء والضحك، نجد أنفسنا أمام جسد يسيل، يتفتت، يلبس جراحه كقميص، ويمشي في ذاكرته كما يمشي الحالم في جنازته.

نعثر على نفس نيتشوي في كتاب “لو يخجل الموت قليلاً”، خاصة حين يشتغل كوكاس على تفكيك الأنا كمركز وتحويلها إلى مشروع دائم للتجاوز. الذات ليست خلاصًا بل لعنة جميلة. ولا خلاص من اللعنة سوى بكتابتها. يقول في رثاء ذاته: “ركبني الموت حتى أصبحت مثل فزّاعة تؤنس الغربان وحشتها.. دبيب مخدر يسري في قدميّ ويصعد رويدا ليوزّع برودته بالتساوي على كافة مفاصلي، غاب صوتي، ما يتردد في جوفي اللحظة، مجرد ريح غامض يخرج مثل الشخير، آخر الزفرات، تصل رائحة الموت تدريجيا إلى كل خلاياي، وما تبقى من هواء يخرج من فمي مليئا بالتجاعيد، زُرقة شاحبة تعلو جلدي، بدا الرعب في عينيّ متلألئا، يشبه ذلك الذعر الذي ينبت في عين الغزالة لما تحس بخطر الصيادين من حولها.

يتحرر جسدي رويدا رويدا من المكان وأسر الزمان، يطير بعيدا مثل فراشة تتحرر من شرنقة دودة القز، لولا صرخة الألم والعيون الحزينة المتحلقة حول جثماني، لاعتقدْتُني في حلم، أيقنتُ أنني أسير نحو حتفي.. مثل صرخة الميلاد جاءتني الحشرجةُ الأخيرة، وَهَنُ جسدي يُضعف صرخة الألم في داخلي.. فللموت كثافة جليلة، لا تنفع معها محاولات مقاومة العزلة ولا ترويض الذاكرة على النسيان”.

هل يمكن للموت أن يخجل؟

ماذا لو كان الموت إنسانًا؟ هل يمكن أن يتورط في الشعور بالذنب؟ أن يشعر بالخجل؟ تلك النزعة الإنسانية التي لا تليق به، لكنها ربما تنقذنا منه؟ هذا السؤال وحده هو تمرّد فلسفي على منطق الحتميّة. إنه يفتح بابًا للسخرية الميتافيزيقية: أن نُهين الموت بشيء من العاطفة. أن نُربكه بالحنين. أن نُشهر في وجهه وردة ذابلة كأنها سيف.
وهكذا، لا يبقى الموت مطلقًا لدى كوكاس، بل يُختزل في لحظة، في ذكرى، في دمعة. وهذا هو الخلود الوحيد المتاح: أن نحول العدم إلى معنى، إلى كتاب، إلى بكاء ناعم.

“لو يخجل الموت قليلاً” كتاب مليء بالهشاشة، شعرية النقصان، وتمرينٌ قاس على المصالحة مع ما لا يُتصالح معه.