تأملات في جمرات الغضب

340

تأملات في جمرات الغضب

التصّرف بفنون القول والمعاني

إيناس محمد مهدي العبادي

(جمرات الغضب) عنوانٌ لديوانٍ قُدِّمَ لي هدية تلقيتها ببالغ السرور من الأستاذ الدكتور حكمت شبّر، وهو أستاذ مبرّز من أساتذة القانون الدولي في العراق، وقد أدهشني تصرُّفه في فنون القول وقدرته على التفنُّن في المعاني والأفكار وصبِّها في قوالب من الألفاظ المناسبة مع كونه غير متخصص بالأدب العربي، ولا غروَ في ذلك ؛ فأستاذنا يمتلك موهبة أدبية وهو شغوف بالشعر.

إن أول ما يواجه القارئ من أيِّ نصٍّ سواءٌ أكان ديوناً أم رواية أم قصة: العنوان، فهو النافذة التي يُطلُّ منها القارئ على مضمون النص ويمهِّد للدخول إلى الديوان والاستئناس بما فيه ويختزل كمّاً هائلاً من الأفكار والمعاني بكلمة واحدة أو بجملة موجزة. وهذا ينطبق على (جمرات الغضب)، فقد وظّف الشاعر هذه الجملة فباحت بمكنوناته، وهذا يعني أن القصائد في ديوانه ما هي إلا هموم قد أقضّت مضجعه واستحالت جمرات اكتوى بها فما كان منه إلا أن سطّرها على الورق علّه يستريح، وهذا حال كلّ من يحمل هموم وطنه ويضعها نصبَ عينيه.

عناوين القصائد

وبنظرة سريعة على عناوين القصائد في الديوان نجد أنها  متنوعة ورمزية ومشحونة بطاقات دلالية توازي في كثير من الأحيان النصوص التي تندرج تحتها، وهي متشابكة يُفضي بعضها إلى بعض، وهي تتضمن :

ـ رموز أثرية تنتمي إلى حضارة وادي الرافدين نحو  (سومر).

ـ رموز دينية : نحو كالحسين (عليه السلام)، وقد استعمله صريحا مرتين في (غدروا سميّك يا حسين، الإباء والحسين)، وكنّى عنه نحو (أبا الشهداء) وجاء منصوباً فهو يناديه ويبثُّ آلامه وأحزانه ويستنجد به (عليه السلام).

ـ رموز وطنية تميزت بفكرها وعلمها الغزير، كالحبوبي العالم الثائر المجاهد، وهادي العلوي المفكر العراقي المتنوِّر الذي قرأ التراث العربي قراءة واعية، واشتهر بمواقفه الجريئة، والشخصية الوطنية عبد الفتاح ابراهيم، في : (في ذكرى الراحل الشهيد الحبوبي، إلى ذكرى شهيد الفكر هادي العلوي، بغداد تنعاك يا فتاح).

ـ رموز أدبية : كالجواهري، وأحمد مطر، ونزار قباني، ويجمع بين هؤلاء الثلاثة التمرد والجرأة في التعبير عن الواقع، كـ (إلى الشاعر العراقي أحمد مطر، إلى ذكرى نزار ـ عسعس الحب، إلى روح الجواهري).

ـ رموز حُفِرت في ذاكرة الشاعر و ذاته وكان وفياً لصداقتهم بحيث ظهرت أسماؤهم في شعره، نحو: (إلى ذكرى أخي وصديقي الدكتور جعفر الكويتي، إلى صديقي المصري ممدوح، إلى صديقي غسان العطية).

ـ رموز مكانية : كـ ( بغداد، و حلبجة، والمربد).

هذه العناوين إن دلّت على شيء فهي تدل على قوة ارتباط الشاعر بوطنه، ولغته و الفكر العربي والثقافة العربية التي نهل منها فنمى عنده هذا الوفاء الذي يكنّه لكل ما هو عربي عراقي إسلامي، فثمة قوة تشدّه إلى الأماكن والرموز الدينية والوطنية والأدبية. فيحمل آلامَ وطنه ويغتمُّ عند ذكرها فتغدو جمرات يكتوي بها.

وقد ابتدأ شاعرنا ديوانه بقصيدة (الزنبق المخنوق) فنرى أنه يربط العنوان ربطاً وثيقاً بأبيات القصيدة من البداية إلى النهاية، فالزنبق ذلك النوع من الزهور الذي يبعث البهجة في النفس بألوانه الزاهية وعطره الفواح تراه مخنوقاً لما حلّ به من البلاء وتتابع الأرزاء وقد انسجمت الألفاظ في عموم القصيدة مع هذا المعنى فعلى مستوى التراكيب مثلا: (طال صمتي، أعيى قلبي الأرق ، استراق الأحلام، غاب ربيع العمر ، موطن الحب ينسحق، تظافر الهم  والإملاق والقلق …) وعلى مستوى الألفاظ المفردة: (الخنق، الرزايا، ظلام، رعب، الغرق، الحنق، العمى…)

تجربة شاب

كأن القصيدة تصف تجربة شابّ يحلم بأن يرى وطنه مزدهراً ينعم بالخير والسلام والرخاء، فيختنق ذلك الحلم ويمضي العمر سريعاً  وتُسحَق تلك الصورة التي يكنها في قلبه لذلك الوطن وتصبح ذكرى تؤرقه ، ويتظافر على جموح نفسه الهمُّ والإملاق والقلق، الهم لضياع أحلامه، والفقر الذي استشرى في حاضره ويهدد أبناء وطنه ، والقلق على مآل هذا الوطن الجريح ومستقبل أجياله.

ولأن الشاعر يتمتع بحسٍّ مرهف فهو يتألم لهذه الأرزاء والبلايا أكثر من غيره، بل يهوِّلها في عين القارئ كما في قوله:

نُمسي ونُصبحُ والأيام تمطرنا        بوابلٍ من رزايا الدهر تندلقُ

فعمّ فينا ظــــلامٌ هدّ أذرعنــــا         كأنه يومُ حشــرٍ فيه ننغلــقُ

وحاقَ بالكونِ رعبٌ شلّ كوكبنا      من هوله كادت الأجرام تنطبقُ

يا لها من صورة رهيبة رسمها الشاعر، فمصائب العراق كمصائب يوم الحشر تنسكب انسكاباً، وزيادة في التهويل تخيل أن الكون يتفاعل مع مصائب هذا الوطن ؛ لأنه يرى العراق مركزاً للكون فكادت الأجرام تنطبق على الأرض.

ثم نمضي إلى قصيدة (الراية البيضاء) وهي رمزٌ للاستسلام والتسليم، لكن مضمون القصيدة يخالف هذا التصوّر إذ يبدأ الشاعر قصيدته بحرف النفي (لن) الذي ينفي القيام بالفعل في الحاضر وفي المستقبل، أي لن نستسلمَ لا اليوم ولا في الغد على الرغم من قسوة المحن وكثرتها، ويكرر حرف النفي (لن) مصراً على موقفه ( ولن تطال يدُ الأقدار عزّتنا. فلواؤنا شامخٌ أقوى من الزمن)، هذه تَذكِرة لمن سوّلت له نفسُه أن ينهب خير هذا الوطن .. هذا الشعب .. الرخو الذي يبدو ضعيفاً، فالحذر كلّ الحذر منه ؛ لأنه قادر على التغيير متى شاء ذلك!.

ثم راح الشاعر يتساءل: ماذا تسرق أيها الناهب؟ أتسرق تراث سومر؟ الذي أهدى أولى السنن إلى البشرية، أم تسرق أمجاد هذه الأمة التي تزهو في ألق، أم تكتفي بسرقة عقولاً جبارة كانت قادرة على بناء العراق، سرقتم كلّ شيءٍ ثمينٍ عطِرٍ وأفرغتم هذه الأرض من خيراتها ونعمها المادية والمعنوية. ويمضي الشاعر مصراً على موقفه إلى نهاية القصيدة فلم ولن نستسلم، بل سينتهي الظلام ونستعيد سنى الأيام المشرقة، وننعُمُ بالأمن النفسي لمستقبلنا المشرق، ونبني من جديد ذلك العزّ التليد، وتبقى الأصالة في العراق وأهله.

ولم يغفل الشاعر عقيدته الراسخة بل كان لها نصيب من شعره في قصائده: (آل البيت، الإباء والحسين، أبا الشهداء)، فهو يؤكد مظلومية أهل البيت ويبين الظلم الذي لحق بهم لإطفاء جذوة الحق ولكنهم ثبتوا في شجاعة وإباء لم تنل منهم المكائد والدسائس، ولم تفلُلْ عزيمتهم الحروب، فقدموا القرابين تلو القرابين طمعاً في مرضات الله، وانبرى الحسين ثائراً يتقدم ثلة كريمة من أهل بيته وأصحابه لمقارعة الظلم والجور، فهو امتدادٌ لرسالة جده (ص)، ويستنجد الشاعر بالحسين ويبث أحزاناً مريرة ويشبه نفسه بالطائر الكسير الجناح قد ثُكِلَت روحه لفرط البلاء وتكاثر المحن، فقد عاد بنو أمية صفرَ الوجوه يمارسون ظلمهم وطغيانهم، وانبعث الحَجّاج يعيث في الأرض فساداً، وستُعاد مأساة كربلاء ولكن بأيدٍ أخرى وبوجوهٍ جديدة.

ولو أمعنا النظر في قصائد الديوان: (الحنين إلى الوطن، الزحف المُخزي، اختزال العراق، التنين، بغداد يا عنقاء، العودة إلى مجتمع العبيد، الجريمة والصمت، جوامع الطاغية، بيعَ العراق، …) نلاحظ الشاعر يتأسف ويتحرّق ألماً لما حلّ بالعراق الذي ظل يرزح تحت سلطة  حاكم جائر فتأخر قروناً عن الأمم، ويؤكد على موقفه الوطني في كلِّ بيتٍ وفي كل لفظة ويرفض بشدة تقسيم العراق وتضييعه من أجل المناصب، ويسخر من الحكومات التي توالت على هذا البلد الجريح، وقد استعمل الشاعر الرموز والكنايات في طيات النصوص، ولكن القارئ الفطِن يفهمها بسهولة، كالتنين والعنقاء وغيرها.

الفاء الهيبة

أما القصائد (في ذكرى الراحل الشهيد الحبوبي، إلى ذكرى شهيد الفكر هادي العلوي، بغداد تنعاك يا فتاح) نجد الشاعر عندما يرثي المجاهد الحبوبي تكتسي ألفاظه بالهيبة والفخامة ويوشِّح تراكيبه بالجزالة إجلالاً لهذه الشخصية الفذة ؛ فيشبهّهُ باللواء، بل هو ألف لواء في ساحة المعركة، ونجمٌ أضاء بفكره وعقيدته رؤى المسلمين، فهو العالم الرصين والشاعر الرقيق معاً، والقائد الشجاع الذي لم يساوم المحتل وكان لهيباً على الكافرين.

ويتحسر الشاعر على موت المفكر هادي العلوي في بلاد الشام مهموماً مهجوراً يصارع السِّقام وحيداً، وقد قطع درباً موحشاً يتلمّس العلم ويبحث عنه بحثاً حثيثاً، وكان عفيف الفكر والقلب لم ينافق على حساب ما يؤمن به.

            وصوّر كيف بكت بغداد على عبد الفتاح ابراهيم ذلك الوطني الذي تسلح بالعلم، وعشق دجلة، ويتخيل الشاعر أن النخيل في بغداد حزين هرِم بسبب بعد عبد الفتاح ابراهيم عن أرض الوطن.

 فالشاعر في كل ما سبق ينعى العلم والفكر والأدب في هذه الشخصيات ؛ فالعلم أساس تطوّر الفرد والمجتمع وجوهر الوجود وبه تتقدم الأمم وتخلد الحضارات، ويُحيي مواقفهم الجريئة وثباتهم على ما يؤمنون به.

ويبدو الشاعر متابعاً جيداً للنتاج الأدبي والشعري على مستوى العراق والوطن العربي، فهو وفيٌ لبعض الرموز التي تركت أثراً جميلاً في مجال الشعر فيعنونُ قصائده: (إلى الشاعر العراقي احمد مطر، إلى ذكرى نزار عسعس الحب، إلى روح الجواهري، مهرجو المربد)، و يفتتح قصيدته (إلى الشاعر العراقي احمد مطر) بالتأوّه والشكوى من حال بلاد الرافدين التي طالما انتقد واقعها احمد مطر بومضات شعرية سريعة سخر فيها من الحاكم الجائر ومن الانتهازيين الذي يحفّون به ومن الخراب، والفقر، والجهل الذي استشرى في مهد الحضارات.       ويرثي الجواهري بقصيدة بعنوان: (إلى روح الجواهري) يفتتحها بالتساؤل متعجباً من موت الجواهري بعيداً غريباً عن وطنه وأهله، ويشبهه بالنجم، فكيف يهوي من عليائه جسماً بارداً يضمّه الثرى، بل سيبقى نجماً لامعاً في سماء الأدب والشعر، فهو تلك الموهبة التي وُلِدَت في مدينة موهوبة، وهذه حقيقة أتفق عليها أبرز نقاد الأدب، وبالغ بعضهم فقال: بموت الجواهري انطوت آخر صفحة من ديوان الأدب العربي.

مدح الحاكم

ويسخر من شعراء المربد الحديث كما يفضل أن يسميهم، إذ كان همهم مدح الحاكم الجائر والفوز بعطاياه لا أكثر ولا أقل، فلا يهمهم الشعر والأدب، والشعر كما لا يخفى وسيلة إعلامية يجب أن يستعملها الشاعر في محلها، ولكن شعراء المربد الحديث  كان همهم الجوائز السنية، فلم يتنبهوا للشعب المثخن بالجراح يمرحون وسط الضحايا بضمائر ميتة، يخوضون في دماء الشعب العراقي ويرقصون على جراحه، فيا ويلهم من زمرةٍ فاسدة.

وقد تنوعت قصائد الديوان وشملت كل ما يتعلق بالعراق وما يكابده شعبه وهذا، يؤكد على ذوبان الشاعر في الأحداث فهو يواكبها يوماً بيوم، وقد حفل الديوان بالفنون البيانية، كالتشبيه  والاستعارة والمجاز والكناية والرمز، واتّسم بنزعة وطنية صادقة، ولكنه اتّشح بالأسى والحزن من ماضي العراق وحاضره المخيب للآمال، واليأس من مستقبله المجهـــــــول.

مشاركة