تأثير العمليّات الإرهابية على الأمن الغذائي

515

تأثير العمليّات الإرهابية على الأمن الغذائي

عماد علو

ان احد ابرز مرتكزات الامن الوطني العراقي هي مسألة الأمن الغذائي التي تتأثر وتؤثر على جوانب عديدة من  اهتمامات المعنيين بدراسات الأمن الوطني العراقي اليوم مثل  الابحاث والدراسات الاقتصادية من جانب ، والعمل الإغاثي وحقوق الإنسان من جانب آخر؛ حيث تثير مسألة الامن الغذائي العديد من القضايا التي تربط بين هذه الأبعاد على المستويين النظري والعملي. وعلى مدار السنوات الماضية منذ عام 1991 ، فرضت قضايا الأمن الغذائي نفسها على المشهد العراقي بدءا” من الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق في اعقاب حرب الخليج الثانية  وصولا” الى حالة تفاقم الصراعات الطائفية العنيفة في مناطق العراق المختلفة التي اندلعت في اعقاب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، وما أدى ذلك الصراع من خلل وتمزق في النسيج الاجتماعي العراقي اتاح الفرصة لعصابات ارهابية (داعش) من اغتصاب اراض واسعة من العراق تقدر بثلث مساحة العراق معظمها اراضي زراعية ومراعي ومدن وقرى تنتج العديد من المحاصيل الزراعية والحيوانية .

ومن الجدير بالذكر أن مفهوم الأمن الغذائي يتضمن أبعادًا أكثر تعقيدًا من مفهوم “الجوع”، فهو يتضمن ليس فقط كميات المواد الغذائية التي يحصل عليها الأفراد، بل يشمل كذلك آليات إنتاج ونظم تسويق الغذاء التي تقرر تكلفته، وتشكل من ثم حدود قدرة الأفراد على اختيار الغذاء، كما يُعنى هذا المفهوم بتوفر الغذاء في المستقبل، بالإضافة إلى توفره في الوقت الراهن .

وذلك فان منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو FAO ” قد حذرت في آخر تقاريرها حول الوضع الغذائي في العراق إلى أنّه الآن ثمة ما يتجاوز مليون شخص فروا من سكناهم ومزارعهم منذ كانون الثاني (يناير) 2014 تاركين أعمالهم وممتلكاتهم في وقت كان موسم الحصاد الرئيس لمحصولي القمح والشعير على بدايته. وفي المجموع، يبلغ المشردون(النازحون قسرا”) نحو مليوني عراقي حالياً في عموم البلاد، بما في ذلك المتضررين من الصراعات السورية والأحداث السابقة في العراق.

 ووفقاً لإنذار أصدره النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر لدى منظمة (الفاو FAO ) انه نتيجة التطورات الانسانية الخطيرة الناجمة عن الصراعات العنيفة في العراق، فإن توقعات المحاصيل المواتية في العراق لعام 2014 باتت في خطر الآن . وأوضحت (الفاو FAO ) انه قبيل الأزمة الراهنة حدت وفرة الأمطار توقعات تفوق المتوسط لحصاد القمح بما يبلغ في المجموع ثلاثة ملايين طن للعام الجاري، أي فوق متوسط السنوات الخمس الماضية بنحو 16 بالمئة. وكان من المتوقع أيضاً أن يبلغ محصول الشعير 900000 طن، أي 15 بالمئة فوق متوسط السنوات الخمس الأخيرة ، الا أن ما حصل من تطورات ميدانية بعد 10/6/2014 وتساهم المحافظات الأشد تضرراً بالنزاع الحالي، وهي نينوى وصلاح الدين، في المتوسط بما يقرب من ثلث إنتاج القمح في العراق ونحو 38 بالمئة من محصول الشعير السنوي.

لذلك فالمقدر أن تزعزع حالة الأمن المدني السائدة وما يرتبط بذلك من مشكلات صعوبة الوصول، ونقص الأيدي العاملة، والاضطرابات في النقل والتسويق سيؤثر بقوة في الحصاد والإنتاج المحلي والعرض ، وبالتالي على الامن الغذائي العراقي .

وبالنظر إلى خفض الكميات المتوافرة من الأغذية الأساسية مثل القمح، فإن وصول العديد من الأسر والعائلات الفقيرة والنازحين قسرا” من مناطقهم التي باتت تحت سيطرة عصابات داعش الارهابية ،  إلى الغذاء سيتدهور هو الآخر، حسب منظمة الأغذية والزراعة(الفاو FAO ). وإن السكان الأكثر ضعفا لن يكون بإمكانهم الوصول إلى المواد الغذائية الأساسية وغيرها من المنتجات الأساسية على الرغم من مساعدات الحكومة . و تشير التقارير أيضاً إلى استنزاف احتياطيات الحبوب في محافظتي نينوى وصلاح الدين، كما يتجه مستوى الأغذية المتاحة عبر نظام التوزيع العام إلى التراجع بسرعة كبيرة. ويمثل هذا النظام المصدر الرئيسي للغذاء في حالة أفقر العراقيين، إذ يزودهم بسلع مدعومة الأسعار من الأرز، ودقيق القمح، والزيت، والسكر، وحليب الرضع.

كما إن المنطقة الكردية في شمال العراق تواجه هي أيضا ضغوطا لأنها استقبلت قسما كبيرا من السكان الذين اضطروا للتخلي عن أراضيهم، إضافة إلى أكثر من 225 الف لاجئ سوري.

من جهة أخرى، تشكل الأمراض التي تصيب الحيوانات تهديدا للماشية في العراق وخطرا على الصحة العامة ولا سيما بالنسبة إلى اللاجئين والنازحين، وفقا للفاو.لذلك فانه من المتوقع أن ترتفع متطلبات استيراد الحبوب للفترة 2014 – 2015. حيث ، تقدر واردات الحبوب بنحو 4.26  ملايين طن، بما في ذلك 2.7 مليون طن من القمح و1.3 مليون طن من الأرز.

ومع تضرر إمدادات السلع الغذائية الأساسية وفي مقدمتها القمح، فإن وصول المواد الغذائية إلى العديد من الأسر المعتمدة على وضعية الأسواق، والفقراء، والنازحين من المرجح أن يشهد مزيداً من التدهور. وبالرغم من أن معلومات دقيقة عن أسعار المواد الغذائية ليست متاحة بعد، فالمرجح أن تكاليف السلع الأساسية سترتفع أيضاً.

ومن الضروري الاشارة الى أن هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تؤثر سلبًا على الأمن الغذائي العراقي من قبيل: الطقس السيئ، وارتفاع أسعار النقل، وفقدان مصادر الدخل، وانتشار الأمراض. وعمومًا يغيب الأمن الغذائي عندما لا تكون لدى الأفراد القدرة على الوصول إلى الغذاء الذي ينتجونه بأنفسهم، أو عندما تنخفض كمية وجودة الطعام المتوفر لهم؛ أو عندما لا يوفر لهم النظام الغذائي القدر الكافي من المواد اللازمة لحياة نشيطة وصحية. وقد يعد غياب الأمن الغذائي أمرًا عاديًّا، كما قد يصل إلى درجة حادة تهدد الحياة وهو ما يحصل اليوم وما يعاني منه الآلاف من النازحين العراقيين في مناطق نزوحهم داخل العراق. من هنا لابد من تكثيف الجهود والمساعي الوطنية والدولية لإغاثة النازحين العراقيين بالسرعة الممكنة بشكل مستدام ، وذلك لوجود العديد من الروابط بين ارتفاع أسعار المواد الغذائية والجوع من جهة وعدم الاستقرار السياسي والصراعات من جهة أخرى. حيث توجد علاقة مباشرة بين غياب الأمن الغذائي وغياب الاستقرار السياسي، اذ ان فشل الحكومة العراقية في توفير الغذاء سيؤدي الى حلقة مفرغة من عدم الاستقرار. ويمكن القول إن غياب الأمن الغذائي أصبح أحد أهم نتائج الصراع في العراق ، وفي الوقت ذاته يُسهم في نشوب جولات متكررة من النزاع المسلح في هذا البلد نتيجة التنافس للسيطرة على الموارد الطبيعية كالأرض أو الماء أو الحقول النفطية وغيرها من الموارد البيئية الأخرى. وقد ينجم عن غياب الامن الغذائي قيام المواطنين بالتمرد والاحتجاجات التي قد تكون عنيفة، في مواجهة الحكومة المركزية عندما يعتقدون أن هذه الحكومة تهدد مصالحهم وأمنهم الغذائي. خلاصة القول أن استمرار العنف و الصراع مع الجماعات الارهابية سيؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي؛ إذ يمكن أن تقل كمية الغذاء المتاحة بسبب هذه الصراعات، كما تقل قدرة الأفراد على الوصول إلى الطعام، فضلا عن الحد من فرص توفير الرعاية الصحية، وزيادة عدم اليقين بشأن تلبية الاحتياجات المستقبلية للغذاء. ان استمرار العنف و الصراع مع الجماعات الارهابية سيؤثر سلبًا على صحة الإنسان؛ فالصراعات تدفع السكان المتضررين إلى اعتماد ستراتيجيات المواجهة والتكيف التي تعني التقليل من استهلاك الغذاء، وسوء التغذية يجعل الأفراد -من جميع الفئات العمرية- أكثر عرضة للمرض والموت.

كما أن الإجراءات التي تتم دون فهم كاف للأحداث المعقدة والمربكة المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي والنزاع قد تفشل في تحقيق أهدافها، بل ومن الممكن أن تزيد الأمور سوءًا، لذا فثمة اتفاق واسع النطاق على ضرورة إجراء تقييمات سريعة على أرض الواقع لإرشاد التدخلات قصيرة الأجل التي تلبي الاحتياجات الحادة (مساعدات الاغاثة) . وللخروج من دوامة العنف المتكرر وانعدام الأمن الغذائي، يجب أن يعقب إجراء هذه التقييمات السريعة القيام بمجموعة من التحليلات التي تقدم رؤية متكاملة حول أسباب ونتائج الصراع والعنف ، للوصول الى انجع الوسائل لتلافي شبح غيــاب الامن الغذائي في العراق

مشاركة