تأثيرات  وقائع الحكايات الشعبية في الحياة اليومية الموصلية

799

تأثيرات  وقائع الحكايات الشعبية في الحياة اليومية الموصلية

ملامسات المسموح من خدر التمنيات

معن عبد القادر آل زكريا

ممّا لا شك فيه أنّ الشُعوب وعلى إمتدادات تواريخها وتوالي الأجيال فيها ، واختلاف أنظمة الحكم وتعاقب الطبقات الحاكمة ، كانت وفي خضم سياقات مُهمات الوجود والتواجد والكدح والمُطاولة من أجل المعيشة والتداني في الحروب والأرباح والمغانم و الإنتكاسات والهزائم على حدٍ سواء ، تعودت أن تقتنص لأنفسها ومضات من فرص الوقت ومساحات من الأزمنة في مُناجاة للذات وتذكّر السلف من الآباء والأجداد والتغني بمفاخر وأمجاد تواريخ أيام مضت وانقضت ، كان لا بد للأقوام والجماعات من تكرار صناعة اللُغو وإعادة بثّ الكلام وخلق الأحاديث وتزويق كل سقط الحدث بماضيه أو قريبه بما يُنعشُ نسمات خدر تمنّي سلطان النوم  والتعامل مع الماضيويات بأوصاف تغشاها مكابرة لا بأس بها في الحق وفي الباطل ..! وتغليف السوءات بشرائح هذيانات كل قارئات الفناجين سواء بتصوير ما يمكن ان تُحدثُهُ الأيام من أفعالٍ أو ما تجودُ به قرائح أصحاب المُخيلة الواسعة من إعادة رسم تلاميح شُتاتات بعثرة أحكام الزمن الماضي على وفق تمنيات الجودة المحبوبة والمطلوبة بما يعني في المحصلة تأريخٌ للأهل والقوم والعشير والسالفين لا يمكن نسيانه أو نكرانه …! بل مطلوبٌ التباهي به والمفاخرة بزمن حصوله و واقعاته المشهود لها حتماً … أو لا …!!

التابوات الثلاث (ج – س – د) …

وقد تطال حكايات الشعوب (ونؤكد هنا على الشعب العراقي على نحوٍ عام ، والموصلي على نحوٍ خاص ) في مناجاتهم وآفاق مُعاتاتهم لصعوبة الحياة ومتانة أوجه  الغادرات من الأيام جُلّ الشخصيات المُنقرضة والبائدة وتلك الأخرى مطلوبة الحضور لأي سببٍ كان ، وقد تستفز بعض الحكايات المستلمة من السلف بما يُناغي حكايات ألف ليلة وليلة ، مشاعر المُنصتين والمُستمعين والمتلقين إن قلنا أنّ الحيوانات والحشرات وما يلغُ في ذلك من أشياء أيضاً قد صنع لها الحكواتي أو الراوي (العليم وغير العليم) مجموعة دوائر تدورُ حولها أستار حياتات تلك المخلوقات ، الغاية منها الإختباء وراء شخصيات مفترضة أو غير حقيقية  تُحرّكُ بعضَ خلجات حوار أو تُحدّثُ بما يستحي الآخرون من الحديث به أو الإفصاح عنه علناً وعلى المكشوف بما يمكن أن نسميّه التابووات الثلاث ( ج . س . د ) … هي ليست أكثر من حالة إختباء ناكصة .. حسب ..!  وبالتأكيد فقد جاءت بشكل عبثٍ حكائي غير مُسند بمقابض متينة من الحِبكة والتخيّل والمقاربة والتشبيه …! فكان لا بُدّ من أن تتكون الحكاية الشعبية على وفق ذلك الأنموذج الفجّ والمجتزيء والبائر ..! إنّ صنّاع الحكايات ورُواتها ومُهندسيها وكُل السائرين في هذا  السبيل والوالجين في أتونات هذه الصنعة ، وقبل أنتشار وسائل الإعلام الحديثة وطُغيان عصر صناعة الكتب وكُلّ مُيسّرات النقل والتحوير والتلفيق والإستنساخ والإستنسال والإرسال والإستلام والتصوير والسكانر والفوتو شوب في أقل من لمح البصر ، كانت هناك في الطرف الآخر من حوارنا ومقارناتنا ،طُغيان الأمية وتوزع الجهل بالتساوي بين رعاع الأمة المكاريد وانتشار الأمراض بمختلف أنواعها وهيئاتها ونشاطاتها والتخلف والفقر وتدني كفاءة الإنسان في صورة شخصيته و وضعه الاجتماعي وإنتاجه من حصة العمل ومعدلات المُساهمة الصفرية في خلق الناتج القومي الإجمالي بصورةٍ شبه لا عادلة بين تقاسيم طبقات بني البشر والأصناف من الناس ، كانت كلها من الأسباب القاهرة لعواطف الناس وسحق شخصياتهم فدفعت بحُزمتها الكابحة إلى منعهم من التنفيس عن مكنوناتهم وحرمانهم  من الحصول على خيرات التعلّم والتمعرّف ،كون ما هو حاصلٌ وموجود وكائنٌ على أرض الواقع يوم ذاك أقوى في حقيقته من كل قوى شرائع العدالة السماوية المُفترض تطبيقها بين ظهراني مُجتمع إسلامي ، وأقوى حتى من النظرية الطبيعية والاجتماعية في وُجوب تحقيق العدل وحتمية التعلم والإنصاف ودحر كُل أبواب الجهل والتخلف .

الحث الحكائي والتوازيات غير المنظومة …

إنّ الميزات العامة والصفات المُتحدة في غالبها ، تتفق عند محاولة الكشف عن  أعماق جُذور ما نحنُ بصدد التحديق  في بحور خلجات جوانبه وأطرافه (الحكايات الشعبية)عبر مايكروسكوب مجهري شديد الدقة  ،  قد تُـظهرُ للباحثين والمُوثقين والمُؤرخين  – ومن زاوية حرجة خاصة بنا وقد يرصدها أيضاً البعض الآخر من سوانا – أنه كانت هناك في تلكم الأزمنةٍ السالفة بعض زوايا تتنفسُ من بين شقوق جدرانها أسلاك مُشعة من الضوء الباهت أو المتقطع ، تمثلت بشكل أنفاسٌ لاهثةٌ تقبع بين صفوف ربات البيوت وأمهاتهنّ وجداتهّن ، وأؤلئك الثرثارات من النسوة والأخريات واسعات الحيلة والأخيلات والذكاء والفطنة ، أنهنّ وبحكم توافر أحد أطراف المعادلة الحسابية – الأطفال الصغار – أؤلئك ورغم شيطنتهم قد يحتاجون في بعض الوقت إلى النوم المبكر أو الإختباء خوفاً و رُعباً من (شقاق البطون ) و صمّ الآذان من صافرة الحارس (الجرخه جي ) صاحب داورية الليل عالية النغمات والمؤشرة على الحذر والتزام الصمت و هروب الأولاد في لحظة التفتيش عن بقعة الأمان إلى عمق أحضان الأمهات والجدّات ، مجتمع فيه حرامية ولصوص لا يخشون أحداً من أهل السلطة والشرطة – إعتماداً على مرجلتهم وسباعياتهم – و يطلبون من صاحب الدار أن يساعدهم (إيشيلهم) في حزم الحاجيات المسروقة من دار صاحب الدار ..!!  وقد تكون لحاجتنا الآنية في التشبيه أن نستذكر  حكايات السبع مُطلقات مع حارس (باب الشط ) وهو أحد أبواب مدينة الموصل القديمة مُتعددة الأبواب…!!   ذلك السياق من الحثّ الحكائي ، ما إجتمعت مكوناته في ليلة أو أكثر من ليلات الشتاء الطويلات كي يصير بشكل حكاية أو أقصوصة أو حدوتة بل إنما أخذت نصيبها من تواتر الأجيال وتعاقب الآماد والخواطر ، دخلت عليها بمرور الأعوام  تحويراتٌ من هنا وتعديلاتٌ وبعض إطالات مرغوبة من هناك لتغدو في أزمنة أجيالٍ لاحقة شيئاً من حكايات التراث الشعبي والموروث القومي أو المديني لا يُستهانُ به ولا بقوة تأثيره وسحر إنعكاساته على المُتلقين أو المروي لهم  من الصغار والكبار ومن كلا الجنسين على حدٍ سواء . إنّ أؤلئك النسوة وأغلبهنّ من الجدّات القادرات على القيام بالمهمة خير قيام كُنّ من الأنموذجات صحيحات التكوين ومن مالكات الحرفة والمُمارسة الحركية الدؤوبة  ، وكُنّ على الدوام وبحكم التكوين البايولوجي والتهيؤ الفطري مُستعدات لمُهمة القصّ الحكاياتي والحدوتي ، شديدات الحضور للقيام بتنفيذ طبيعة الأدوار المُخصصة لهّن دون أن يعوا (مع بعض الإستثناءات في بعض الحالات) ما هنّ  قائماتٌ به ولأجله من أدوارٍ لها جوانب تربوية واجتماعية ونفسية لا بُدّ وأن تنعكسَ  في كل الإتجاهات (وقد إنعكست فعلاً) وعلى وفق مضمون الرسالة والمرسل إليه من نتائج تتدحرجُ بين السالب والموجب وأبعاضهما في إمكانية وجود أضلاع مثلث و زواياه ، أيهما ينطبق على أيّهُ … أو قد لا ينطبق..؟!!  ومن هنا ، من رأس الشليلة وأولُهُ ،لا بُدّ وأن نكتشف طبيعة بدء تسلسل خيوط الحكاية أو القصة ، السالفة والنميمة أو ( الحدوتة) والأقصوصة ، والواقعة الدينية (حقيقية كانت أو من المُضافات الإسرائيليات المُدمجة قسرا وبُهتاناً ) … أو ممزوجة بين هذه وتلك ..!! وهذا لوحده قد نجعل لهُ مستلاً خاصاً في بحثٍ لاحقٍ ومنفصل …! ذلكم المشهد الحكواتي المنقول في مُعظمه شفاهاً ، بحسب ما تختزنُهُ صدور النسوة وذاكراتهنّ على وفق تدرجات أعمارهّن في بيئةٍ غارقة في الظُلمة ، لا يدور في فراغٍ معزول ، بل يبقى الغلاف الخارجي للقشرة الصلبة متمثلاً بالجدّات الطاعنات في السنّ ، لهُنّ القدح المُعلّى في حفظ الأشياء مطويةٌ على أخواتها في مخزن الذاكرة الحافظة بحكم العمر والتجربة والسماع والتجميع ، فضلاً عن قدرة البعض ممّن نقصد ، وتمكنهنّ من الإضافة والحذف والقصّ والتفصيل والخلق من جديد ..!!  وفوق ذلك لا بدّ من أن يكون للإبداع دوره المحرّض بتوافر الحكّائين والرُواة من ذوي ومن ذوات القابليات على جعل القصة العادية والمروية  لمئات من السنين بطعمٍ جافٍ ومحدد و تجري روايتها بشكل ٍ إعتيادي ومعلوم من الرتابة  ،  نراها في أعينٍ أخرى وقد إكتنفتها طُرُقٌ مُغايرة في التمثيل والتشبيه والقولبة والتقمص في إعتمادٍ أكيد على نوع الراوي و طبيعة شخصيته لتصل أسماع المتلقي وهي في أحلى أبهة وأجمل تكوين … لا يمكنُ للسامعين من الأطفال نسيانها حتى مراحل متقدمة من أعمارهم ..!!

المدوّن والمشفوه من القصّ …

وقد لا أكونُ مُغالياً انا الباحث  إنْ قلتُ أنّ ما سمعتُهُ من أهلي وما قصّوهُ على أسماعنا ، وهم بأدوارهم كانوا قد سمعوهُ عن أهليهم و  ذويهم ، وعن أؤلئك القصّاصين والروائيين من كبار السنّ ، أو ذلك الذي كانوا قد قرأوهُ في أوراق كراريس مطبوعة ومُسطّرة وموثقة على ورقٍ أصفر أو ما في مُستواه ،  أقولُ ليس في حقيقته سوى ضخّ حياة في أجداث مخلوقاتٍ حقيقية أو مصطنعة  مُفترضة أو مركبة عاشت أحداثها وشخوصها و نمت وترعرعت في (حوضٍ واحدٍ) وفي بيئة متقاربة لا ضير إن وقع خلاف سطحي في هذا المعنى هنا ، أو إستطالت الأقصوصة في غير محلها هناك ..!! يتقولُ المُحدثون والرُواة والقصاّصون والمعنيون في هذا الحقل من التخصص أنّ الحكاية الشعبية عاشت في أول حكائها في بيئة (قلقة) تمتدُ جذورها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 بعشرات من السنين والأعوام وفي أزمنة حُكم الدولة العثمانية مترامية الأطراف ومتعددة الشعوب والثقافات ، فلم يكن هناك تعليم ولا صحة ولا مدارس ولا مطابع ولا جرائد  ولا راديونات ولا كهرباء ولا نقل ولا مواصلات ، إلاّ من رحم ربي ، وفي درجاتٍ من البداءة والبساطة تكادُ لا تُصدق ، يقضون جُلّ أوقاتهم في أعمال الغزل والنسج والحياكة والخياطة والتطريز وشغل الجيكاير و في تنظيف  كبّابات الصوف على المشط أو تنظيف القطن من الجوزة في ليالي شتاءٍ مُظلمةٍ تبدأ منذ مغيب الشمس ولا تنتهي حتى طلوع الفجر التالي ،  فكانت الحكاية الروائية التي تُشاطرُها الأجواء القصه خون في المقهى (أو العنترية والهلالية) مع بعض الأسطرة … هي الزوجة المفضلة عند الرجال متوسطي الأعمار والذكاء من أهل الموصل من المتمتعين بخاصية قابلية الإتقاد في حضرة التماهي والإنشداد الحماسي أو ما يقع في محيط دائرته من مزايا العشيرة والقبيلة والدين والمذهب .وصاحبة الحظ السعيد في تبوئها المركز المرموق من بين وسائل التسلية والتذاكر والتحديق في أعماق الماضي والتصفيق لأفعال المُغامرة والبطولة ، وتأتي من بعدها الحكاية الخُرافية بما يحتضنُهُ الحدث التركيبي المكون لها من تفرعات تقع في دائرة الخرافة الفجّة والمُسطّحة واللامعقول ، ملتوية الحقائق و مبعثرة التواصلات وتقع في مجملها خارج أنساق التموضع العقلاني ، ولا تُرضي سوى طُموح الفئات العمرية من صغار السنّ بمن فيهم محدودي الذكاء و مُتوقدي الذهن على حدٍ سواء ..!  كون هؤلاء المُتلقين جميعهم قد يقعون في دائرة الإنبهار الوجداني ، جرّاء الخواء الحكائي المسيطر وحده على الساحة ولا شيء سواه ، وغياب البديل السردي المنقول متين البنية  أو المكتوب الهادف ، وغير المتوافر في مثل تلكم الوحدات الزمنية ، فضلاً عن عدم قدرة الدولة المشكلة حديثاً – ممثلة بالنخب من الطليعة المتعلمة والمثقفة وعلى ندرتها – وهي تتأرجح بين العدم والوجود والتشبث بمسك الأرض في بدايات تشكيلاتها في تلكم العُقود الأولى من أوائل القرن الماضي  من خلق الأنموذجات الرصينة القادرة على توليف محميات من الكتابات الجادة والممتعة في آنٍ واحدٍ ، كون أغلب النخب كانت مُنشغلة بمسألة الحدث السياسي المسيطر كلياً على قلب الشارع وعلى عقله ، وهيمنة أفكار المطالبة بالإستقلال الناجز والإنغماس في العملية الديموقراطية المستوردة حديثاً وعمادها الانتخابات النيابية  و فرية تشكيل التجمعات السياسية أو تكوين الأحزاب الآنية … ناهيك عن أنّ المنظر التخيلي للقاص – إن وُجد – أو ذلك الآخر خالق السرد الحكائي (كليهما ) لم يكونا يمتلكان عين السمكة في رصد الأشياء  ، فضلاً عن عدم قدرتهما على تحويل الحوارات والتجارب البينية أو تلك التي تسود العلاقات مع أفراد وأسر أجانب إقليميين أو دوليين ( وهذه غير موجودة ) إلى قصص مكتملة النضوج تندرج تحت باب المذكرات أو تبادل الرؤى يمكن أن تتحول إلى حكايات وروايات … وهذا في الأصل سببهُ ضعف العلاقات مع المكونات الاجتماعية والأسرية بين فئات من مدن القطر العراقي الواحد ( إلاّ بنسبٍ محدودة لا تُشكل قاعدة يمكن الركون إليها ) ، فضلاً عن عدم إمكانية الحصول على تلكم العينات و النماذج  من دول الجوار جراء ضعف وسائل الإتصال والسفر وتغلغل أجواء (المُحافظة) على مشروع الإختلاط  و ندرة مصادر القراءة الصحية و هيمنة الأجواء والُوسائل (المحافظة ) على المتداول والمنشور، فضلاً عن أنّ الصحافة المطبوعة والمنشورة كانت بعيدة عن متناول أيادي الطبقات الأهلية والمستويات العمرية الصغيرة بسبب ضعف مستويات المداخيل النقدية للأفراد من جهة وإبتعاد مستويات الصحافة ومسؤولي تحريرها عن الإرتفاع في تعظيم موارد فن القصة الغربي و تقديمه للقارئء العراقي على نحوٍ عام والقاريء الموصلي على نحوٍ خاص ، كما أن غياب الذائقة الحسية الشفّافة والإفتقار إلى بُنية المنظومة الجمالية عند مستويات أسرية موصلية عديدة أدّى بها إلى الإبتعاد عن التماهي وكتابات ٍعظيمةٍ من التي تمتلك أطراً رصينة تعملُ في تلاقيات صحيحة وحب الأوطان ومحاربة الخرافات والتحليق في أعالي الرومانسيات ، لكنها هي أصلاً (تلك الأسر الموصلية ) عائشة ضمن أجواء مهيمنة أقلُ ما يقال فيها أنها مدموغة بالخفوت المعرفي وسيطرة الأمية التعليمية والثقافية والميل إلى السكون والإستكانة وعدم الإنعطاف إلى التغيير ولا حتى المطالبة به وعدم الوثوق بالأجنبي ولا بكتاباته  ولا بطروحاته و لا  بتبشيراته … !! وإنصراف الأهل كليةً إلى تربية الأولاد وتعليمهم السائد من الرصّ الحكائي الديني واللغوي الأمر الذي دفع بالأسطورة الحكائية الخرافية الساذجة والرخيصة في أسواق بورصات الموازين العدلية  من التسيّد لفتراتٍ زمنية طالت او قصرت .

التأثيرات الجوفية في احتساب (الحكايات مُسيّسة) …

وفوق هذا وذاك لا بد من ذكر سببٍ مهم قد يجفل كثيرٌ من الباحثين من التقرب من تأثيراته الجوفية دون أن يُرصد له أثرُهُ الظاهري عند النقاد والمراقبين ، ألا هو الميل الفطري الديني عند أهل الموصل آباء وامهات ، دفع بهم للإلتجاء إلى معسكر الخرافة والإكتفاء بحكايات ( الخنفساني و أفريش الأكرع والداميّي و شقاق البطون وأحديدان ) والإكتفاء بقراءة المواليد والقصص الدينية ، مُحاذرين الوقوع في أحضان قصص الرومانسية الغربية أو تلك القصص التي تصف المواطنة الصالحة وغيرها تحكي عن بطولات الدفاع والموت بين أفراد أممٍ وشعوب وطغيان أفكار السلام العالمي ضد مباديء الحروب وتجارها ، تلك التي يحسبها الأهلون عندنا من الكتابات المُسيّسة ، وخوفهم الأول والتالي هو إبعاد أولادهم  عن الإنجراف في تيارات  نتاج دول الغرب والشرق كليهما على حدٍ سواء مدفوعين بالخوف الحذري والوقائي من كل ما هو حديث أو جديد أو ذلك الذي ليس له من بين أسس هيكلياته  وازع ديني او محرك مذهبي أو إلهي …!!! والإكتفاء بالدوران حول نتاجات التواريخ القومية (حقيقية أو مصطنعة مُبالغٌ بها ) بغض النظر عن مصادرها أو تقاويم تسطيرها وألوان ورق طباعتها … مصحوبةٌ ببقايا مُسطرّات من آثارالهجيع الديني ضعيف السند حقيقه أو مصبوغه …!!! فليس للعقل أيّ قرار في هذه المماحكة بين البينين وليس للعقل أيّ سيطرة على مخارج مسألة التماهي أو المقاربات في أيهّما يجب أن يزيح الآخر ، فالمسألة محسومة حتماً للخرافة ميلاً لها على كفة موازين قصصٍ يُفترض قدومها من ميادين حقيقية في المجتمع الموصلي تكسر قيود الرتابة والروتين …!! ، حتى ولو كانت في بعض أبعاضها من حصص الأدب الأجنبي سواءٌ القادم من تراجم الريف الروسي  أو الصراع في حرب الباستيل الفرنسية أو تلك الأساطير القادمة من ميادين الحرب الأهلية الأميركية ، ناهيك عن غياب حكايات وقوالب قصصية من مختلف أنحاء العالم الشرقي الأقصى البعيد أو الأوروبي أو الأميركي الجنوبي كان يمكن أن تجد لها موطيء قدم في هذا الصراع ، ويبقى الأدب المصري والسوري واللبناني (عدا نتاجات كُتّاب المهجر) ظلّ يلّف  في معظمه حول دوائر حكايات ألف ليلة وليلة ومنجزات شروحات التفاسير في السنّة والقرآن وحكايات من العصور الفاطمية تحكي عن الولاّة والسلاطين و أشياء تحكي في الجنس وعنه في أيام العهد العباسي  الثاني وقبل أن تدخل الميدان مجلتي الآداب والرسالة وثالثتهما مجلة الهلال كمطبوع مصري قلبت بعض موازين القوى في سوق إنتاج القصص والروايات والفكر والموزونات من القراءة الثقيلة والرصينة والجيدة ، وهذه أتهمت في يومٍ من الأيام إتهامات تطعن في دينها وفي وطنيتها …!!

دور الطباعة والمطبوع في رفع بورصة القراءة …

وعلينا أن لا ننسى قيام بعض المطابع وعلى نحوٍ خاص في مصر (مطبعة بولاق)  من إعادة طبع المقامات العربية (الحريري) والمُقابسات(أبو حيّان التوحيدي) ّعلى مختلف تصانيفها وضخّها إلى سوق بورصة القراءة لتجد لها آذاناً صاغية هنا وهناك ، أما مطبعة الآباء الدومينيكان في الموصل فمن باب الإنصاف أن لا نغمطها حقها في التواجد في أزمنة كان يسودُها الظلام من جُلّ جوانبها ، إلاّ أنها في العموم قد إنغمست في الترويج للكتابات اللاهوتية ونشر بعض نتاجات المسرح لكُتّابٍ مسيحيين من الرُوّاد الأوائل في معالجات إبتدائية ومحاولات في كتابة القصة القصيرة التي لم تكن تمتلك الأسس البسيطة والمنضبطة في أسلوب الفن القصصي . وبالنسبة للمقامات فهي في نظر المنصفين  قد أعادت التقويم لكثير من الإختلال في بنية القراءة العربية إلى مواضع متينة في الحس الحكائي واللغوي والمعرفي حسب .

فكان لا بُدّ للأجيال في تلك الأزمنة الغابرة وعلى وفق كل هذه التصانيف التي أوردناها من الوقوع في أحضان الخرافة وما حولها ، والخيال الفجّ وما يكتنفه من جنسه من الأساليب الظلماوية في طريقة الترتيب والتركيب وضعف المتانة وتهلهل الرصانة في الكمّ المنتج والمطروح في سوق التناقل والسماع والتخدّر في أتون كثير من المرويات العدمية ، متنقلة الحركة بين خيالٍ قعيد وتشابكٍ غير متسق ، وتمحورٍ حول دور الصدفة والعثرة والتمني والغشم واللا حول في مقابل مُعادلة غير مستوية النضج في صراعٍ مفتعل و طرفه الآخر أهل الحيلة والدساسين و الدهّاقين والأفّاقين والمرتزقة و(ركّابات الحْبْ)… وما إلى ذلك من طغيان أساليب الإرتزاق الرجعي غير العفيف والكسل الجسمي والعقلي المُؤبد ، وكأنما عقُم المجتمع الموصلي أو ما هو في مستواه من الإتيان بغير هذه المدخلات ، أو أنّ الإبداع الفكري أو الفلسفي عند أهل الصنعة قد إنجمد في جرّةٍ  رسم الزمن على سطحها خارطة من الأشنات وعمائم من الطحلبيات ، فتيبست جذورهم وحرنت عن إنبات وليداتٍ من نوع آخر أكثر تطوراً وأقوى تمثيلاً وأروع أنموذجات حياتية يمكن الإستشاد بها . ومع كل ذلك قد يلمس السامع الفطن في زوايا وزواغير بعض الحكايات من حكمةٍ لا بأس بها منتصبة هنا و موعظة تنبطح على ظهرها في مشهدٍ ساخرٍ هناك …!! وهذا بمجموعه قد ضاعف من طُغيان تأثير الحكاية والخُرافة على ما عداها من أساليب الرواية والحكاية ، زبدتها وهدفها التسلي ومهمات قضاء الوقت وعلى إمتداد قرونٍ بأكملها من الأزمنة النائمة والهابطة على حدٍ سواء ..! دون أن يكون للفكرالنيّر والإبداع الإنتاجي أي نصيب من الكد والإجتهاد والتعب في ميدان مراجعة أو مماحكة أو نقدٍ أو تعقيب أو تثوير … إطلاقاً ….!!

مشاركة