بُردة الأحلام

338

بُردة الأحلام
سالم صالح سلطان
دككت صقيع الانتظار علي باب قالوا عنه خريفاً. ما زلت أغرفُ منه دثار الوجد لأتحرر. مضت أحلام الفصول ، وجفت تحت ثري سنين كاسيات للظمأ. عبابها مغّرب في سنوات قضّمت كل اشتهاءات طفحت من رخام الروح ، وبذرت كل جرف الغريزة وجف صداها. جحّدني باب التوبة من أن أطأ مزلاجه – ليدرأ عني كفارة تمر خللها صفصافتي ناجزة شهدها المدمن في التمني.
هي واحدة جاءت من زمن الخيبات. تلبدت نقش رصاصة في سما عمري ، ومضت فصول تتوالد بمحطاتي. مثل كفن يوشح ذاكرة توخز أحلامها عصافير الوهم. تقتطف سنين احتطامي في الوجد وغدوت مجنون أسري في أحقاب رؤاي. اعتكفت رغائي عند أسوار بيتها. كنبيذ لايعتق نادمه ، عزفت لها سيمفونيتي الولهي. غفي بتهوفن بظلي ، لم أطفئ جوعه المنسي / أشمع امتلائي في التمني/ بطواحن أضغاثي إلي نهد لم يتجلي ملاذ نبعه خلف تلك النافذة/ كهلت الشتاءات القاسية ولم أتعطر بمعصّرة طلتها.احتطبت دكة بيتها يسوع هوي. أبيع موال للغادين ولشقراوات يرأفنّ ناسكها ببضعة تآسي ، وهنّ يخبئن نشوتهّن بحيائه. وقدت شموعي علي سورها. مرت عليّ الريح ، وعاتبتني سُكنة الليل : يابنت صديق! أما يكفيك غزل اللاءات ؟ لقد غادرني حي ملا عثمان ونام بتهوفن ، وتركني لصوص العتمة لقداس انتظاراتي.
قلت لك منذ عقدين : وأنا أتلو كالعادة قداس المحنة جوار سورك / مابالك ترقّنين لَمزات التغاضي ، وتبصمينني في تمنعك رقيمة / ذؤابة تنخر مهمازك / فينكأ كبريائي عنق زجاجة. أترنح في جموح الليل. تهزني قرائن المنجمين بأحجية الملتقي علي شفا هذا السور.
ياللهول ! مر الزمان. بلسمَ الرأس ذيول الفجر ، لم نفقأ مجهر ذكرياتنا ، هجوت الآهات وتعسر في شفق الرذيلة غيمة لحن شرقي يا بنت صديق: ما بال الحب يعد سنين الخيبات ؟ ألم توقظك كمان بتهوفن. والليل مر وما زلت تعيرينني وخزاتك ؟ كم لطّمتني المواويل بين أسوارك ، حتي فر قيس بين مضارب ينشد وجد ليلاه ولكن آه وألف آه ، فما من خيمة شقت لثام جودها. نهضت يوما ورميت برقع الأحلام عن جسدي. حررت قلبي من خرافة الحب. وتركت رائحة أنوثتك تقتل فيّ روح التشبث. أتوسم المسافات لو تعيد فرجالها لتؤدة تنقشع منها رؤية. كنت تلملمينني قطنا ، وتغزلينني نورسا اطلقتيه للسماء فلم يعد. كنت ألمك رملا في السطور، تقانة تمهر حبر أزمنتها. بين أسوار قطفت نوازع صحوتي ، ودلست فخار شهوتي في عرجون صمتي. في طواحين مجدليات تغيهب غبارهّن رملا أشعبيا.
أدرك أن القادم مزلاج محنة لاباب له، وما تبقي عندي رُقية زمّلني فيها بتهوفن ذات غروب. خبأتها في مضخة القلب ، وركنت قبل الأوان في لحد صمتي مع جيش ذكريات ، إن بيني وبين نفسي نصف ملاك ونصف جان. لاأحد يدرك الآخر، وبدا مشواري كمن يضرب معوله في تربة رخوة عله يجوس مفازاته ويعبر. غرق في أوثان سنيني. بأحجية أن المس شعاع وأنا في ذبالة تلك الاجهاضات.
تركت أحلامي لصمت النسيم. كنا غرباء في حب يورق سنوات تقاه. شحنات ترفو لعشق ليست مكيدته احتلالا لجسد. رغم انك موصومة بلدغة الأنا. تلملمين غبار كبرياءك بهذا التوجع من كفن اللاءات. أنا لم يجف حليب شيخوختي .عند سور بيتك أشيع أنفاس دموعي. اخبأ في صقيعها ريشة حلم. علك تفيقين من هيفاء العنوسة وأنت في تباريح أنثي جريحة رجراجة بلاءاتها. تتنهد بفيض انعتاق لريح تجلو شفاه مهجتها .
حين اجترحتِ اللآأرض واللآسماء تركت مرافئ حي ملا عثمان.
لااخفي عليك. أنا كاهن في الهوي ، ولكن لست ربانا. سلوّت قاربك بلا مجذاف. ما عادت تعنيني بوصلة؟ أنا ضائع في أرخبيلك اللغز. في وقار الشيب انفث غليوني ،وبردة الأحلام تنسيني وهاد المجهول في صقيع الانتظار.

/2/2012 Issue 4127 – Date 20- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4127 – التاريخ 20/2/2012
AZP09

مشاركة