بيوت على قبور الباسقات والسيّاب يسيح بصليبه من أبو الخصيب

334

إستطلاعات (الزمان) بمجال  السياحة في العراق (3-3)

بيوت على قبور الباسقات والسيّاب يسيح بصليبه من أبو الخصيب

البصرة – حمدي العطار

ابو الخصيب ارتبطت في ذاكرتي من ناحيتينن جمال الطبيعة والمناخ،فكلما اردنا الراحة ونسيان الهموم توجهنا الى (ابي الخصيب ) سواء بالسيارة حيث الطرقات المتعرجة ترسم معالمها وسط كثافة اشجار النخيل وبساتين الفواكه والانهر المتعددة مع منظر طيرن الحمام واصوات  تغريد البلابل،ويمكن الوصول الى (ابي الخصيب )عن طريق سفرة نهرية ممتعة تنطلق من العشار على ضفاف حدود شط العرب او من نهر الخورة حيث حدود ابو الخصيب وعلى طول تلك الضفاف تلمع اشجار النخيل بالسعف والتمر حتى تصل الى نهاية (ابو الخصيب) في منطقة (ابو الفلوس) – سميت بهذا الاسم لوجود مخافر على نهر ابوفلوس تأخذ المبالغ عن المحاصيل الزراعية التي يصدرها ابناء المنطقة بواسطة الابلام- “1 ثقافيا لا يغيب عن بالنا الشاعر “بدر شاكر السياب وقريته الخالدة (جيكور) – وتعني الرجل الاعمى او النهر الاعمى-  وجيكور تاريخيا  كانت تذكر مع ثورة الزنج حيث اتخذها صاحب الزنج (علي بن محمد) مقرا لعاصمته “المختارة” 250 – 270 هجرية  ،عندما ثار على الدولة العباسية في زمن المعتمد  بالله !كذلك انهر (ابو الخصيب) المشهورة باسماء الاشخاص الذين قاموا بحفرها – حيث يستغرق حفر النهر سنتين- “2 فكل من يحفر نهرا يجمع ابناء المنطقة ويصبح رئيسا لهم !كما يمكن تسميت الانهار باسماء القرى او باسماء حدث مهم “نهر اليهودي في قرية الحمزة جاءت تسميته الى الطبيب الذي عالج احدى نساء الخليفة هارون لرشيد  فأشفاها فأكرمه بهذه المساحة الزراعية في المنطقة  ويقال أنه كان يهودي الديانة””3″اما النهر الذي اشتهر ليصل الى العالمية  فهو نهر قريب من بيت السياب يطلق عليه (بويب) خلده في  قصيدة بعنوان  (بويب بويب)

 أجراس برج ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرار والغروب في الشجر

وتنضج الجرار أجراسا من المطر

بلورها يذوب في دمي حنين

بويب يا بويب

كل شيء تغير كثيرا حتى غابت تلك الملامح الجميلة فالبساتين وكثافة الاشجار والنخيل قد حل بدلا عنها البيوت والمحلات على جانبي الطريق (العشار –  ابو الخصيب)  بعد ان كان الطريق   عبارة عن بساتين تمتد من البصرة الى (ابي الخصيب)، فلا كنا نشم على هذا الطريق الا روائح الزهور والقداح والهواء البارد المنعش النقي، اليوم ونحن نسير في هذا الطريق الذي اصبح مزعجا بأزدحام السيارات وتطاير الغبار من الارصفة الترابية على الجانبين فلا المنظر يسر ولا الانفاس تطيب بجمال البصيرة وحسن المناخ! كان المؤرخ والتربوي  مؤلف كتاب (أبو الخصيب في ماضيها القريب ) – ياسين صالح العبود- وهو احد اعلام مدينة (ابو الخصيب) ،حينما قمنا بزيارته استقبلنا بطيبة وكرم اهالي (ابو الخصيب)،وحدثنا عن طبائع اهل القضاء وعاداتهم وتقاليدهم وهو زميل للشاعر بدر شاكر السياب في المدرسة الابتدائية ،كان يتكلم عن تلك التغييرات الهائلة التي اجتاحت (ابو الخصيب) وشوهت ملامح المدينة التي يصفها بأنها كانت (جنة) ومن يقرأ كتابة  بعنوان (ابو الخصيب في ماضيها القريب )– وقد اهدنا نسخة منه الطبعة الثالثة – يشعر فعلا بهذا الحزن والالم الكبير بما ألت ليه المدينة مقارنة بالماضي القريب، انها الحروب وما تنتجه يقول ياسين صالح العبود “لا تلوم من يقص النخلة لأنه لا يعرف قيمتها” نعم كان احد قادة الجيش في الحرب العراقية الايرانية – ماهر رشيد- يقول اريد ان ارى ايران وانا اقف في البصرة وهذا لا يتم الا بجرف بساتين النخيل والقضاء على اللون الاخضر المميز لمدينة البساتين ( ابو الخصيب )، نسمع حسرة حزينة من كاتبنا ومؤرخنا وهو يعلق “بيوت على قبور الباسقات” !!

الامكنة الاثرية والتراثية

انطلقنا صباحا من العشار متوجهين الى ابي الخصيب، كان يمكن ان تمطر بسبب الغيوم والهواء الذي يوحي بالمطر،ونحن نتوجه لزيارة بيت السياب الذي اصبح من ضمن البيوت التراثية، ويقام فيه الامسيات والجالسات الثقافية، وشيء طبيعي ان يكون للمطر وجود في ذاكرتنا مستمدا مضامين (انشودة المطر) للسياب (اتعلمين اي حزن يبعث المطر؟| وكيف تنشج المرازيب أذا انهمر؟\

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع | بلا انتهاء- كالدم المراق، كالجياع، كالحب ، كالأطفال ، كالموتى- هو المطر!)،ومن المفارقات التي ذكرها لنا المؤرخ العبود ان جنازة السياب التي نقل جثمانه يوم 24\12\1964  من ابي الخصيب الى البصرة في يوم شديد المطر ودفن في مقبرة الحسن البصري!

كان في انتظارنا الصديق (ابو حازم) وهو من شيوعي القضاء حينما تنظر الى عيونه وتقاسيم وجهة تقرأ معاناة اهالي (ابو الخصيب)،كان يملك سيارة بيكب قديمة جدا،وهي اكيد جزء من التراث، تحس بحماس الشباب لديه المقعد الامامي الذي جلست فيه مملوء بنسخ من جريدة طريق الشعب وبعض الكراريس  الشيوعية! ويبدو لي هو الموزع لها في القضاء، هو يذكرك بأحدى شخصيات غوركي !

كان يرحب بنا كثيرا وهو يتعرف علينا ويعدد اسماء بعض الشيوعيين من ابي الخصيب، وجاء اسم( ابو سلام) فريد عبد الكريم حنتوش- وهو من القيادات المحلية للحزب في فترة السبعينات وكان معتقل معنا في سنة 1980-1981 اليوم لديه محل لبيع الاجهزة ويبدو انه  قد طلق الحياة السياسية نهائيا! سارع ابو حازم بالاتصال بالمعلم المثقف والناشط في مجال التراث وثقافة (أبو الخصيب) والمشرف على ندوات والجلسات الثقافية التي تعقد في (دار السياب) التراثي الاستاذ (طه ياسين) شعلة من النشاط الثقافي وهو دليلنا السياحي في زيارة الاماكن الاثرية والتراثية (بيت طالب النقيب) و (دار السياب) (الجسور التراثية ) و(الانهر القديمة) و(بيوت الشناشيل – الحاج غانم الهارون مثالا)  ومعلومات عن بيوت الشاعر (سعدي يوسف) والروائي (اسماعيل فهد اسماعيل )ومعلومات عن ثقافة وتراث واثار (ابو الخصيب)!

السياب يسح بصليبه

كان رفيقي بالسفر فائز وهو له اقارب يسكنون ابو الخصيب من زمن بعيد يطلق عليه بيت العامر،وكان يود رؤية البيت الذي كانوا يقيمون فيه واذا كان احد منهم طرفه لا يزال يعيش في منطقة نهر خوز- وكلمة خوز تعني “الماء العذب” وتشتهر هذه القرية بصناعة حلاوة نهر خوز الشهيرة واول من قام بصناعة هذه الحلاوة قبل 100 عام شخص اسمه (عبد الرحمن ابراهيم محمد)  وتصنع تلك الحلاوة من دبس التمر والراشي المصنوع من طحين بذر السمسم ثم توضع على النار،وكلما كان الدبس طبيعيا تكون الحلاوة افضل- وقد وثق المؤرخياسين صالح العبود في كتابه ابو الخصيب في ماضيها القريب بالصور تلك القرية فضلا عن صورة نادرة لحاج صالح صاحب حلاوة نهر خوز وهو يحمل صورة والده الحاج عبد الرحمن محمد اول من ادخل صناعة هذه الحلاوة الى ابي الخصيب- ونحن قد اشترينا العديد من تلك  الحلاوة فهي افضل هدية يحملها من يزور ابو الخصيب الى الاهل والاصدقاء! كان من الصعب علينا معرفة اقرباء صديقي لولا المرافق السياحي من اهالي ابو الخصيب الذي رشدنا الية ابو حازم المعلم والناشط الثقافي (طه ياسين)  فهو كان يملك معلومات عن تلك العائلة التي تعد من وجهاء (ابو لخصيب) اما المؤرخ العبود فقد جاء بكتابه حول عائلة العامر ص 232 حينما كان يتحدث عن طالب النقيب وقرية السبيليات – تلك القرية التي سميت كذلك لأن احد اصحاب البساتين سمح للناس ان يأخذوا الفواكه والتمور مجانا فكانت (سبيل)! يقول المؤرخ ياسين العبود(كان يزوره في قصر- طالب النقيب- على ضفة شط العرب الغربية العديد من الشخصيات مثل الشيخ خزعل الكعبي أمير المحمرة وكثير ما كان الاثنان يزوران ياسين العامر في بستانه في قرية نهر خوز، والسيد ياسين العامر هو جد النائب عن البصرة في العهد الملكي السيد احمد العامر)

بيوت الشناشيل

تشتهر بيوت الشناشيل في البصرة وهي متواجدة كثيرا في (ابو الخصيب) خاصة في بيوت الاغنياء مثل (طالب النقيب) وبيت (الحاج غانم الهارون) – والشناشيل هي غرفة تبنى من الخشب وفيها زخرفة جميلة وزجاج ملون وتطل على الشارع – ويؤكد العبود ان اصل كلمة الشناشيل ليست عربية فهي من مقطعين (الشاه نشيل) وتعني مقصورة الشاه او الملك،وجاءت طريقة بناء الشناشيل مع الاقوام التي زحفت على المنطقة ومنهم المغول الذين جلبوا معهم النجاريين والفنانين والعلماء من الامم المفتوحة ومنهم الهنود والصينين الذين لديهم المهارة في فن البناء والزخرفة ” 1 وتغنى السياب في ديوانه ” شناشيل ابنة الجلبي”

 حينما اصطحبنا الاستاذ طه ياسين في البداية لمشاهدة اقدم جسر خشبي في (ابي الخصيب)  وهو على نهر ابو الخصيب – يقول مرشدنا اسم ابو الخصيب جاء من اسم (ابو الخصيب مرزوق ) من موالي الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور وراي اخر يرى انه من اسم (ابو الغصيب) رجل ارسله هارون الرشيد ليكون واليا على (ابو الخصيب) واخرون يرون التسمية جاءىت لأن ارض (ابو الخصيب) خصبة جدا!

وقد افتتح هذا الجسر  الملك فيصل الاول عام  1924 وتم التقاط العديد من الصور بعدها توجهنا الى بيوت الشناشيل للحاج غان الهارون ونحن نشعر بالحزن الى ما الت ايه من وضع مزري بعد ان شاهدنا صورة لها في كتاب العبود وهي شامخة تطل على نهر (ابو الخصيب) ،ويرى المثقفون حول ضرورة اعادة تأهيل هذه الشناشيل لتكون مركزا تراثيا تقام فيها لامسيات الثقافية والفنية! انطلقنا بعد ذلك لزيارة (بيت السياب ) والذي كان يطلق عليه السياب (دار جدي) العبود المؤرخ هو صديق وزميل للسياب في مرحلة الدراسة الابتدائية وقد ذكره في كتابه وفيه معلومات لم نسمع عليها سابقا ، مثل كانت طفولته سعيدة،وهو مولعا بالعزف على الناي حينما يرى اغنام جده،وكانت اول قصيدة كتبها هي قصيدة (الدفلى) واول قصيدة في الشعر الحر قصيدة (هل كان حبا)،حينما وصلنا الى دار جد السياب وهو الدار الذي ولد فيه السياب سنة 1926 وقد خلد السياب هذا الدار في قصيدة (دار جدي) ويرجع تاريخ بناؤه الى عام 1915  وهو مبني بالطابوق وقسم منه باللبن والسقوف بالجندل،كان السياب في البداية يعيش بالطابق الارضي من البيت ثم انتقل الى غرفة في السطح نحن صعدنا السطح والبيت بحاجة الى صيانه لأنه (مخسوف) ويكاد ينهار، وشعرنا بالحزن كما شعر السياب حينما زار بيته وهو على اتعس حال بعد ان كان عامرا بعائلة السياب الكبيرة، وترك الجميع الدار مهملا فقال في قصيدته (دار جدي):-

مطفأة هي النوافذ الكثار

وباب جدي موصد وبيته أنتظار

أطرق الباب فمن يجيب يفتح

تجبيني الطفولة الشباب منذ صار

بيت طالب النقيب

ثم توجهنا لمشاهدة بيت اخر من البيوت التراثية المهملة هو بيت طالب النقـــــــــيب والذي كان مرشحا لتولي العرش ويكون ملكا على العراق،النقيب ابن قرية السبيليات ،وكان يتصف بالثقافة ويجيد اللغات التركية والانكـــــــــليزية والفارسية ، وهو ذو شخصية قوية ،تخشى منه الدوائر الاستــــــــــعمارية ولم توافق على توليه عرش العراق! تولى وزارة الداخلية في العهد الملكي، وتوفي عام 1929 وهو مدفون في مقـــــــــبرة الحسن البـــــــــصري ،اما قصره فقد اهمل وتعرضت الشــــــــــناشيل الجميلة المطلة على شط العرب الى الهدم وبدلا من ان يكون الدار من ضمن البيوت التراثية اصبح من الانقاض!

انتهت رحلــــــــتنا الى البصرة ونحس بحاجة الى العودة اليها لكي نقوم باضاءة باقي الاثار والاماكن التراثية الكثيرة والمنتشرة في البصرة.

انتهت

مشاركة