بين ليلى العطار وفائق حسن  – محمد علي شاحوذ

480

بين ليلى العطار وفائق حسن  – محمد علي شاحوذ

ليلى،وفائق… اسمان كبيران شكلا لي وما يزالان لغزا كبيرا ومحيرا،وهنا لست بصدد استعراض منجزات فنهما الراقي،ومنذ أن كنت طفلا تكونت لديّ فكرة عنهما،ليلى التي اعتبرها دليلا دامغا على وجود كائنات فضائية نزلت من كوكب الزهرة وسكنت الارض!!

،ولا أعلم من ذاك الغبي الذي تجاهلها ولم يضمنها في قائمة عجائب الدنيا السبع!،وقتها شكلت هي ظاهرة فنية فريدة،فمن النادر أن ترى الفن الراقي،والجمال النادر،والحس المرهف،والذوق الرفيع،تتجسد في امرأة واحدة. كنت

أتوق لرؤيتها،وكلما سمعت بافتتاح معرض فإنني أخرج من الجامعة متوجها الى مركز الفنون القابع في شارع حيفا،لاحتمال ان احظى بلقائها ،ولكن كانت محاولاتي كلها تبوء بالفشل،فأروح أقضي معظم الوقت متأملا في لوحات فائق حسن وأعمال علاء بشير،حتى أنتهي عند لوحاتها،والتي تكشف دائما عن صراع أزلي تتزاحم فيه حالات انسانية مختلفة من التشتت والضياع،والقهر والظلم،والألم،وفي أخر لوحاتها صارت  ترسم بألوان داكنة،اشجارا كئيبة ،عند الغروب،وصارت تميل للعزلة والوحدة والحزن من خلال رسمها الجماجم البشرية والاشباح،الى جانب الدماء،ويبدو أنها كانت تتنبأ بنهايتها المأساوية،والتي اختتمتها بلوحتها الاخيرة التي رسمتها بدمائها واشلائها المتناثرة تحت أنقاض بيتها الذي تعرض للقصف،تلك النهاية التي كان الموت يخطط لها،وينتظرها بشغف ليحظى بمقابلتها،حتى الموت كان يحلم مثلي منتظرا لحظة لقائها،فسبقني اليها،ولكن من قتل من؟،أتكون  قباحة القتلة،و وحشيتهم هي من صرعت الجمال والفن؟،أم أن فرشاتها وألوانها،ونقائها هي من قتلتهم؟،غير أنّ المؤكد انها انتصرت رغم أنها كانت الضحية!.

ذات مرة وبينما كنت اتمعن النظر في وجوه الموجودين في المعرض،واذا بالفنان مخلد المختار يبادرني الحديث: انت دائم الحضور الى هنا،وفي كل مرة تبقى وقتا طويلا،وكأنك تنتظر احدا ما ؟،والحقيقة لم أجرؤ على مصارحته برغبتي القوية بلقاء ليلى،فارتبكت قليلا وتداركت الامر،واجبته انني ابحث عن لوحات الفنان فائق حسن!!،ومن الطبيعي أن يتبادر الى ذهني فائق لشغفي الكبير بفنه،عندها قال: تعال معي سأدلك على البعض منها وسأريك شيئا لم يطلع عليه احد قبلك!!. قادني الرجل الى بعض أعمال فائق،ثم بادرني بسؤال مفاجئ: هل تعلم أين فائق حسن الان؟  أجبته: بالطبع،اعرف… مات في فرنسا ودفن هناك،عندها اتجه الى احد ادراج المكاتب  وأشار الى قارورة معدنية صغيرة،وحملها بيده،وقال: هذا كل ما تبقى من فائق حسن!!!.

كانت وصية الفنان فائق حسن أن يُدفن في بغداد،لا في فرنسا،ولما تعذر إحضار جثمانه،عمدت زوجته الفرنسية الى حرق جثته،و وضع رمادها في قارورة،وإرسالها الى بغداد لدفنها تنفيذا لرغبته !!. خرجت من المركز أجرّ قدميّ المثقلتين مصدوما،فبدلا من لقاء ليلى العطار،حظيت مصادفة برؤية بعض مما تبقى من جثمان فائق حسن،غير انني وجدت نفسي ذات يوم أقف عند رأسها،ولكن بعد فوات الاوان!!!.

مشاركة