بين الوعظ والكتابة – طالب سعدون

674

نبض القلم

بين الوعظ والكتابة – طالب سعدون

تحول الكاتب الروسي تولستوي في مرحلة من حياته – وهو بتلك المكانة الكبيرة ، والشهرة الواسعة الى واعظ  .. وكانت تجربة جديرة بالتأمل ، والبحث والاهتمام من الباحثين والنقاد الى يومنا هذا …

فهل ذلك يحسب له أم عليه …؟ وهل هناك تقاطع بين المهمتين .. الروائي والواعظ ..؟..

قد يجد الكاتب ضرورة في ذلك ، وتوضيح ما يؤمن به ، أو يراه صحيحا .. وفي كل الاحوال  ليس ذلك موضوع هذه الأسطر ..

ولكن …

في مهمة الكتابة  المباشرة  عن الواقع قد يجد الكاتب الصحفي نفسه  يمارس دور المصلح ، والمرشد ، والشيخ ، والواعظ ، والمعلم  من حيث لا يدري ، أو بدراية تامة عندما يرى الصورة قاتمة ، وليس لها من حل غير أن يكون واعظا ، ينذر بالخطر وعواقب الامور ، ويقترح الحلول لكي تعود بيضاء ناصعة ..

قد يضعه البعض في أحد تلك العناوين من خلال  فكرة معينة .. فهو على سبيل المثال عندما يذكر ببديهيات غابت ، أو أصبحت استثناء ، قد يبدو ضمن تلك العناوين …

لا بأس من أن يمارس هذا الدور ، أو قريبا منه ، ويذكر بثوابت الدين ، وقواعد الاخلاق والقيم ، ومبادىء الوطنية ، وينذر بالنتائج المتوقعة  ، إذا ما إستمر الحال على هذا المنوال ، لكي يمنع  سقوط من لديه استعداد للوقوع في مهاوي الرذيلة والانحراف ، ويلين  قلب من قسى وجف  ، ويحيي  ضميرا كاد أن يموت ، ويهدي الى الطريق القويم ..

لا بأس في ذلك ، وإن بدا (ثقيلا) ، أو مملا بعض الشيء ، على من يراه بهذه الصورة ..

ويستغل الكاتب أي مناسبة تتحمل الحديث عن فكرة يرمي بها في بحيرة تكاد أن تجف ، ويأمل أن تتسع دائرتها وتعود الحياة تتدفق فيها من جديد ..

لم يكن أمام الكاتب اليوم غير أن يدعو الى  شيوغ ثقافة النزاهة والمحاسبة والتمسك بالقيم  النبيلة عندما يعم الفساد بصورة غير مسبوقة ، ويصبح  ثقافة تتطلب ثقافة مضادة ، وتسود حالة من الاحباط واليأس  والقلق ، والانفصام الروحي ، والجفاف الفكري ، وتنتشر ظواهر غريبة شاذة تنذر بتدمير البلاد والعباد ، إن لم تتخلص منها بسرعة ، كالمخدرات والانتحار والتفكك الاسري والطلاق بهذه النسب العالية ، وتجارة الاعضاء البشرية ، وإستغلال براءة الطفولة ، ومشاكل إجتماعية أخرى ، والبطالة ، وهي أس البلاء ، وتراجع مستوى التعليم ، وغياب حصة الوطنية في جداول الدروس ..

ظواهر تعجب أن تجدها في بيئة  مثل العراق ، قد تهدد أجيالا ، وتغير منظومة القيم والعادات والتقاليد باخرى غريبة مدمرة .. وتعجب أكثر عندما تفسر الاشياء بغير حقيقتها للتهرب من المسؤولية .. فان لم يكن من بيده مقاليد الأمر قادرا على كبح جماح  الانتحار مثلا  ففي الاقل لا يبرر وجوده بغير سببه الحقيقي ، فنخدع أنفسنا بقبول هذا العذر ونهرب من مواجهة الحقيقة ، فهل كان الجسر هو سبب الانتحار لكي نقيم الحواجز عليه ، وهل كانت  لعبة ( بوبجي )  وحدها وراء هذه النسبة في الطلاق ، أم هناك  اسباب جوهرية اخرى ؟..  ولماذا  الهوس بهذه اللعبة ؟ ولماذا الهروب من الواقع الى عالم افتراضي  يمكن ان يعيشه اللاعب فيها يبعده عن الحقيقية ..  ولماذا نفتح الفضاء على مصراعيه لدخول بيوتنا  إذا لم نكن مستعدين له ؟..فهل هو السبب الاساس أم هناك أسباب حقيقة لم يقترب منها المفسرون..

فمستوى دخل الفرد يعد من بين أهم ( المقاييس الاجتماعية والاقتصادية التي يعتد عليها في تحديد نمط حياة الاسرة ونظرتها الى الحياة وقيمتها الثقافية ) ، و( تامين الشباب ضد البطالة وتوفير فرص العمل لهم .) عامل اساسي مهم  في بناء الفرد والاسرة والمجتمع … هكذا يرى المتخصصون

 كان يمكن أن يكون الانتحار مثلا خبرا عاديا يمر دون أن ينتبه اليه أحد ، أو يضيع بين ألأخبار الاخرى ، لكن عندما يتحول الى ظاهرة يعني أن هناك أزمة حقيقية يعيشها ذلك المجتمع ، وكذلك الطلاق والحالات الاجتماعية الاخرى ..

 الوعظ مهمة إنسانية نبيلة ، لا يختص فيه أحد دون أخر ، أو  فئة معينة أو يقتصر على الدين  ..

خطاب الهي  لكل البشر من خلال الرسول محمد ( ص ) ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) ،  وهو تحذير في الوقت نفسه (بأن هناك موعظة غير حسنة أيضا) ، تنطلق من لسان الادعياء ، ومن الواجب فضحهم ، وأحد الادوات في هذه العملية  الكلمة .

في هذه الثقافة يكون للكاتب والمفكر والكلمة دور استثنائي ، لكنها تحتاج الى كاتب بمستوى عال متمكن من التأثير في المتلقي  ..

{ { { {

 كلام في السعادة :

في سورة هود وردت كلمة السعادة  في موضعين  .. الاول : ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا باذنه ، فمنهم شقي وسعيد ) (105).. وموعده يوم القيامة ..

والثاني : في الجنة .. ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ) .. (108).. فأهل الجنة يوم القيامة سعداء بما انعم الله عليهم جزاء أعمالهم الصالحة في الحياة الأولى .. وتلك هي السعادة الحقيقية ..

وفي الدنيا إختلف الناس في رؤيتهم لها وذهبوا مذاهب شتى.. كل واحد يراها بمنظاره الخاص ورغباته.. هناك من يراها  في الجاه والسلطة والمنصب ، وأخر في الشهرة والنجومية ، وغيره في المال حتى وإن جاء عن طريق حرام ..وقس على ذلك الكثير..

وإشباع  تلك الرغبات قد ينقلب وبالا على المرء إن لم  يكن متوازنا ، ويحسن إستخدامها ، ويجتاز الابتلاء فيها بجدارة عالية ، فقد يأتي عليه موقف يتمنى لو لم تكن قد تحققت ..

 قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت

ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

هكذا يرى الامام علي السعادة وقد لخصها  بقوله :

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

إن السعادة فيها ترك ما فيها

واختصر الشافعي السعادة بالبيت الأتي :

سر السعادة حسن ظنك بالذي

خلق الحياة وقسم الأرزاقا ..

الايمان يرتقي بالانسان  ويجعله سعيدا .. والقناعة ( كنز لا يفنى)  تجعله ينظر الى الحياة ببساطة ، ويركز على ما هو جميل فيها .. وتجعله ينظر الى ما يملك بقيمته ، وهي لا تكمن بما يملك ، بل في الاستمتاع بما يملك ..

السعادة تنبع من داخل الانسان ، ولذلك قد يجد الانسان  سعادته في عمل يوافق حكم الله والضمير ،  ويترك ما عداه ، حتى وإن كان ثمنه غاليا .. وفي هذا المعنى يقول الامام الحسين :

 والله لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما ..

فلا سعادة بدون كرامة ..

ولا سعادة تقوم على شقاء وبؤس الاخرين ..

ولا سعادة في الدنيا إن خسرت الأخرة .. السعادة الحقيقية في القرب الى الله ، والشقاء في الابتعاد عنه ..

{ { { {

كلام مفيد :

 قد يسأل سائل .. لماذا جاءت كلمة ( قريب)  بالتأنيث في قول الله سبحانه وتعالى ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ، وما يدريك لعل الساعة قريب ) ( الشورى 17).. باختصار .. المراد وقت قـــــيام الساعة .. كـــــــما أن وزن فعيل يتساوى فــــــــيه المذكر والمؤنــــــث ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) التحريم 4.. هكذا يقول المفسرون ..

مشاركة