بين الوطن والإيمان –  معراج الندوي

232

بين الوطن والإيمان –  معراج الندوي

الإنسان بلا وطن كيان بلا روح ، والإنسان بلا وطن جسد بلا إحساس، فالفاقد للوطن فاقد للأمن والاستقرار، والفاقد للأمن والاستقرار فاقد للاطمئنان، والوطن بلا أمن واستقرار غابــة يعيش فيــها القـوي ويهان فيها الضعيف. يرتبط الإنسان بوطنه كما يرتبط الطفل بأمه. يُشكل الوطن هوية الإنسان عندما يؤثر على سلوكه. وهذا نتيجة وجود رابطة تجمع بين االإنسان ووطنه، وهذه الرابطة تجعل أمر إبتعاده عن وطنه أمراً صعباً.

حب الوطن ليس مقتصراً على الإنسان وحده،  فالطيور لا تُهاجر أعشاشها وتتمسك بها لأخر قطرة دم أمام أي إعتداء من أي طائر أخر، والحيوانات لا تقبل بتغيير وطنها بل نجد الكثير منها يموت إذا إنتقل لمكانٍ أخر، وتنتقل الأسماك من محيط إلي محيط وتذهب وتجول، وفي النهاية تعود إلى مسقط رأسها ووطنها الأم. إن الوطن في مفهومه الواسع والشامل هوالأرض والنظام والقيم، وهناك قاسم مشترك بين الإسان والوطن الذي يعيش على أرضه. فلكل فرد يعيش على أرضه الحق في أن يحبه ويعبر عن هذا الحب بكل حرية، فحب الوطن رمزاً للعزة والفخر والعلو لمن يملكه في قلبه وفي شعوره.  فالوطن هو منبع صباه كما أن الوطن هو المكان الذي قد يغادره أقدامه لكن قلبه يظل فيه، وهو المكان الذي يلجأ إليه في نهاية المطاف. ومن فطرة الإنسان أن يحب وطنه وأرضه، بل يوجد حب الوطن حتى في الحيوان، فنرى أن العصفور يحب عشه الذي ينام فيه، والنملة تحب مسكنها الذي تأوي إليه فلماذا لا يحب الإنسان وطنه؟

إن حب الوطن غريزة متأصلة فِي النفوسِ جُبِل الإنسان عليها فليس غريبا أن يحبّ الإنسان وطنه الذِي نشأَ علَى أرضِهِ وترعرع بين جنباته وشرب ماءه وتنفس هواءه كما أنه ليس غريبا أن يشعر الإنسان بالحنينِ الصادقِ لوطنه عندما يغادره إلى مكان آخر لقوة الارتباط وصدقِ الانتماء. إن انتماء الإنسان إلى المكان الذي ولد فيه فطرة إنسانية فطر الناس عليها مشيرًا إلى أن الإنسان مجبول على حب الأوطان. إن حب الوطن من الإيمان، فالإنسان بلا وطن فهو غريب أو لاجئ، لا يشعر بالحرية والكرامة ولا يعيش حياة طبيعية سعيدة،ولا تتحقق الحريةوالكرامة إلا في زكطنهينتمي إليه ويحمل جنسيته ويلتزم بالواجلات التي يكلفها وطنه ، ثم له الحق أن يطالب الحقوق التي يرى أنها لم تتحق ويشعر بالكرامة والعزة. فليس غريبا أن يحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه وترعرع بين جنباته وأكل من خيره وإكتسى بترابه، وليس غريبا أن يشعر الإنسان بالحنين إلى وطنه. ولا يكون هذا الحبّ إلا بالاعتراف لهذا الوطن بما له من أفضال على الإنسان منذ ميلاده إلى مماته.  والإسلام شأنه كشأن الأديان الأخرى، فهو يحث الفرد على حب وطنه والدفاع عنه وتعزيز الإنتماء إليه، وأبرز مثال على هذا هو حزن الرسول صلى الله عليه وسلم عنما هاجر إلى المدينة المنورة وترك مكَّة المكرمة حيث كانت مكة هى موطنه الوحيد الذي وُلدَ وعاش حياته فيه وتزوج على أرضه، حينما خرج منها وهو كان مجبرًامن خروجه، ولو لم يجبره أحد لم خرج منها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مجبولاً على حب الوطن. بكى الرسول صلى اله عليه وسلم عند المغادرة ونظر إلى مكة نظرة حزينة وقال بصوت حزين: “ما أطيب من بلد وأحبك إلى، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت” ( الترمذي)  قد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا رائعا في حب الوطن والانتماء إليه وذلك حين هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ويجب أن يكون هذا درسا يعلم الناس والشباب بالخصوص كيف يحبون أوطانهم ويبذلون التضحيات من أجل سلامته ورقيه وتقدمه.  إن للوطن قيمة سامية في الإسلام، وأن الانتماء للوطن ليس مجرد شعارات وكلمات ، بل هو حب وإخلاص وفداء وتضحية، وأن الإسلام جعل حب الوطن والانتماء له جزءا من العقيدة ةجعل الدفاع عن الوطن واجبا دينيا، لأن حب الوطن انتماء فريد وإحساس راق وتضحية شريفة ووفاء كريم، فهو ليس مجرد لباس أو لهجة أو جنسية أو قانون أو أصباغ على الوجه، إنه أسمى من ذلك جميعاً، إنه حب سام، ويمكن غرس معانيه في نفوس الإنسان، لأن حب الوطن علامة من علامات من الإيمان.

مشاركة