لفيف من الناس يحملون ميزة حشرية
بين الكلمة واللون شيطنة مبدع لا تهدأ ولا تنام – نصوص – فاطمة بلغيث معتوق
“شيطانة الفن حين تهيم بعقول المبدعين تعصف بأفكارهم.تجوب المقاهي تتأمل نظرة شاردة أو عينا لامعة.تتجلى له بلحن في إذنيه… أو إيقاع بعقله… أو صورة ذهنية… أو مجرد فكرة تتحسس طريقها للنور… لا تعرف بعد في أي صورة ستخرج للعالم… مقطوعة… لوحة… تمثال… قصيدة… هي أيضاً تنتظر متعتها، فهي تختار المبدع القادر على التعبير لكي ينشر أفكارها على مريديه… أو مريدي فنه…” مقولة اكثر من رائعة لصاحبها المؤلف المصري “محمد السباعي” …. بعيدا عن لغة السرد الفضفاض ورمي الورود فلست المورطة في قضايا الشكر والتمجيد المقنن ولم أتعود لباس الفضفاض لكسب هواء ليس بهوائي للتنفس من خلاله وكسب الود … بعيدا عن كل هذا أحببت بشبق أنثى مجنونة حبكة هذا الكاتب المصري وهو يشيطن بقلمه أينما حل و استمتعت اليوم حد النشوة حنكة ريشة هذا التشكيلي التونسي كلاهما أبدع بدرجة شيطنة وميجنة كلاهما حرك شيطنتي فهاج قلمي بين الخشوع والطيش ولن يهيج قلمي للكتابة الا عن طوع وحب ورغبة …بينهما الاثنين سأحاول أن أبدع أنا أيضا وأتشيطن فقد تهتدي شيطنتي بعد غواية الوحدة . اذ يبدو مصطلح ” شيطانة الفن ” لفظا غارقا في الفلسفي ينهل منه الحكمة ويسعى لاستدراج الحقيقة الكامنة داخل أسوار لوحة كل مبدع سواء في المجال التشكيلي أو الأدبي فكلاهما أدب وفن وتشكيل كلاهما شيطنة … استفزني مصطلح السباعي بقي عالقا بذهني رجعت الى المصدر وهو عبارة عن نص تحليلي نقدي تحت عنوان “متى يأتي الوحي من الشرق ” أنا كباحثة في علم التراث أصنفه ضمن الوثائق القيمة أو هو النص المرجع و”شيطانة الفن ” هي استعارة تصريحية بليغة أردتها بداية انطلاقتي لقراءة لوحة الطرابلسي وبين تحليل اللوحة والتحليل سأحاول دمج التشكيلي بالأدبي وعلاقتهما ببعض أي علاقة المكونات والرموز والدلالات بالتراث الادبي ونظيره التشكيلي … الأسلوب البلاغي والأدبي لهذا الكاتب” محمد السباعي “يثير … ويغازل … يجعلك تهيم بالكتابة وبأبجديتها … والأسلوب التشكيلي التعبيري لصاحب هذه اللوحة “خالد الطرابلسي ” أثار في رغبة ملحة لقراءة هذه اللوحة بعنوان “بلاد العجائب “. ولا أرجو من ذلك جزاء ولا شكورا …”شيطانة الفن” كما حدثنا عنها صاحبها تغمرنا وتدخل فينا دون اذن منا وبلا تأشيرة عبور من القنصلية… عصفت بي ذات يوم الى عالم الكتابة ومن قبل الكتابة بعثرت أوراقي في عالم الألوان والخامات وما بينهما علم الاستيتيقا الجمالي وعلم التراث وفي هذا العلم اكتسبت مناعة ضد تشتت وبعثرة مفهوم الهوية الصحيح … واليوم هي تعصف بخالد إلى “بلاد العجائب”… غاية المبدعين واحدة وثابتة والمتغير هو طريقة التعبير والفكرة والأسلوب والأداة ولكل منا أسلوب ومنهج ولكل واحد شيطان يهيم به … للكاتب المصري ” محمد السباعي” وللتشكيلي التونسي “خالد الطرابلسي “( شيطانة) أنثى تهيم بهما ولي (شيطان)ذكر يهيم بي … حيث لم يكن الشيطان يوما أنثى ولا ذكرا ولم يكن من نسل ادم وحواء وليس للشياطين جنسية ولا هوية … هو المجاز… واللغة مجاز أو لا تكون والفن ضرورة بلاغية يلعب فيها المجاز دورا كبيرا ليحقق المعنى المنشود … واللون هو لغة مجازية أيضا اقصد اللون كلغة غير قابلة للكلام… فوق اللغة العادية …او هو السكوت المعبر…او هي المعنى المؤجل او الحقيقي او ربما هو التقابل بين الحقيقي والمجاز …التقابل بين اللون كمجاز متشكل ولغة واقعية متخيلة … وللمتلقي الحرية في قراءة اللون وتأويله وترجمته الى لغات عديدة … والمجاز هو ايضا وسيلة من وسائل تنمية اللغة تماما كما الكلمة عند الاديب فهي تتراوح بين الحقيقة والمجاز واللغة هي الاصوات البشرية الدالة على معان وكما تطبخ اللوحة بمزيج ماء ملون وقليل من زيت مصنع وبينهما روح مبدع هائم متشيطن كذلك يستوي النص بالتصاق حروف بعضها البعض مع رشة استعارة وكناية وتشبيه ووسط هذه المكونات يتشيطن الاديب بين “حقيقة الفعل” و”حقيقة الفاعل” و “موضوع الفعل ” فتنشأ عليها ومنها الكلمات مثل الالف والحاء والميم والراء في كلمة “حمار” و”أحمر” … بين الحمار والأحمر لعبة تكوين هندسي وشهيق ونهيق ولعبة ضوء ولون يتصارعان يتسابقان على اثبات رجولة تشكيلة والغلبة تصح طبعا لمن يفتض بكارة القماشة أو الورقة الأول … قراءتي للوحة ستأخذ منحا فلسفيا أكثر منه دراسة ظاهرية للأشكال والتكوين واللون وشاعرية اللون وتعبيرية الخط وجمال الشكل وانسيابيته …سأتجاوز هذه القراءات المعهودة وسأحاول استنباط رموز بلاد العجائب كما صورها لنا التشكيلي خالد وسأحاول فك شفرتها قدر المستطاع علني أظفر بالحقيقة حيث لا حقيقة ثابتة في هذا الوجود غير الموت والحياة وأحيانا الحب … وعند الحاجة سأعود لنص المؤلف محمد السباعي لأسترزق منه ما تيسر علني أدرك الفرق بين صناعة الكتاب وصناعة اللوحة وما بينهما من فواصل ونقاط استفهام وتعجب هذه النرجسية لي أنا أيها القارئ وليدة اللحظة مؤقتة وليست ملازمة لي …هي محصلة مزاج الليل والنهار… في لحظة إبداع فني “شيطانة الفن” تهيم بعقل الفنان التشكيلي خالد الطرابلسي تأخذه من كوكب الأرض إلى “بلاد العجائب”أين رحلت “اليس” ذات يوم … و”اليس في بلاد العجائب” هي قصة عرفناها منذ الطفولة. الخيال والتخيل والمخيل هم ركيزة الحكاية … والقصة هي للكاتب وعالم الرياضيات الانكليزي “تشارلز لوتويدج دودسن” دونها عام 1865 .وهذه القصة التي لم تخل طفولة احد منا تقريبا من تأثير عالمها الغرائبي …تحكي عن فتاة اسمها اليس سقطت في جحر ارنب لتنتقل الى عالم خيالي واسع المدى لماذا اختار الكاتب الأرنب في القصة … واي شيء يرمز من ورائه القصة كلها مفارقات ومفردات متضادة متعاكسة …والأرنب عند المصريين القدامى هو رمز للخصوبة والقيامة …وانتشر هذا الاعتقاد منهم الى الإغريق ثم الرومان الذين تقاسموا هذا الإيمان مع بقية اوربا اقتربت من اللوحة خاطبتها فلم تجب …همزتها …غمزتها … لامستها لم تتحرك قلبتها على بطنها … دغدغتها … غازلتها فلم تستجب وابت الانصياع وكانت عصية على التفكك لا تقبل الطرح بسهولة … اللوحة بعنوان “في بلاد العجائب” هي لوحة تشكيلية قوية التركيبة الوانها مغرية متماسكة متناسقة متناغمة ومثيرة لا تقبل التجزئة ولا تتأثر بملمس ولا دغدغة … جبت فضاءها جيئة وذهابا تماما كما فعلت اليس في بلاد العجائب بدت لي غارقة في الفلسفي تماما كما اوحى لي العنوان منذ الوهلة الاولى” وشيطانة الفن” اخذت خالد صاحب اللوحة من كوكب الارض الى بلاد العجائب كما اراد هو فاستوطن هذه البلاد لمدة مؤقتة وما مصيره الا الرجوع للأرض منها خلق واليها الرجوع هذه الارض التي لم تتوقف عن الدوران يوما حول نفسها كالمعتاد وتدور معها وفيها وحولها الاحداث كل يوم على هذه الارض هناك اراض مستعمرة واراض محتلة. واراض محروقة واراض مغتصبة … واراضي تختنق …كلها اراض كثرت مجازرها والجزار واحد.اراض لم تشبع يوما ولم ترتو من دماء ساكنيها من البشر …اراضينا تعبت من حمل الجثث في احشائها . اراض لم تعد تنبت زرعا طيبا من شدة رائحة تحلل العظام داخلها حتى المقابر لم تعد تسع رفات العظام اراض تدور فيها الحروب مع كل دورة لها في الحياة. ترك خالد الارض بما فيها وما عليها ناصبا الرحال في مدينة اخرى لا تشبه مدينتنا وقد قال بانها ” بلاد العجائب بلاد المثالية الضائعة التي تبحث عنها نفوسنا هي معطاء وتكثر فيها اكوام الرماد لسخائها فلا تنتظر بعده جزاء ولا شكورا …هي ارض لا نواميس فيها ولا رقابة خانقة فلا ظلم بعد اليوم فقاطنوها قد هجروا تلك الأرض الظالم أهلها .” انفصل خالد عن جغرافيته ولم ينفصل عن تاريخه وكل خوفي أن يفقد خالد لواقعه ويعيش منعزلا في بلاد العجائب فتنقض عليه شيطانة الفن وتأسر له الروح ويكون لها طائعا … هروب المبدع من واقعه أحيانا إلى بر غير بره ترى هل هي نتيجة مأساة فرد ضمن مجموعة أم هي نتيجة واقع مجتمعي مقيت أم هو هروب ناتج عن أزمة ثقافة؟ مرة كانت سببا في الخروج من الواقع إلى عالم آخر أوسع واصدق عالم لا يعدو أن يكون إلا ضربا من ضروب الخيال والوهم الذي نمارسه عن طوع وحب ….إن هروب المبدع من واقعه يعتبر من الحساسيات النفسية الذاتية متفق عليها في عالم الشيطنة ولا يفهم شيطنة أفكاري الآن إلا من اكتوى بنار الإبداع ولهيبه …. الهروب من الواقع أمر جائز وما من سلطة تمنع أي هارب من واقع لم يلب للنفس غرورها …وهنا “تأتي مأساة الوحي… وأزمة المبدع، فلكي يجتاز عقبة المحلية ويخرج للعالمية عليه استبدال شيطانة شعره، بأخرى عالمية… ويبدأ الصراع داخل المبدع بين الموضوعات المثيرة لحسه الإنتاجي وقدرته الإبداعية وبين ما يراه من الأعمال الناجحة بمقياس التسويق والشهرة ” هكذا بدت الأمور واضحة مع الكاتب محمد السباعي استبق كل شياطين الأرض والفكرة وحدد لي مغزى قصة هروب أي مبدع …فحسب السباعي فان المبدع دائم البحث عن عالمية مفقودة أي هو يبحث عن ذات فطمت ولم يكتمل نموها رغم اكتمال الحولين … هذا الكاتب شرح المعادلة في الحقيقة في إطار فكرة “متى يأتي الوحي من الشرق” وأنا كمعجبة بشيطنة أدبه ربطت معادلته بمعادلتي لأفهم سر هروب أي مبدع عن واقع ضمن واقع …واقع آخر لا رقابة فيه ولا مقص .
و (في بلاد العجائب) العنوان أخذني أنا أيضا إلى بلاد من العجائب سأحاول التمسك بأقل درجة من المجاز لأفك طلاسم ورموز هذا النص التشكيلي الذي استفز قريحتي منذ وقعت عليه بصيرتي لوحة أثارت في الشكوك والظنون حتى خلتها صورة فوتوغرافية لدقة ذكية واحتراف في صناعة اللون وكيفية تمريره وتمريغه على القماشة …هذا اللون المخلوق الغامض الغارق في المفارقات منذ أن اكتشفناه لأول مرة وبدأنا نلعب به ونمزجه تارة بالماء وتارة أخرى بالزيت وأحيانا بالزيت والماء فيطفح كيل الاثنين ويطفو الزيت فوق الماء ويغرق الماء أو نغرق فيه…هذا اللون كنا نخال أننا وجدناه لنعبر به ونرسم ونشكل ونجسد ونصور لغة للأخر للقارئ قد يفهمها وقد لا يستطيع ذلك … لنكتشف في لحظة أن اللون هو محض خيال المبدع… والكلمة واللفظ في الأدب هي محض خيال والتخيل أهم من المعرفة ” كما يقول اينشتاين .الخيال واللون هذه القدرة العقلية الرهيبة والعجيبة هما روح النص الفني والأثر واللون في هذا العمل اكتسح الفضاء وافتض بكارته فاخضر جزء من ارض اللوحة وكان الاخضر لونا حيا ينبض بالحياة في بلاد العجائب وكان وجوده على درجات اقتضتها الحاجة التشكيلية والجمالية ……واللون الأبيض إنما ورد ليشكل قطبا نقيضا ومسافة تمتد امتداد الخريف والشتاء …ولا غرابة ايضا اذا انتقل صاحب اللوحة فجأة الى الاسود …والاسود كما تعودنا هو عزاء طويل ومرثية لشجون سكان الارض وعذاباتهم هذه الارض التي غادرها خالد … وكأني بخالد حين انفتح عن الاسود هو استرجاع لحياة تلك الارض التي غادرها وسط فلسفة الالوان هو ذا المبدع الحقيقي هو الشخص الذي لا يبدع بعيدا عن قضايا شعبه قضاياه الحياتية وهو الذي يكون مجسا صادقا وحقيقيا لما يدور حوله. وبين وثيقة محمد السباعي ولوحة خالد الطرابلسي تشتت التركيز وكبر صداع الرأس ولم يكف الألم …انه الم المخاض اعرفه جيدا يأتي على حين غفلة كما المطر والولادة مخاض يحوم حوله شيطان السباعي والطرابلسي ولا ادري ما جنس المولود المرتقب …وقد تم إخصاب البويضة الواحدة بين عالمي التشكيلي والأدبي وداخل الفضاء التشكيلي ووثيقة الكاتب صرت أنا صاحبة الفضاء وصار مجالهما مملكتي أجوب فيه …ابحث في مكونات اللوحة والنص معا في ذات الوقت وقد كبر الشيطان بداخلي حد جنون العظمة فانصهرت جل المكونات في ذهني وتجمعت في إناء واحد هو إناء الحياة.حياة لوحة صاخبة مستفزة ووثيقة أدبية ضاجة هي سندي في بناء المتن والحكي .داخل هذه المملكة مملكة البناء الأدبي والتشكيلي يجف خيالي أحيانا ويتعذر عليه الحلم تارة.استرجع الذاكرة .اللون وفلسفته…الواقع وثقافته …الكلمة….بناء النص لنفس الكاتب.ما سر شيطانة الفن داخل أي مبدع …اخلط جميع هذه المكونات وأعيد صياغتها لاستشف رمزية من بين أكوام من الرموز افتح صدرها بمنجل لاكتشف للحظة أن الإنسان دائما يبقى غريبا أينما حل وأقام …داخل اللوحة هناك دوائر تخترق الفضاء وتنفتح على فضاء المشهد …داخل الدائرة صوص أو طائر صغير يخرج من البيضة قبل ميعاده …يمط رقبته يتخبط وسط الألوان ويفتح منقاريه الرخوين …حتى الأجنحة تشكلت وكبرت بسرعة فائقة داخل البيض عصافير.فراخ .طيور وبداخلي حجر الفلاسفة وتراب كثيف خارج الدائرة الفضاء صاخب وداخلها ألوان تتحرك لا هدوء فيها عالم متحرك لا ينتهي أحاول أن افهم ويتملكني صداع آخر من شدة جمال وتناسق الألوان حتى أن الزمن داخل اللوحة يبدو عجائبي هكذا رايته بمختلف الحواس أدركت كيف يكون الزمن دائرة في بلاد غير بلادنا …مرت بقربي “جماعة إخوان الصفا” وقد اتخذوا من الطير رمزا لبناء قصصهم ومرت عنقاء “أبو حامد الغزالي” وغراب “حي ابن يقظان لابن الطفيل” وطارت بقربي الحمامة المطوقة “لابن المقفع” وطوق الحمامة “لابن حزم الأندلسي” وحمامة محمود درويش المشهورة …كلها طيور رفرفت أمامي وكانت بمختلف أنواعها وأشكالها بمثابة الرمز الذي يلبسه المبدع أو قناع يرتديه للهروب من حرية الرقابة وما انفك المبدع يتخفى وراء الحيوانات ليصور له دربا من دروب الإبداع فينفصل المبدع عن الإنسان بداخله ويصير حيوانا ناطقا برتبة شيطان…أما عن الشيطان الذي في نفسي الآن فهو رب أفكاري وملكوت كل ما يدور في خاطري يلازم كافة ألواني تقريبا يغريني ويقهر نرجسيتي التي تأسرني بين اللون والكلمة. شيطان “طرابلسي” يعبث باللالوان وشيطان “سباعي” غاوي للفظ للمعنى وأنا بينهما أنثى الجن تملكت هذا النص وصار برجي الميتافيزيقي أسكن فيه منذ عام ونيف ولا يَغُرَّنَّكُمُ فصفة التملُّك تخدعني وتتلاعب بي منذ كنت طفلة إلى يومنا هذا ولازلت على عهدي امرأة متملكة شغوف أتشيطن كلما مسني جن .بين الجن والشيطان صارت حواسي بلا طعم ولا لون ولا رائحة قادرة على معالجة كل مبدع مَمْسُوسٍ والجنّ لا يستطيع رأيته إلا الممسوس .وبناء على ما ذكرت فضروري أن يكون المبدع كائنا ممسوسا بارعا في الشيطنة بدرجة جنون ونصف .وبين عالم الجن وفن الجنون والخيال والتشكيل والكتابة دخلت في لقاء مع ساكني هذا النص وهما بطبيعة الحال من عالم الإنس لكن عالمهما خفي مليء بالأسرار قلت لمن مسه جنون الإبداع الأدبي المؤلف “محمد السباعي ” وبداخلي رغبة أكيدة في إخراج داء هذا الممسوس بجن الجنس الأدبي كتابة الرواية أستاذ هل هي بحاجة لشيطنة وخيال أم أن أساسها يقوم على التجريب باعتبار أن مجال الرواية وصل لنا في الثمانينات عن طريق الترجمة …وهل أن الرواية تتشكل بفعل شيطنة وميجنة أثناء الكتابة وقد كانت غائمة في رأس الكاتب قبل الكتابة؟؟ قال الرواية البناء والتحليل. لماذا نكتب؟… لأننا نحب الكتابة.أو لأننا لدينا ما نريد التعبير عنه..أو لأننا لدينا ما نراه يستحق أن يقرأه الآخرون.التأليف عملية عقلية تبدأ وتنتهي في العقل ولشيطانة الشعر دور في استحضار الصور الذهنية للعمل والبناء داخل العقل والذي يجمع العلم والفن .العلم بالتفكير والفن بالشعور وتنتهي عملية التأليف بالصور المهزوزة بعقل الكاتب تتربع على عرشها شيطانة الشعر فتساعد المؤلف على فهمها وتطويرها والتعبير عنها قلت في نفسي وأنا بصدد محاورته منذ أول سؤال لي معه … لو حدث فعلا وتمكنت من إخراج الجن الساكن بداخل هذا الكاتب هل هذا الخروج …هو نهائي …أم فيه رجعة ؟ استند لمخدتي وأخاطب جنا بداخلي سكن فيقول لي بان خروج الجن نهائيا يتمثل في طريقتين إما بحرقه حتى يهلك أو بدخوله مركبة مواطن عادي لا شيطنة فيه ولا إرهاب إبداعي .لكن الجن مخادع .يقول لك ليك أنا أسلمت فيعود إلى كفره ولما يخرج.. يدخل جسم إنسان آخر.. لذا يبقى من المهم جداً متابعته للتأكد…الكاتب محمد السباعي عزيز على قلبي لدرجة شيطنة وكاس ميجنة لا ارغب في حرق الجن فيه ولا ارغب أن يتعب قلبي قلبه… نقطة وارجعي للسطر هكذا أمرني الجن بداخلي .ورجعت فعلا اقضم ظفر يدي الأيمن يدعى الإبهام . قلت. أستاذ محمد السباعي إلى أي مدى يمكن اعتبار أن الشيطنة الذاتية لأي مبدع هي أساس نجاح المنتج أي الأثر.قال. نعم الشيطنة هي جزء المؤلف الندي في الحوار والتحفيز زي النفس في الطبيخ . وقبل أن انجرف وراء مطبخ أفكاري السمينة وادخل لشيطنة الملاعق والصحون والسكاكين الحادة وأطباق الحلويات المشكلة والموالح والمفتحات وأنواع السلطات وفواكه البحر مقوية هرمون الرغبة الجنسية راوغته بسؤال آخر في مجال اختصاصه الأول – فاصل الجنية عنده ملامحها معمارية- رأسها كبير وجثتها صغيرة باستقامة هندسية شعثاء تجر شعرها ورائها على الأرض من طوله.قلت. برأيك ماهو الفرق بين المهندس المعماري المبدع والغير عبقري …هل المعماري هو أيضا بحاجة لشيطنة ؟قال. التصميم المعماري عملية تفكير. التعبير المعماري هو أيضا فيه الجانب الفني. إذن المعماري المبدع له شيطانة شعر والمهندس المعماري يقوم بحل مسائل ولا يقدم الجانب الإبداعي وأفضل مقارنة هي أنطونيو جاودي.علشان كده في فرق بين معماري مبدع ومهندس معماري .والمهندس المعماري المبدع هو من يحل المشكلة بشكل إبداعي فيحقق الوظيفة ويوفر العناصر الجمالية والإبداعية .اختم حواري مع السباعي بضحكات كلها شيطنة فاصل صفر غواية . تمتمت بيني وبيني .لما لا يتعب هذا الكاتب من مراوغة اللفظ أدبيا والشكل والحجارة معماريا … يعصر جسم الكلمة اللين فيعطل نموها البيولوجي وكأنه لا يعلم أن للجن الإبداعي جهاز هضمي وتناسلي وان فضلاته تخرج في شكل بخار غليظ ويتبولون والبول يكون في شكل بخار شديد الدفق لكنه أشد كثافة لدرجة السيولة… يبدو أن السباعي لا يعلم بعد أن لأنثى الجن غشاء بكارة يفض عند الزواج وأجسامهم تضعف وتنقرض وألوانهم مختلفة…والرجال منهم لهم قدرة على ممارسة الجماع وقذف المني … فكم من طفل غير شرعي خلف هذا الكاتب وكم من لقيط أدبي بقي دون اسم يبحث عن أبويه وقد مل الوقوف على أعتاب وزارة الثقافة يبحث عن دليل وخيط يوصله إلى الحقيقة …ولأقيم حدا لسيولة أفكاري الخيالية المتعبة انتقلت إلى المبدع الأخر الساكن أجواء نصي هذا وقد مسه جنون العظمة في المجال التشكيلي .هو أيضا ممسوس عافاكم الله .طلبت إذن الدخول في حوار معه . قلت .هل أنت مستعد للإجابة عن بعض الأسئلة تخص شيطانة الفن . وبضحكة مجنون بحجم أربعة أحرف (هههه) رفض وقال لا تلعثمت بدرجة حرف واحد. ظننته صادقا .وسرعان ما أردف علي بضحكات أخر وقال.- أنا امزح .السخرية هي جزء من العملية الإبداعية فاطمة لا تنزعجي وابدئي الحوار . فرديت الابتسام وتركت له باقي الضحكات قلت. برأيك “خالد” “شيطانة الفن”هل يمكن اعتبارها أداة تخيلية يوظفها أي تشكيلي للارتقاء بلوحته من الدرجة الشكلية إلى عالم خيالي أكثر وساعة. قال . لا ادري ماذا تقصدين “بالشيطنة”.”فمارسال دي شان” لما قدم مبولته كعمل فني رأوا في فعله شيطنة وكفر في زمن اللوحات المسندية المقدسة للجميل.سعة الخيال لدى “دي شان” ألهمته أن الفن هو عدو الذوق السليم.إذن هو “شيطان” اختار ترك جنة الجمال ووسوسة عقول من بعده من الفنانين خالد الطرابلسي كنت دائما واثقة في قدرته وذكائه كلما لمح طيف ألوانه صفحتي على موقع التواصل الفيسبوك. ليس بيننا كلام كثير ولا تواصل كبير لكن أعمال هذا الفنان التشكيلي راودت نفسي على الكتابة ولا يخضع قلمي لواجبه إلا عن حب واقتناع قلت.اتركنا من مارسال دي شان ومبولته قد تضجر “شيطانة الفن” ويضيق نفسها فتختنق من شدة ريح المبولة.قال اخترت لك شيطانا كنموذج.”مارسال” مارس وسوستة فأطرد العديد من جنانهم ليعيدوا التفكير في مكتسباتهم الجمالية ورؤيتهم للعالم من حولهم.الوسوسة رجس شيطاني قائم على الخديعة والوهم و نسف الرقابة الايتيقية.بالتالي هذا التحرر سيفتح المجال للفعل الإنساني عموما والفعل الفني خصوصا على المطلق واللامحدود.يجب على الفنان أن يصغي في فترات لتلك الوساوس التي يجب أن لا تقف عند مجرد قضم تفاحة وإنما في إعادة التفكير في تلك الوسوسة وذلك الفخ الإبداعي الشيطاني والبحث له عن تجليات في المنجز الفني .قلت .شكرا كثيرا خالد لقد وصلت المعلومة وأخذت ما أنا بحاجته منك قال.لم انتهي بعد .أما انك اكتفيتي فلا مشكل لدي لا ادري ما أصابني وعكة صحية أثناء الحوار قلبت مزاج الكتابة …ربما هناك شيطان يحركني .تساءلت هل يوجد على هذه الأرض مبدع يكون بدرجة “ملاك ” ربما سيضع حدا لهذه المساءلة التحليلية القائمة بين لوحة وكلمة …لوحة خالد الطرابلسي ووثيقة محمد السباعي . “شيطانة الفن” هذا المفهوم فتح عروق ومسام جسمي مفهوم يحمل في طياته أنظمة دلالية سيميائية موحية وأخرى رامزة وشيطانة الفن يقابلها بالتوازي شيطان الحماقات والغرائز .انتهى الفصل الأول من النص ولا ادري ما أنا فاعلة بالشيطان الذي بنفسي …شيطان عبث بي وأفرط في العبث بشكل لافت جعل النص يعاني من ترهل وتورم لكنه لحسن الحظ لم يأت خبيثا بل جاء حميدا كان الأسلوب متلعثما حاولت التمويه والإغراء بالقارئ وحرفه عن مساره في تتبع الشيطان الذي في نفسه …وتعمدت بالانعطاف بالأحداث العارمة بما تضمنته من شبق الجنس وتأجج العواطف والغرائز والإثارة وحسبي أن كنت قد نجحت بالإيقاع بالقارئ وحرفه عن مساره في تتبع الشيطان الذي في نفسه هو الآخر .فداخل كل فرد يوجد شيطان وملاك وليست الشيطنة بحكر على المبدع فحسب ويقول الشاعر اللبناني المعروف “إيليا أبو ماضي” حين أشار إلى الشيطان ذاته حين قال “وارى نفسي شيطانا وأحيانا ملاكا” واتسائل في نهاية النفس . لو خلق الشيطان من نار . كيف لنا أن نحكم على إنتاج مبدع وهو الذي خلق من طين وحين رام التشيطن اخذ صفة “شيطنة الفن” ليبدع.لا ادري ماالذي جعلني مستثارة كثيرا داخل النص .ربما ما مر بي هو جزء من عملية الإبداع مدفوعة بهواية متواضعة ومجنونة في الكتابة.تعودت قبل أن اكتب النظر في وجوه وتعابير الوجوه لأغذي ذاكرتي بما هب ودب من التفاصيل الغريبة .أحيانا انجح في فك الرموز وأحيانا افشل .فاعلق فشلي على الشيطان الذي سكن اللحظة وفرق بيني وبين حاسة العقل. قبل طوي هذه الصفحة نفضت السؤال وبعثرت كل الشياطين والجن من حولي وقلت مطمئنة نفسي لولا وجود هذه الميزة الحشرية بدرجة شيطنة عند لفيف من الناس لما وجد الفن والأدب والأدباء والفنان.

















