بين الطاعون وكورونا

976

بين الطاعون وكورونا

ضعف الإنسان

حينما اقف أمام المعالم التاريخية وعجائب الدنيا السبع من إلاهرام العظيمه وقصور البتراء التي شيدت وحفرت داخل الجبال والاعمدة الشامخه لقلعة بعلبك الرومانية ينتابني شعور بضعف وعجزه،لا بعظمته وقوته و!لا لما ظل الحجر حياً يتكلم بلسان ماكانوه وهم اموات،هذا الضعف والعجز نلحظه اليوم رغم التقدم الحضاري والتطور التكنلوجي،نرى هذه الحاله الهستيريه من الخوف والهلع من فيروس لا يرى الا بالمجهر،فعن اي عظمة يتحدثون عن اي تفوق ومركزية اليوم يصل بنا الحال الى درجه ان الدول العظمى تتناهش وتتكالب على كمامة،لا بل تسرق شحنات كمامات بعضها البعض،كل معالم الحضارة سواء كانت علمية، ،او دينية ،او ثقافية ،او تكنولوجية،نراها تسقط أمام رغبة حب البقاء التي لا تقاوم بما يفضح ويعري حقيقه هذا الحيوان الناطق، الذي يطلق علىه،الانسان ،هذا الانسان ليس الا نوع خبيث من الكائنات التي اجادت النفاق وصناعه الوهم،وهم التفوق وأنه افضل المخلوقات وانه في قمة السلسلة التطورية وكثير من هذه الاباطيل والاكاذيب ،التي سرعان ما تنهار كل مئه سنه امام اما غضب الإله اوالتغيرات الفيزيائية للطبيعة،ومن هذه الاوبئة التي فتكت بالانسان هي مرحلة الطاعون الدمُّلي،او كما يسمى بالموت الاسود ،حيث أنها قضت على اكثر من نصف البشريه في غضون اربع سنوات مدن وقرى، تحولت الى مدن اشباح، رائحه الموت تخيم فوق البيوت، الجثث موزعه في الطرقات، ولم يجدي نفعاً اي تبصر بشري لا تطهير مدن ولا حتى عزل وحجر صحي، ولا كذلك صلوات ودعوات الكهنه والقسيسين، بل كان هذا التجمع والتجمهر في الكنائس من مسببات انتشار المرض، حيث يقول الفيلسوف البريطاني “برتراند راسل” حينما ينتشر وباء ما في اوربا في القرون الوسطى يهرع رجال الدين الى دعوة الناس الى دور الصلوات للأستغفار ،ليل نهار، كمحاولة لدفع غضب الرب والنتيجة كما يقول “راسل” هي انتشار واسع وكبير للمرض في ارجاء الجمهور المحتشد ،وبذلك يكشف “راسل” عن احد اسباب انتشار الوباء بسرعة مخيفة، ومن المؤسف ان نلاحظ بعض رجال الدين يفكرون بعقلية القرون الوسطى ….. الشاعر والكاتب الإيطالي “جيوفاني بوكاتشيو “في كتابه (DECAMERON) يصف اعراض هذا الوباء حيث يقول كانت تظهر مع بدايه المرض لدى الذكور والاناث على حدً سواء ،في بواطن الافخاذ او تحت الآباط دمامل يصل حجمها احياناً الى حجم تفاحه، وبعضها الآخر الى حجم بيضة وفي غضون وقت قصير جداً تنتشر هذه الدمامل في كافه أنحاء الجسم وسرعان ما تتحول الى بقع سود ،او بنفسجيه ،دلاله على الموت الوشيك الذي لا لبس فيه ،ولم ينفع اي دواء مع هذا الطاعون، حيث كان الجميع يموتون في اليوم الثالث من ظهور العلامات السالفة الذكر ويروي لنا “بوكاتشيو “مشهد فعلاً مروع لدرجه ان الرعب نفسه سينهار امام هذا الموت الذي لا مفر منه يقول “بوكاتشيو” كانت هناك جثة لرجل بائس ما جراء الطاعون فكان هناك خنزيران يتشممان بالجثة وبدئا بتمزيق ملابسها بأسنانهما، كما هي عاده الخنازير ،وبعد بعض التشنجات كما لو انهما تناولا سماً قاتلاً سقطا ارضاً ميتين فوق الجثة، ويختم “بوكاتشيو” كلامه حيث يقول كم من الرجال الشجعان تناولوا الفطور مع عائلاتهم وابنائهم ليتعشوا في الليله الثانية مع اجدادهم وأسلافهم

ان هذا الوباء الذي دمر العلاقات الانسانيه كلها، لدرجه انه بلغ الرعب مداه عندما تخلى الاب عن ابنه وهجرت الزوجه زوجها والاخ اخاه تاركيهم لوحدهم ولمصيرهم الاسود المحتوم، وهذه تعتبر وثيقه تاريخية لمرحله عصيبه من مراحل تاريخنا البشري ،وهناك شبه كبير بينها وبين ما نعيشه اليوم من انتشار جائحه كورونا شبه ليس فقط في الاعراض وسرعه انتشار المرض بل يتخطى ذلك حيث ان كل الاوبئه التي مرت في تاريخ البشرية، مثلت منعطفات تاريخيه في حياه الانسان والعالم، نعم هذا ما يمكن رصده في كل التجارب التي مرت بها البشريه في أبان هذه الاوبئه حيث ان الحياه لم تعد كما هي حيث سنشهد تحولات سياسية، واقتصادية، ودينية، وربما بدأت ارهاصاتها بالظهور فنشاهد تحالفات سياسية تسقط، وربما بداية انهيار النظام الرأسمالي على شكله الحالي، اما على الصعيد الديني فأن هناك تحولاً كبيراً وسيسلك اتجاهين، اما رده سلفيه للدين بسبب عجز العلم والتطور والتكنلوجية عن ايجاد حلول لهذه الجائحة، او العكس موجه ارتداد جماعي عن الدين بسبب عجز الغيبيات والماورائيات على دفع هذا الوباء.

حسن جوهر – الديوانية

مشاركة