بين الصحافة والكهرباء  – طالب سعدون

430

 

 

 

 

بين الصحافة والكهرباء  – طالب سعدون

ما أكثر المقالات التي كتبتها عن أزمة (الكهرباء الوطنية) لكن دون جدوى ، جعلني على يقين أن ما كنا نكتبه على مدى السنوات الماضية  (حبر على ورق) ،  وليس أكثر من كلمات لإملاء الصفحات لكي تصدر الصحيفة ، وتكون لنا شهادة باننا (ديمقراطيون ونؤمن بحرية التعبير  والصحافة أحد عناوينها الرئيسية) .

لا يكون للصحافة دور ولا للفكر قيمة ، ولا للكلمة تأثير ، إن لم تكن هناك سلطات تتابع هذه السلطة  التي تعد  الرابعة ، وتنفذ قراراتها  ..

صحيح ان قرارها ليس ملزما ، ولا يحمل صفة القانون ، بل هو سلطة معنوية ، ولكن له قوة خارقة يستمدها من الرأي العام الذي هو (صوت الشعب ، او الارادة الجماهيرية) ، أو هو بوصف أدق  لاحد المتخصصين هو (فم الشعب وإذن الحاكم) …

وما دامت الكهرباء تراوح مكانها على مدى سنوات طويلة ولم ينفع ما  كنا نكتبه في بث الحياة فيها توقفت عن الكتابة عنها وشبهت في مقال نشر هنا في الزمان  بتاريخ  (24-7- 2016) حال من يكتب عن الكهرباء بمؤذن مالطا في المثل العربي المعروف ، فهو  عندما ينتهي من الاذان لا يجد غير نفسه  في المسجد ، ففضل أن يصلي في بيته ،  ما دام الآذان لا يدعو أحدا للصلاة غيره…

اليوم نقضت  ذلك العهد وها أنا أعود للكتابة  عن الكهرباء لانني دفعت ثمنا باهظا  من ميزانيتي  يعادل ضعف راتب متقاعد يتجاوز الثمنمائة الف دينار ، من أجل  الحصول على كهرباء  تناسب  عمري ووضعي  الصحي المتعب  بعد أن فاجأتني ابنتي  الدكتورة شروق وزوجها  الدكتور سيف بشراء (سبلت طن) في تموز الماضي  لارتفاع درجة الحرارة وانعكاسها  على وضعي الصحي   ،  بعد ان شاهدا  وضع (الوطنية) البائس في المنزل وحالتي الصحية ، و لكن لم يكن في حسابنا  تبديل الاسلاك الواصلة بين منزلنا والمولدة  لانها ضعيفة لا تتحمل  زيادة امبيرات اضافية من مسافة بعيدة  مع العلم اننا نبدلها  باستمرار نتيجة تعرضها للقطع وتشابك الاسلاك مع بعضها ،  والظروف الجوية ناهيك عن حتمية زيادة  اشتراكنا  في المولدة ليناسب الحالة الجديدة  ، كما صادف ايضا اصلاح اعطال في الكهرباء الوطنية داخل المنزل  ..

وللحقيقة أنه رغم استنزاف المولدات الاهلية  المادي لموازنة الاسرة على مدى سنوات طويلة  لكن يجب الاعتراف بدورها  الاساسي في سد حاجة المنازل والمحلات والاعمال المختلفة ..

ولك أن تتصور حالنا بدونها ، مما  جعلها تستحق  في نظر من يرى ذلك أن تكون الوزارة باسمها ، بعد أن إرتضت  (الوطنية) ان تكون (المولدة)  شريكا لها  بهذا الواجب (الوطني) ، دون أن تكلف الحكومة نفقات ورواتب ونثريات وايفادات الخ ، وامتدادها على كامل مساحة الوطن ، ولها تواجد في كل بيت وشارع  ومحل ومكتب ..(مقال  أخر في الزمان –  وزارة المولدات الاهلية بتاريخ 11-5-2014)

وسؤال  يظل قائما ما طرحته في مقالين  أخرين  في (الزمان) ايضا في  (21 – 6- 2018) بعنوان ( نحن واليابان .. الثروة والانسان ) و (قضية الكهرباء واليابان) .. هل ستأخذ  قضية  الكهرباء مثلا ، أو غيرها من القضايا التي تضغط على الشعب من النخب السياسية في اليابان –  التي  خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة ، مثخنة بالجراح كل هذا الوقت والاموال والمعاناة لو كانت تشكل أزمة  كبيرة تضر بالوطن والمواطن ؟ …

إستفهام مجازي لا أبتغي أن أعرف جوابه  ، لان خبره  يكمن بين طياته في النقيضين ، وإنما أوردته لتبيان الفرق بين حالتين ، تعكس كل واحدة منهما طبيعتها التي تناقض الاخرى …

واذا كانت المقارنة صعبة مع اليابان فهي ليست بتلك الدرجة مع دولة من عالمنا الثالث  مثلا عندما  تتمكن  من انشاء ثلاث محطات كهربائية بقدرة  تصل الى نحو 15 الف ميغاواط ، وبكلفة ستة مليارات يورو ، وبزمن قياسي يناسب الحاجة والعصر.. (موضوع مقال لي في الزمان بتاريخ (28 -6  2018) وبعملية حسابية بسيطة يمكن  إنشاء أربع محطات كهربائية في العراق  بعائد النفط  لشهر واحد في ذلك التاريخ  في سنوات النفط الذهبية ،  وبذلك يمكن حل أزمة الكهرباء كلها  في عموم البلاد ، وبكل تداعياتها وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على المواطن..

وهذه  (موريتانيا)  مثال اخر فقد دشنت محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية النظيفة بكلفة  عشرين مليون دولار .. اكرر (عشرين مليون) فقط …  ومهما كانت القدرة لهذه المحطة او الكلفة بسيطة ، لكنها تعالج قضية مهمة في حياة المواطن وتناسب الحالة ، وهو مبلغ بسيط لا يشكل شيئا تجاه ايرادات النفط  العالية لدولة نفطية مثلا .

قد يرى غير العراقي مثل هذه  الامثلة شيئا عاديا جدا ، فلا يتوقف أمامها ، لأن بإمكان أي دولة أن تقوم بها ،  وعمل مثل هذه المشاريع ، لتحسين وزيادة خدماتها  للمواطنين ، ومنها توفير الطاقة لمختلف الاغراض الخدمية والانتاجية والسياحية  ..

لقد اصبحت قضية الكهرباء عندنا في العراق ليست قضية فنية فقط  بل قضية سياسية واجتماعية واقتصادية كانت لها انعكاسات ليس على حياة المواطن وحقه في الحياة  المناسبة   فقط بل على فرص الوطن  التي ضاعت في البناء  والتقدم  والتنمية والبطالة واستنزاف للاموال  ، خاصة  وان ما أنفق عليها خلال السنوات الماضية  من الاموال العامة للمواطن تجاوز الستين مليار دولار حسب التصريحات المنشورة ، وهو رقم  كبير، مهما كانت نسبة الصرف على  الامور التشغيلية ..

فهل حصل المواطن على (عائد كهربائي)  يناسب ما انفقه من أمواله العامة والخاصة على الكهرباء  ناهيك عن معاناته من هذه المفردة  المهمة في حياته ، ام لا تزال مستمرة .. ؟

ألم يحن الوقت لتسمع  مؤسسة الكهرباء مؤذن مالطا  فقد مل الصلاة  في بيته واشتاق الى الاذان  من مسجده لعل هناك من يسمعه بعد طول غياب عن الاذان فيه..

– نتمنى ..

وعسى أن يجد من يعنيه الأمر فسحة من القوت  ليطلع على المقالين اللذين نشرتهما  الزمان امس الاربعاء على  صفحتها الاولى  (الكهرباء عقد اذعان ولكن) (وينه الكاظمي يفزع النا) للزميلين العزيزين شامل بردان و هادي جلو مرعي  تناولا فيهما قوائم الكهرباء الباهظة  جدا التي فوجيء بها المواطنون واصحاب الاعمال برغم أن المدة المطلوب تسديد اجورها تقع ضمن الحظر الصحي حيث أن المحال مغلقة والاعمال والنشاطات معطلة ، كما ان القوائم لم تتضمن قراءة سابقة وقراءة لاحقة ، اي انها تقديرية اي (كوترة) وهذا امر لم يحصل في تاريخ العراق على حد ما يرى الزميل جلو ، فيما تساءل الزميل بردان اذا كات حكومة بحجم العراق قد تعسرت بسداد رواتب مواطنيها فكيف برعايا الدولة ؟  في اشارة الى وضع المواطن وقدرته على السداد ..

 نرجو وندعو  أن  تقدر الجهات المعنية حالة المواطنين في ازمة الكورونا المستمرة  والوضع الاقتصادي العام  والخاص وتعالج ما طرحه الزميلان في (الزمان) ووضع الكهرباء بصورة عامة ..

فالحرية ليست في أن نكتب ، بل في تأثير ما نكتب  ويجد صداه عند من يعنيه الأمر ، وتغيير ما يستحق التغيير لاهميته الكبيرة للوطن والمواطن..

والصحافة كما قال المتخصصون هي (عين الدولة) ويمكن ان تصل الى أماكن قدر يتعذر على الدولة الوصول اليها ، وبذلك تساعد المسؤول في عملية صنع القرار الذي يستجيب لارادة  الجماهير ..

باختصار .. سلطة الصحافة في قوة الكلمة وتأثيرها ، ولكن عندما لا تجد من يسمها ويستفيد منها تصبح  لا قيمة لها  او مجرد ديكور وواجهة  شكلية للديمقراطية ، وفي النهاية لا فائدة  منها غير تنظيف زجاج الشبابيك ، أو وضعها على المائدة لتكون (سفرة)  للأكل عليها ، لسهولة طيها ورميها بعد إنتهاء وجبة الطعام ..

وهذا ما لا يتناسب مع مهمة الصحافة ودورها ..

                   { { { {

كلام مفيد :

كل انسان له حدود للصبر  … لا تدفع الناس لاقصى حدودهم ، فقد لا تعجبك ردة فعلهم .. (قول مأثور)

طالب سعدون

مشاركة