بين الشاعر وذات القارئ.. جليلة تزيل الغموض عن عتمة النص

بين الشاعر وذات القارئ.. جليلة تزيل الغموض عن عتمة النص

عصمت شاهين الدوسكي

ان المعنى الأدبي العام له تاريخه الطويل ، به يختلف عن المعنى الخاص بالنص الشعري ، فالمعنى العام مرتبط بالتاريخ ، يتحكم به في لحظة ما ،والمعنى الخاص حقيقة ثابتة للنص تتجسد في كلمة أو مجموعة كلمات تتجاوز معناها قصداً معيناً ، ويمكن أن يفهمها في بنيتها كل قارئ يحسن تلك اللغة ،ويبقى هذا الصراع الفكري بين ما أعنيه أنا وما تعنيه الكلمة ، يشبه هذا الصراع بين النص والفكرة ، بين الفعل والقدرة ، ولا يمكن القول أن القراءة الأولى والثانية للنص ،قد ألم الناقد إلماماً مطلقاً بالمعنى ، الذي أراده الشاعر ،ورغم هذا ،وضمن هذه الحالة يصبح ميدان النقد ممكناً ، وليس من الممكن ان يكون تأويل النص كاملاً ،لأنه إذا أدعينا إنه  تأويل كامل ، لألغينا جميع التأويلات الأخرى ، يدخل قدر كبير من هذا التوتر بين النص والتأويل في جميع أشكال المحاولات اللغوية في الصور الشعرية ، بما في ذلك بساطة فكرة النص ، وهذا ما يتجلى في شعر الشاعرة  المغربية جليلة مفتوح بلغتها ومعناها وموسيقاها ، ربما بإستطاعتنا أن نجد معنى الكلمة في معجم أو عن طريق تحديد الإطار المحيط بها ، ولكن المعنى الصوري منوط بالفكرة ، بالحدث ، فقد قرره الشاعر مسبقاً ،فهي وظيفة الشاعر للوصول الى الغاية من الفكرة ، إن تسلسل الكلمات في شعر جميلة مفتوح لا يعني شيئاً ما ، إلا إذا استخدمتها الشاعرة ليعني به شيئاً ما ، فجميع الإتجاهات الجديدة ، الحديثة ، اعتمدت على المعنى الخاص في الصورة الشعرية ، وتبسيط الفكرة لتصل للقارئ ، بسهولة ، الشاعرة جليلة مفتوح تحاول ايصال المعنى في وجهة نظر مشتركة بينها وبين القارئ ، وتحديد الصلات التي تعتمد على التسلسل الزمني لرسم صورة واضحة لجوانب الفكرة ، فقد نبذت المنهج الغامض ، الضبابي ، الصارم ، وفضلت عليه عرضاً شعرياً منسقاً ، منظماً ، في المعنى بإمساك طرف الفكرة الواقعية لإيصال طرفها الآخر للقارئ .

(( التصقت بالوجه براقعي

   بحرك يا بيضاء مختال

   يموج بعمقي المصارع

   تيممت بزرقته تطهراً

   عتمة بالقلب الممانع

   تاريخ يجتاحني ظلاماً

   يهزمني بكل الذرائع ))

ركزت الشاعرة جليلة مفتوح بالدرجة الأولى على فعالية الحدث والإحساس  الذي يؤلف النص الشعري ، وايصال معناه بوصفه موضوعاً مهماً ،إن هذه الرؤية تؤكد الحدث الشخصي الذي يربط القارئ بالنص ، ويربط الشاعرة بتوضيح المعنى من خلال وعيها وادراكها للفكرة وتصويرها بالشكل المعني ، الذي يعتمد على استجابة القارئ ، فضلاً عن إفادة الفكرة ومعناها عند التحليل النفسي والنقد الذاتي ، إن مثل هذه الأفكار المعروضة  من خلال الصور الشعرية ، تلقي الضوء على عددكبير من المشاكل التي تتجسد على ارض الواقع ، ، فعليه للوصول الى المعنى الصحيح هو اتفاق وتوافق بين ذات الشاعر ومعنى الموضوع ، وبين المعنى التصوري  للشاعر والقارئ معاً ، إتفاقاً في الافكار والاحساس والمضمون ، وهي عملية الوصول الى المعنى الأساس لولادة الفكرة أو الحدث من خلال جملة من الصور الشعرية التي تستخدمها الشاعرة بذكاء ودقة .

(( أحمل ظلالاً بغربتي

   تبعث حية فواجعي

   متى أعود اليك بهية

   وقد جفت مدامعي

   كل حفنة سنين أعود

   ليهز هديرك مسامعي ))

تكمن في صور الشاعرة جليلة مفتوح أهمية طرفيين معنيين ، أولهما الذات ، وثانيهما الفاعل ، فالمفاهيم المعنية تظهر مدى تأثير الأفكار الشخصية ، وهي ليست مجرد أمور صورية بصيغ شعرية تناقض او توافق بعضها بعضا ، بل هي عامل مساعد لها ، تؤلف هذه العلاقة بين معنى الذات والفاعل ، وجهات نظر قد تتنافر هنا أو تأتلف هناك ، فهي تنتقل من الفعل الذاتي الفردي ( ذات الشاعرة ) الى منهج جميل ،واع ، هدف حقيقي ، داخل النص ، تستند الى معنى الطبيعة الشخصية وطبيعة النص الشعري ، وليس من الطبيعي أن يكون المعنى الصوري تقريباً كله ( شفرات ) تلقي عاتقها على الثقلفة العصرية الجديدة ، بل النص الشعري تركيبة بنيوية منسقة ، منظمة ، ترتبط بالمعنى الخاص بها ، وبأحداث مكانية ، زمانية ، فكرية حسية ، يحول معناها الى الوجود الملموس ، الشاعرة جليلة مفتوح تحاول ازالة الغموض عن سواد المعنى ،واتباع ما بعدها بنقاء ، فهي تحدد الجوانب المهمة للفكرة ( الحدث ) فلا يمكن أن يكون في النص الشعري توتر بين المعنى الشاعر ومعنى القارئ ، مهما كانت التطورات حديثة ، فلا يمكن أن يكون الشعر منفصلاً  أو خفياً معناه لدى القارئ ، فليس الشعر خروجاً على التقاليد الإنسانية الماضية كمعنى وصورة بإختلاف الشكل والنظم بقدر ما هي مكملة لها ، فليست هي ثورة بقدر ما هي تطور زمني ، فالسمة الجديدة للمعنى توافق التجدد الزمني للنص ، عندما تنتقي الشاعرة جليلة مفتوح أفكارها من الواقع وتجسد من خلالها بنظام جميل المعنى الخاص بها ، قد تواجه صعوبات في التصوير الذهني لها ، لكن قدرتها على التحكم والتصرف في اتباع اللغة الخاصة بها ، باضافة احساسها الراقي ، يمدها بالقوة والاصرار للوصول الى الهدف العام .

(( غلالة برفق تزيحها

   تغل ثورتي ومواقعي

   عاجز أنت لن تعريني

   إالتصقت بالوجه براقعي ))

الشاعرة جليلة مفتوح تصف وتتأمل وتسرد وتتمرد وتواجه ، وتجسد حالة المتكلم والمتلقي في نفس الوقت ، وهذه تدخل ضمن المميزات الهامة في الشعر ، وهي لا تساغرق زمناً قصيراً ، في إجلائها ، فمن خلال النص نلاحظ فترات زمن التأمل والتفكير في صياغة الصور الشعرية ، للوصول الى المعنى الخاص بها ، والتي قد يثيرها ضمناً الشعر ، فهي لاتنبذ صوت الضمير (أنا) وإن فضلت صيغة المذكر  أو المؤنث عند الإشارة الى القارئ من خلال الصور الشعرية ، أتوقع أن تكون الشاعرة جليلة قمراً في سماء الأدب المغربي خاصة والعربي عامة .

 { { { {

الشاعرة جليلة مفتوح

–              من مواليد المغرب 1965

–              حازت على البكلوريا ، تعشق دراسة تاريخ الشعوب بأنواعه

–              مارست تصميم الموديلات للأزياء المغربية ، تنتقل بين مدن المغرب ، طنجة ، فاس ، وغيرها .

–              نشرت في عدد من المجلات والصحف المختلفة .

–              شاركت ببعض المنتديات الثقافية داخل وخارج المغرب .

–              كرمت عدة مرات ومنها مهرجان للشعر باليوم العالمي  للشعر عام 2015 ، وبعض المنتديات الاخرى .

–              تكتب في هذه المجالات الأدبية (الشعر ، القصة ، الرواية ،  المقالة ) .

–              يصدر الان ديوانها الشعري ( وشم عار )  2015 ، وتحضر لترجمة روايتها ( وشم بالنار ) بنفسها  الى اللغة الفرنسية ..