بين الروضتين  – طالب سعدون

749

نبض القلم

بين الروضتين  – طالب سعدون

القلب يصدأ كما يصدأ الحديد ..

هكذا وصف الرسول  محمد (ص) القلب …

 فهل يبقى على صدئه ..؟!

وكيف لهذا القلب أن يلين ويرق ويهدأ وترفع عنه الغشاوة والشقاوة والتعب ليعاود نشاطه بحيوية  .. ؟

– بالقرب أكثر الى الله ..

– كيف ..؟

بالذكر وقراءة القرآن والاستغفار، وعمل الخير والترويح عن النفس ورفع الثقل عن القلب بزيارة أماكن ورياض تنطلق فيها الروح  من عقالها .. تحيي  الفؤاد وتوقظ النفس من غفوتها كي لا تطول أكثر وتشحذ العقل بالتأمل والتذكر ..

منها على سبيل المثال .. زيارة بيت الله الحرام ، وقبر الرسول  الكريم  محمد (ص) وآل البيت الاطهار والاولياء والصالحين الابرار..

قبل أيام  زرت الامام علي (ع) أعقبتها بزيارة الحسين (ع) واخيه العباس (ع)  بصبحة صديقين عزيزين  ، فقد  إعتدت أن اقوم بالزيارة  كلما أشعر بأن القلب قد أثقله الالم ورانت عليه الهموم  والاحزان ،  وأخشى عليه من الصدأ إذا ما استمر الهم فأعيد له الهدوء والطمأنينة  والراحة بهذه الاجواء الروحية ..

في كل زيارة أجد تطورا واضحا  يدعو للكتابة ،  وكأننا لسنا في العراق ،  بل في عالم أخر خاص يستمد خصوصيته من قدسية المكان وعظم الدور الذي قام به صاحبه فلابد من الارتقاء بالاداء والعطاء  الى مستوى  يليق به …

حركة مستمرة  على صعيد الاعمار والبناء والخدمات في الروضتين تعطي صورة جميلة وتحكي قصة طويلة  من الجهد للعتبتين في العمل المتواصل رغم زخم  الزوار الكبير ، تعكس تعاملا راقيا  ينم عن ذوق وفن في خدمة الوافدين  الذين قطعوا مسافات طويلة  من محافظات العراق أو قدموا من الخارج..

كل عامل في هذا المكان الطاهر ، يجد نفسه  في مهمة نبيلة لخدمة الزائر .. يتعامل بخلق عال وأداء متميز  وكأنه ممثل أوسفير أوقائم  باعمال الروضة كلها..

هكذا وجدت تعامل الروضتين الحسينية  والعباسية مع الضيوف والزوار ، فقد تعرفت على إثنين من العاملين في  تشريفات العتبة الحسينية (قيس ومصطفى) كانا على قدر عال من الخلق والاداء والحيوية والنشاط وفن التعامل مع الاخر بدبلوماسية  وتوضيح ما يريد والرد على الاسئلة والاستفسارات بدقة ومسؤولية ..

فالتعامل مع هذه الملايين  على مدار الايام أكبر من حجم سفارة ووزارة وحتى دولة .. يتطلب المصداقية والرقة والهدوء والصبر والتواضع والاخلاق الطيبة على حد وصف (هارولد ولسن) للدبلوماسية التي لا تقتصر على العاملين في السلك الدبلوماسي ، بل يحتاجها كل شخص في حياته ،  خاصة في العلاقات العامة .. هي فن التعامل مع الاخر ..أيا كان موقعه أو هويته أو مستواه .. وهو ما يعبر عنه أهل البيت في أحاديثهم (بالمداراة) ..  مداراة الناس هي عنوان  العقل  كما يقول الامام علي  …وهي واحدة من جسور التأثير والتواصل مع  الاخر ولكن من غير تجاوز للحق   ..

فكم من شخص إعتنق الاسلام لانه تأثر بنموذج مسلم في تعامله الدبلوماسي والاخلاقي معه.. ولنا في الرسول اسوة حسنة في الخلق العالي (وانك لعلى خلق عظيم )..

أعداد كبيرة من الزوار يحلون ضيوفا يوميا على الامام الحسين وأخيه العباس .. يجدون من كرم الضيافة ما يفوق الوصف ويسر الخاطر .. يجدون الضيافة المعنوية والروحية والمادية مجسدة على الارض وحقيقة كما قرأوها في الزيارة (انك كريم تحب الضيافة) ..

 كتبت مقالين هنا في (الزمان ) عن مضيف الامام الحسين داخل الصحن الشريف (الاول في   5آب 2013.. والثاني  في  22 شباط 2016) لانني أجد في كل زيارة اضافة جديدة على مستوى الاعمار والخدمات ..

هذا المكان يحمل رمزية عالية .. يجسد تواصل السخاء  والعطاء الحسيني دون انقطاع  وكرم الضيافة والاستقبال  في نظام رائع يتناسب مع مقام صاحب الدعوة ، وفيه من الاطعمة والاشربة والفواكه ما يتناسب مع مقام الزائر، وكأنه في بيته ، أو في مطعم من مطاعم الدرجة الاولى التي تدفع فيها مبالغ كبيرة ، إضافة الى الوجبات السريعة خارج المضيف بنفس الجودة والروعة والنظام ، اكراما للضيوف .

وما أن ينتهي الضيف  من تناول الطعام  يجد القهوة العربية بمذاقها الجميل وطعمها  المتميز ، ربما لن يجد لها مثيلا في مكان اخر ، وهذا ما يحس به كل من إحتسى القهوة من الضيوف ، وكأنها براءة اختراع لعاملها فقط ،  ولا يحب أن تقدم  في غير هذا المضيف.

وهكذا  كان التعامل في مضيف الامام العباس (ع) في الصحن الشريف بنفس النظام والكرم والاحتفاء بالضيوف …

سفرة عامرة بما لذ وطاب من الطعام والشراب كلها من انتاج العتبة ، تعطي نموذجا في فن الادارة والاكتفاء والتمويل الذاتي .. تسير عملية الضيافة بانسيابية عالية رغم الاعداد الكبيرة ، ويكون الحصول على الطعام من خلال بطاقات توزع على الزائرين ، في حين يدخل العرب والاجانب بجوازات سفرهم كوثيقة تعريفية لهم كونهم قادمين من مسافات بعيدة ..

وليس غريبا على الامام الحسين واخيه العباس (ع) هذا الكرم الذي يليق بأل بيت الرسول الكريم محمد (ص) ، وهم الذين قدموا أنفسهم قربانا في سبيل الله واعلاء كلمة الحق  (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) ..

000000000000

 مقطع صغير من قصيدة  للشاعر المصري فاروق جويدة بعنوان (في رحاب الحسين) :

جئنا رحابك يا حسين

جئنا إليك لنشتكي أرضا

رحيق العمر فيها للغريب

تعطي الدموع لأهلها

والفرح فيها للغريب

00000000000000

كريم اهل البيت ..

من جميل ما يروى عن كريم أهل البيت الحسن المجتبى (ع) أن جارا له أصابه العوز الشديد فاقترحت عليه زوجته أن يذهب الى الامام الحسن ويعرض عليه حاله ، وإن لم يذهب هو فيتركها هي تذهب اليه ..

فقال لها سأكتب له ، وكان شاعرا فكتب بيتين من الشعر وأرسلهما اليه .. قال فيهما :

لم يبق عندي ما يباع ويشترى

يكفيك رؤية مظهري عن مخبري

إلا بقية ماء وجه صنته

عن أن يباع وقد وجدتك مشتري

قرأهما الامام الحسن وبكى وجمع ما عنده من مال وأرسله اليه وكتب له :

عاجلتنا فأتاك عاجل برنا

نزرا ولو أمهلتنا لم نقتر

فخذ القليل وكن كأنك لم تبع

ما صنته وكأننا لم نشتر

0000000000000

كلام مفيد :

ومن جميل ما قرات :

لما أتيت الى الطبيب مناديا

قلبي توجع ياطبيب فطبب

رانت على قلبي الهموم فقال لي

طبب فؤادك بالصلاة على النبي

مشاركة