بين الحكي الشعبي والسرد الحديث –  نجاح هادي كبة

459

رواية مولد غراب

بين الحكي الشعبي والسرد الحديث –  نجاح هادي كبة

الرواية للقاص والروائي وارد بدر السالم صادرة عن دار سطور سنة 2016م الطبعة الخامسة وتقع في (81) صفحة من القطع المتوسط وتتوزع على اربعة عنوانات كالاتي: مفاتيح الكلام، مفاتيح السؤال، مفاتيح السيد، مفاتيح الخطأ والخطيئة يوظف الروائي فيها حكاية متواترة من التراث الشعبي تدور حول رجل اسمه غراب وجده شيخ قبيلة مرمياً على جرف شط من دون اب (نغل) واهتم الشيخ بتربيته ولما كبر حمل مولوداً وعانى من حالات الطلق الا ان الروائي اتخذ من هذا المتن الحكائي مبنى حكائياً فجعل غراباً رمزاً للمعاصي التي ارتكبها شيخ القبيلة حسن آل خيون والمتواترون معه في القرية ليخلق من هذه الحكاية روايته عن طريق التمدد بالاحداث طبولوجيا باسلوب السرد الروائي الحديث وعن طريق الوصف التصويري الذي كانت أنامل الروائي كانها ترسم لوحة تشكيلية من خلاله بطريقة سحرية غرائبية فالوصف لدى الروائي يعتمد الموضوعية التي حددها الفرنسي فيليب هامون (بانه توسع للقصة… ايضاح متواصل او متقطع… موحد من وجهة نظر المحمولات). لقد وقعت حادثة حمل غراب كالنسوان مثل الصاعقة على شيخ القبيلة حسن والموتورين معه وبذلك انزاحت روايته بأنامل القاص من التراث الشعبي الى عالم السرد الحديث الفنتازي الغرائبي ولاشك في ان القص الغرائبي ممارسة تجريبية نأت بالقص عن الوقوع بالتقليدية والثابت والجامد متحدياً الاسلوب الواقعي وبحسب تودوروف فان العجائبي يتحدد بعد ان يقرر القارئ قبول قوانين جديدة للطبيعة يمكن تفسير الظواهر بها. ويسيح الروائي بالاحداث ليقنع القارئ بما وقع لغراب، ومن اجل حل هذه المعضلة التي سببت الالام لرجال القرية اندفع رجلان للقاء السيد عنبر عبد علي السيد نور عسى ان يجدا لديه حلاً لهذه المعضلة (يدري الرجلان المبعوثان اللذان لفا وجهيهما بغترتين بيضاوين مرقطتين بسواد ان الدرب بعيد وطويل الى هور العكر وقد لا يكفي النهار بطوله للوصول الى السيد عنبر عبد علي السيد نور)ص:9-10 فالعوائق كثيرة حتى تراءى للرجلين (ان الوصول الى قرية السيد عنبر يبدو ضرباً من الخيال في الجو البارد والمعتم) ص:10-11.  وكان ما يجول بخاطرهما ان يصيح حسن (قضاء وقدر ويبدو كمن يدفع النبال بيدين  عاريتين او يصرخ باستسلام: ماذا افعل؟ وكان جمر الموقد يتلامع بين عينيه غير المستقرتين- عيني الذئب المحاصر بما هو اغنى من لمعان عينيه) ص:11) لكن لابد من طرق الابواب الى اخرها والا المناوئون لحلول الشيخ حسن يتكاثرون مع لحظات (الطلق) التي لا يود احد تصديقها مهما كان الثمن وهي تنتزع مهابة الجميع لسطوتها وتنكس الرؤوس لحظة بعد لحظة) ص: 12 ويمارس الراوي دور الراوي العليم والراوي الضمني موظفاً الدايلوج والمنولوج الداخلي فالسرد يوحي بعد التضرع للسيد عنبر انه يقول (تمسكوا بالصبر والصلاة واعينوا بعضكم على بعض اقتسموا الرغيف الواحد، واشربوا من طاسة واحدة…. اننا نقطع الليالي والنهارات  من اجل ان نراك ونتبرك بطلعتك، انت وليّنا الى السماء ومبعث النور في رؤوسنا) ص:17 ولكي ينتقل القاص من وصف المتن الحكائي الى المبنى الحكائي يعلل الروائي اسباب هذه المعضلة على لسان رجل قصير (فتسارع صوت اخر وصاح بثقة متناهية- لا نحصد ما زرعه الشيخ حسن البلية بسببه) ص:19  وبذلك مهد الروائي لوحدة سردية جديدة وهي الشعور بظلم الشيخ حسن وقد عبر الروائي على لسان رجل قصير بذلك (- هنالك ظالم وهناك مظلوم، فاذا ما عرفنا المظلوم فيجب ان نعرف الظالم) ص:21…

ظالم ومظلوم

 المظلوم موجود بيننا وقريب منا والظالم واحد منا، ونحن نحتاج الى رضا الله سبحانه وتعالى عنا اولاً واخيراً) ص:22 وبذلك فان القسم الاول من الرواية (مفاتيح الكلام، قد ابان فيه الروائي مقصداً من ان حادثة حمل غراب كالنسوان كانت سبباً للآثام والذنوب التي اقترفها الشيخ حسن والموتورون من ابناء القرية الذين يحيطون به كما ابان الروائي عن اسلوبه في كتابة الرواية بانه يقلد طريقة الحكي الشعبي التي بقيت الرواية تلتزم به من مقدمة او تمهيد ثم عقدة فحل الا ان الروائي استطاع بموهبته الروائية عن طريق تنوع اسلوبه كاسلوب الراوي العليم والراوي الضمني وتوظيف الدايلوج والمنولوج وتعدد الاصوات داخل الرواية ان يقلل من ثقة الحكي التقليدي ولاسيما انه جعل القارئ يواكب مقصده. ثم يربط القاص بين (مفاتيح الكلام) و(مفاتيح السؤال) بوحدة عضوية لا نبوة فيها عن طريق الوصف التصويري للرجلين اللذين قصدا السيد عنبر (فاجأهما ضوء شديد السطوع ينعكس من مرايا متوهجة منبهرة بالصمت الخالص وروائح البخور الطاغية) ص: 25 ليصل الرجلان الى مزار السيد عنبر (وقد بدا في مزار السيد عنبر كل شيء مرتباً وبسيطاً وفاخراً بقناديل ولوكسات وفوانيس معلقة بتراتب يمنح الروائي لها.. يمنحه احساساً بالطمأنينة والخفة) ص: 25 وبذلك فان الروائي يستمر (في مفاتيح السؤال) باسلوب الحكي التقليدي لكنه كان ذكياً حين جعل اسلوبه المتمركز حول المقدمة والعقدة والحل يفيض بالوصف الخلاق لمزار السيد عنبر والطريق المؤدي اليه وهو بالاضافة الى ذلك يوجه انتباه القارئ الى الاحداث من خلال عدم ذكر اسماء الشخصيات بصورة معلومة مقلداً الحكي الشعبي فالرجلان اللذان قصدا مزار السيد عنبر اعطى لاحدهما صفة ذي الشارب الكثير وذكر زميله بصفة اخرى وهناك الرجل القصير الذي تحدث عن الظالم والمظلوم –كما ذكر سابقاً- وزهرة المولدة ذكرت من دون اسم والدها الا انه صرح باسم شخصيتين مهمتين في الرواية هما حسن آل خيون شيخ القرية وعنبر عبد علي السيد نور الذي اعطاه صفة السيد تبركاً. ويستمر الروائي بتصعيد الاحداث حين باح الرجلان اللذان قصدا السيد عنبر بالمعضلة امامه وجهاً لوجه: (وفي لحظة التقابل التي حفرت فيهما خضوعاً واستسلاماً عاليين كان السيد ينقل اصابعه الرقيقة بلحيته الخفيفة وشاربه المحفور بعناية، وربما لم يشاهدا ذلك ملياً غير انهما تعلقا بعينين منفتحتين كصدفتين) ص: 28. وبأسلوب الدايلوج وصف الروائي (السارد الضمني) الحوار الذي دار بين الرجلين والسيد عنبر (– يا اهلاً وسهلاً… يا اهلاً وسهلاً… كيف حال الشيخ حسن؟ بهت الرجلان معاً وفوجئا ان السيد يعرف شيخهم… قال الرجل ذو الشارب الكثير بصوت تسلل اليه الارتعاش- بخير… بخير والحمد الله… الشيخ حسن يبلغك السلام يا مولانا…. تشجع الرجل الثاني وقال لفوره متسائلاً  أتعرفه يا سيد؟ الله تعالى هو الذي يدفع البلاء عنكم وعنا)، ص: 31  الا ان الرجلين عاد الى ذاكرتهما ما مر من اقوال للشيخ حسن والمولدة زهرة وهما يحاوران السيد عنبر ووظف الروائي هذه الوحدة السردية بأسلوب الاسترجاع وهكذا ينتهي فصل (مفاتيح السؤال) ليقرر الشيخ حسن الذهاب مع الرجلين الى القرية لحل المعضلة (هناك من سيأتي معي الى القرية وسيجلب معه مفتاح مصيبتكم سيأتي بالقفل والمفتاح!) ص: 41  وليستمر الروائي بشد القارئ الى سلسلة الاحداث للوصول الى النهاية يمهد الروائي في فصل (مفاتيح السيد) لحل الصراع الدرامي فالسيد عنبر حل على قرية الشيخ حسن الخيون (برغم ما الّم بهم من يأس وضنك وحيرة، غير مصدقين اول الامر، ان هذا الولي الصالح يطأ قريتنا من اجل بلوى غريبة افسدت ايامنا وزرعت الشك في نفوس اهلنا) ص: 46.  بينما اخذ المزيد من رجال القرى المجاورة، وقد انبأتهم ريح سماوية بالوصول الى المضيف حريصين على رؤية السيد وتقبيل يديه الاثنتين والتبرك بمرآه المقدس وانتظار فتواه) ص:46  ويوظف الروائي اسلوب الاسترجاع  في هذا الفصل أيضاً ليذكر كيف كان الوصول مذللاً الى القرية ببركات السيد عنبر؟: (كان الرجلان يقولان ان السيد كان يجذب بيديه القويتين ويحلق كما تحلق الطيور في السماء) ص:47  ويستمر الروائي بطريقة الحكي التقليدي (وقد حرص سيدنا ان نصل في اول المساء وهذا ما حصل امام دهشة الشيخ حسن ورجالنا الذين عصفت بهم رعدة باردة وانتابهم فرح حقيقي وخلق بيِّن وبالذات شيخنا الذي احتضن السيد وقبل يديه وقاده الى صدر المضيف) ص: 47 (فيعد المضمار السردي اختباراً لمقترب يؤكد على استجابة الشخصية للتمثيل الحكائي مما يعطي الاسطورة شرعيتها من خلال نقاط اقتران وتطابق: تسوغ المتغيرات السردية في المبنى الحكائي ونرى ان القصص تقيم تناصاً واسعاً مع الحكاية عبر جملة مؤشرات) (انماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية الحديثة). د. فرج ياسين، ص: 116 ويوظف الروائي ايضاً اسلوب  الدعاء (يا سيدنا ومولانا وولينا وصاحب الخطوة المباركة علينا انقذنا من هذا الهم وخلص رجالنا من العار والخزي، واشفع لنا عند الله عز وجل ان يقبل توبتنا ويهدي قلوبنا الى ما فيه خير الاعمال انه هو السميع المجيب) ص:  48 كما يوظف القاص بعض آ ي من القران الكريم وهو يرمي الى تصعيد الحدث الدرامي نحو الذروة على لسان الراوي العليم ثم الراوي الضمني: (ليقول السيد بعدها:- يا آل خيون… هل تقبلوني حكماً؟) ص:  49 ويتكئ الروائي على التحدث باسلوب وعظي على لسان الراوي العليم (وحين استتب الصمت ثانية، هدر صوت السيد عنبر: الخير فيما اختاره الله يا آل خيون، ورحمة الله بوسع الهور ومن فيه، لكن الانسان، لكن الانسان) ص: 49. ثم يتدرج الراوي من ذروة الصراع الدرامي الى الحل ليفسر لهم معضلة غراب ليصرخ : (ولا تظنوا ان غراب ولد مرة واحدة ، بل ولد عدة مرات وسكن ارحاماً لا تحصى ، وهو دائماً يولد في كل يوم من ايامكم الفانية ، لأن الخطيئة موجودة والزنابير تلدغ حامليها ، فعسى الله وجل شأنه أن يتوب عليكم ، وعسى الله ان يقويكم على زنابيركم حتى تتجنبوا المعصية وتناولوا رضاه) ص : 55 . ولكي يكسب الروائي القارئ بشده الى الاحداث لم يجعل شخصية السيد عنبر المتحدثة وحدها ، بل شاركته فيها بالتحدث امرأة عجوز مغطاة بعباءة وهذه عقدة درامية  جديدة تحتاج الى حل (لا نعرف ما حكمه السيد بها وهو يجلسها خلف ظهره على هذه الهيئة الغامضة التي تبعث الاسئلة تلو الاسئلة في ليلة سعيدة وعصيبة وغريبة) ص: 54 ثم ليجعلها شاهداً مجهولاً على المعضلة التي حلّت على قرية آل خيون فالسيد عنبر (يناغي المرأة المضمومة في العباءة – ما كانت الشهوة خطيئة ، ابنتي، ولكن الخطيئة شهوة دائماً وابداً، الشهوة زنبور قد يلدغ حامله يا طفلتي) ص : 54 . فالروائي رمز بهذه المرأة العجوز المغطاة بالعباءة الى كشف جموع الناس الآخرين الذين يلفهم النسيان عن الخطيئة ، وكان بكاؤها بمثابة تأسفهم من الخطيئة وفي خضم الصراع الدرامي أدخل الروائي شخصية جديدة اخرى (زهرة العجوز مولّدة القرية الوحيدة قالت : (- لا يشرفني هذا المكان لولا مولاي وسيد حاضر هنا … وين السيد ؟ ) ص: 57.

والسيد عنبر (كان يسحبها الى حيث فسح لها مجالاً الى جانبه ، بجانب المرأة المغطاة كالصرّة، وكان السيد اكثر الحاضرين اهتماماً بمولدتنا القديمة) ص:  (57وبعد ان تربعت ظلت يدها العجفاء ، ممسكة بيد السيد وهي تقول ادعية متلاحقة وتنظر الى وجهة المتفتح وتصلي على الرسول الكريم بين لحظة واخرى) ص :  57 .

عجوز مغطاة

وكالمرأة العجوز المغطاة بالعباءة ، جعل الروائي زهرة المولدة شاهداً اخر على خطيئة ابناء القرية وآثامهم (بدا السيد اكثر سعادة من كل هذا الوقت الذي مرّ وهو يسترخي الى جانب العجوز ويبتسم لسبابها وهذياناتها المترادفة وقد ذكرت الشيخ حسن آل خيون ثلاث مرات واتهمته بما لا يليق به امام السيد ورجاله من العشيرة) ص : 58  ويوحي الروائي على انه على اعتاب هبوط على ذروة الصراع الدرامي في فصل (مفاتيح السيد) (وعندما بصقت زهرة في وجوه الرجال كفت الوجوه من الاسترخاء ، ومسح الشيخ حسن آل خيون رذاذاً طافراً على شاربه وهو يبتلع ، كما الآخرين هذه الاهانة الفادحة ) ص: 59. قال الروائي على لسان الراوي الضمني الشيخ حسن : (تعال يا شيخ حسن ، ورثت المشيخة وما عدلت واني اسألك الآن امام رجالك من اين تأخذ الحكمة؟ من العجوز هذه؟ ام من غراب ضحيتك) ص: 60 وكان بكاء الشيخ حسن دليلاً على اعترافه بحقيقة ظلمه ووجود الظالمين من رعيته وما كان من السيد عنبر الا ان يدعو الجميع للذهاب الى كوخ غراب وهو يحدثهم عن اشياء غريبة حلّت بالسموات والارض ليزيدهم ايماناً . وفي الفصل الاخير (مفاتيح الخطأ والخطيئة) يستمر الروائي بالحكي التقليدي الى جانب الحكي بالاسلوب السردي الحديث وفي كل ذلك لا يألوا جهداً من توظيف العامية وكأن الروائي يروي حكاية شعبية فنمط الشخصية المبعوثة في القص العجائبي الحديث (ترفد قضيّة بروز الشخصية رؤيتين احدهما ترتد الى منابع التفكير الاول ، والاخرى تنهل من تشكلات الواقع المعيش ، بيد انهما تتعايشان في المحفّز الرؤيوي للمنهج الاسطوري ، فتأويان الى منطقة ، تمتحان من مياهه) (انماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية الحديثة ، م ، ن ، ص :  (158   وتأتي في هذا الفصل الضربة المفاجئة التي مهد الروائي لها في سرده وهو في كل ذلك يسرد بشكل تراتبي للوصول الى النهاية (الضربة المفاجئة) وبأسلوب الراوي العليم يقول السارد  : (سيلوح الفجر بعد وقت ليس طويلاً ، عندما توقف السيد وتوقفت معه الحشود الزاحفة الى مصير مجهولة امام كوخ (غراب) فتشكلت دائرة مضاءة من المصابيح الفائضة بالنور واللهب؛ وخفّ اصطفاف الاقدام وحفيف العبارات والدشاديش ؛ وكانت العيون تنظر الى السيد الذي بدأ ازرق تماماً بعباءته الصوف وغترته الزرقاء) ص؛ 69-  ويوظف السارد عدة عتبات سردية للوصول الى النهاية (الضربة المفاجئة) بالاضافة الى التمهيد السابق – المذكور اعلاه – وصف الروائي سماع الحشود أنين الطلق (لغراب):  (فيما تعالى واضحاً انين مسموع من داخل الكوخ .. كان الانين يتفاقم الى صراخ ملتاع لرجل يعرفون مصيبته وفضيحته) ص :69  والسيد عنبر يصغي مثلنا الى صراخ الرجل المحاصر بآلام الطلق والمخاض !) ص: 70 .

وكان يتوسط حشودنا وكانت قامته تزداد هيبة ومن حوله تتشكل هالة زرقاء ، وبدأ الصراخ من جديد) ص : 71 ويستمر السارد بتحبيك الاحداث ليصل الى الذروة ويقترب من النهاية (الضربة المفاجئة) فالسارد يؤكد (ثم انبثق فجأة صراخ وليد جعلتنا نفتح عيوننا على وسعها غير مصدقين ان غراب قد ولد فعلاً !) ص: 74. ويزيد تأكيداً على ولادة غراب لطفل ( وكان يختلط امام الوجوه المندهشة وهي ترتقب السيد الذي انفتح امامه باب الكوخ مصدراً صريراً ضعيفاً فطلعت اولاً دفعة عجيبة من ززقة تهادت كغيمة منعتقة تتقدم السيد العظيم الذي خرج الينا ، يخطو بأرديته الزرقاء حاملاً بين يديه كتلة لحمية مشوية بلطخات دماء غضة وثمة صراخ وليد متخافت بعث فينا الدهشة والرعب) ص : 75  لكن الروائي سرعان ما يتنكر لتأكيداته السابقة ليعلن ان الحشود واقعة في الوهم بعد ان حاول اقناعنا بأن هذه القص العجائبي – الفنتازي بأنه حقيقة (فجأة توقف السيد وخلىّ عينيه بعيني الشيخ حسن وكانت المرأة لصيقة به ترتعش مثل سعفة . فقال بهدوء (ما عاد غراب بينكم ، لأنه لم يكن اساساً … فتوهمتم به ، وبعضكم اوهم البعض الآخر .. لقد خدعتم انفسكم ثلاثين سنة يا آل خيون) ص : 78 .  لقد كشف السارد محنة قرية تحكم فيها شخص طاغية ومعه ثلة من السائرين في ركابه . لكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل المضمر في الرواية يعني ما حلّ بالعراق وقراه بخاصة من بطش الشيوخ الظالمين ؟ الذين اوقعوا رعاياهم في الوهم والخطيئة ، ام يمتد المضمر ليشمل الحكام الظالمين ومن يقع في اعلى هرم السلطة بحدود الوطن العربي ام يمتد المضمر ليشمل العالم جميعه ؟

مشاركة