بين الأمس واليوم – حسين الصدر

300

بين الأمس واليوم – حسين الصدر

-1-

الأنبياء والأوصياء وحدهم كانوا يمشون بين الناس ويتحركون من دون حراسة مكثفة وبلا حماية بشرية خاصة ..

وكانوا يُتيحون الفرص للناس أنْ يفدوا اليهم ، وأنْ يطرحوا عليهم مشاكلهم ومسائلهم، بكل يُسْرٍ وبعيداً عن كل التعقيدات والشكليات ..

أما الملوك والرؤساء والأمراء فهم منذ قديم الزمان يتترسون ويُحاطون بترسانةٍ كبيرة من الحرس والجُند والحمايات ، ويحول هؤلاء بين الناس وبين الوصول اليهم .

ثم وصلت النوبة الان الى عموم المسؤولين ، في (العراق الجديد) ، وبالغ الكبار منهم في تكثير أعداد المرافقين له، والمحيطين به من الحرّاس ، وهذا ما جعل وصول المواطن اليه صعباً للغاية ..

وانقطعت بذلك حلقة الوصل بين المسؤول والمواطن .. وَجَّرَ هذا الانقطاع الى بُروز هوّة تفصل بين الطرفين – للاسف الشديد –

هذا هو الغالب والاستثناء لا يُقاس عليه ..

-2-

وهناك أشخاص يمتلكون من الصبر والاصرار ما يمكنهم مما يريدون ولو بعد حين .

انهم لا ينصرفون عن مقصدهم إنْ صُرِفوا عن باب هذا المسؤول أو ذاك ، بل يظلون في حالة ترصد وترقب للوصول اليه ، حتى يظفروا بهم.

-3-

المثال التاريخي :

أقبل رجلٌ من بني أسد في ثياب رثّة ليدخل على (مالك بن طوق) فمُنع من قبل الحُجّاب ،

وشتمه العبيد ،

وضربته الشرطة ..!!

فلما كان في بعض الأيام خرج (مالك بن طوق) يُريد التنزه حول الرحبة فعارضه الأعرابي ،

فضربوه ومنعوه ،

فلم يُثْنهِ ذلك حتى أخذ بعنان فَرَسِهِ

ثم قال :

أيها الامير

اني عائذ بالله من ( أشراطك) – اي شرطتك هولاء !

فقال مالك :

دعوا الاعرابي ،

هل من حاجة ؟

قال :

نعم أصلح الله الأمير

انّ تصغي اليّ بسمعك ،

وتنظر اليّ بطرفك ،

وتقبل اليّ بوجهك

قال :

نعم

فأنشأ الأعرابي بقول :

ببابِكَ دونَ الناسِ أنزلت حاجتي

وأقبلتُ أسعى حوله وأطوفُ

ويمنعني الحجّابُ والسترُ مسبلٌ

وأنتَ بعيدٌ والشروط صفوفُ

يدورون حولي في الجلوس كأنهم

ذئابٌ جياعٌ بينَهُنَ خروفُ

فأما وقد أبصرتُ وَجْهَكَ مُقبِلاً

فَأصُرف عنه انّني لضعيفُ

ومالي من الدنيا سواكَ ولا لِمَنْ

تركتُ ورائي مَرْبعٌ وَمَصِيفُ

وقد علم الحيّان قيسٌ وخنذفٌ

ومَنْ هو فيها نازل وحليفُ

تخطيتُ أعناقَ الملوك ورحلتي

اليكَ وقد حنّتْ اليك صروفُ

فجئتُك أبغى اليُسرَ منك فَمَّرَ بي

ببابك مِنْ ضربِ العبيد صفوفُ

فلا تجعلنْ لي نحو بابك عودةً

فقلبي من ضرب الشروط مخوفُ

( الشروط : رجال الشرطة)

فاستضحك مالك حتى كاد أنْ يسقط من فرسه

ثم قال لمن حوله ..

مَنْ يُعطيه درهماً بدرهمين ، وثوباً بثوبين، فوقعت عليه الثياب والدراهم من كل جانب حتى تحير الاعرابي

ثم قال له :

هل بقيت لك حاجة يا أعرابي ؟

قال :

أمّا اليك فلا

قال :

فالى مَنْ ؟

قال :

الى الله ان يبقيك للعرب فانّها لا تزال بخير ما بقيت لها

العقد الفريد / ج4 ص 15 -16

ط / دار الكتب العلمية

لقد وصف الاعرابي نفسه حين أحاط به الحرس والشرطة ( بالخروف الذي أحاطت به الذئاب) وهو وصف لا يخلو من براعة ..!

وقد وصل في نهاية الشوط الى مبتغاه ، وحصل على ما يريد

والسؤال الآن :

هل يستطيع المواطن ان يدخل المنطقة الخضراء وهو لا يحمل (الباج) الخاص بالدخول ؟

واذا دخل فمن الذي يُتيح له فرصة اللقاء بمن يريد ؟

واذا بقي مترصداً خروج المسؤول المطلوب لقاؤه خارج المنطقة الخضراء فهل تتاح له فرصة اللقاء به ؟

من الصعب ان يتحقق له ما يريد .

ومعظم المسؤولين اليوم محرومون من الدعاء لهم ،

ومحرومون من ان يلهج الناس بالثناء عليهم والاشادة بمآثرهم

ومن هنا :

يمكننا القول بأنهم غبنوا أنفسهم ،

 وأغضبوا مواطنيهم ،

وبَدَلَ ان يُدعى لهم دُعي عليهم …

مشاركة