
قراءة سلوكية-مجتمعية
فاروق الدباغ
المرأة بين صمت البيت وصوت القانون
عندما نقرأ في تاريخ المجتمعات نكتشف أن أكثر الجرائم قسوة ليست تلك التي تقع في الشارع، بل تلك التي تُرتكب خلف أبواب البيت. فهي لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل الثقة، وتغتال المعنى الاجتماعي للأسرة.
في العراق، كما في مجتمعات أخرى، تحولت المرأة إلى «ضحية سهلة»، وغالبًا ما أُلبست جريمة قتلها ثوبًا مزيّفًا اسمه «الانتحار».
السويد… حين سقطت الأقنعة
في بداية التسعينيات، هزت المجتمع السويدي سلسلة من حالات ما سُمّي آنذاك بـ «بنات البالكونات». كانت الفتاة تُرمى من شرفة المنزل قبل يوم أو يومين من زواجها، ليُعلن أنها «انتحرت». لكن التحريات الدقيقة للشرطة والطب العدلي كشفت أن الأمر ليس انتحارًا بل جريمة أسرية بدافع الشرف.
أشهر تلك القضايا كانت جريمة مقتل الشابة فاديمة سرحوول (Fadime Şahindal) في يناير 2002، التي اغتالها والدها لأنها أحبّت رجلًا سويديًا. هذه الحادثة كانت نقطة التحول الكبرى: فالمجتمع والدولة قررا معًا أن «جرائم الشرف ليست شأنًا عائليًا بل جريمة ضد الإنسانية».
من هنا انطلقت سلسلة من التغييرات:
القانون: أُدرجت جرائم الشرف ضمن الجرائم المشددة، مع إلغاء أي تخفيف عقوبة تحت بند «الدوافع الشريفة».
المؤسسات: تأسست دور حماية للفتيات المهددات، مثل «Kvinnofridslinjen»، ووُجدت فرق شرطية متخصصة لمتابعة كل بلاغ قبل وقوع الجريمة.
المجتمع المدني: ظهرت منظمات نسوية وحقوقية تعمل كخط دفاع مبكر.
الإعلام والفن: أنتجت أفلام مثل «Yalla Yalla» و «När mörkret faller» (عندما يهجم الظلام)، التي كشفت بجرأة قصص فتيات قُتلن على يد عائلاتهن.
العراق… حين يشرعن القضاء الجريمة
في المقابل، ما زال العراق يعيش في حلقة مأساوية. فالمرأة التي تُقتل في بيتها، غالبًا ما تُسجل وفاتها «انتحارًا» أو «حادثًا عرضيًا». وحتى عندما يُكشف أنها جريمة شرف، يتدخل القانون بنصوص فضفاضة تحت مسمى «الدوافع الشريفة» لتخفيف العقوبة على القاتل.
وهكذا يتحول القضاء، الذي يفترض أن يكون الحارس الأخير للعدالة، إلى غطاء تشريعي لثقافة العنف الأسري. بدلًا من أن يُحاسَب القاتل على فعلته، يصبح في نظر المجتمع «مدافعًا عن كرامته». النتيجة: مزيد من الفتيات اللواتي يسلمن أجسادهن للموت، ومزيد من العائلات التي تجد في القضاء حماية لممارساتها العنيفة.
التحليل السلوكي: لماذا الانتحار غطاء مريح؟
للعائلة: يوفّر مخرجًا يحافظ على «سمعة» البيت، فالانتحار يُفسر كمأساة فردية، بينما القتل يعري العشيرة أمام المجتمع.
للقضاء: يسهل إغلاق الملف بلا مساءلة، فـ»الانتحار» لا يحتاج إلى جناة أو شهود.
للسياسة: يبعدها عن صدام مع القوى التقليدية والعشائرية التي ترى في جرائم الشرف «حقًا مشروعًا».
الفارق بين مجتمعين
في السويد: تحولت «الانتحارات» المزعومة إلى جرائم يُعاقب عليها القانون، وأُنشئت آليات حماية استباقية.
في العراق: تحولت الجرائم إلى «انتحارات» مغلقة، وشرّع القضاء ثقافة الإفلات من العقاب.
الخاتمة… سؤال بصوت الضحية
حين يقتل الأب ابنته ثم يُعلن أنها انتحرت، فهو لا يغتال حياة واحدة، بل يقتل مستقبل مجتمع بأكمله.
السويد سألت نفسها سؤالًا مبكرًا: كيف نوقف الجريمة قبل أن تقع؟ فغيّرت القوانين وبنت مؤسسات حماية.
أما العراق، فما زال عالقًا في سؤال أشد مرارة:
من يحاسب القضاء… إذا كان هو الفاسد؟
المصادر :
BBC. تقرير عن مقتل فاديمة سرحوول (2002): BBC News
القدس العربي . مقتل 14 ألف امرأة عراقية بدافع الشرف والعنف (2003–2015): alquds.co.uk
Basnews .العراق أخطر بلد على الصحفيين، نسبة إفلات من العقاب 98%: basnews.com
VICE بالعربية – تقرير عن «ضحايا الخميس»: VICE.



















