بيت شعر لم يقله الجواهري الكبير بل قاله عماش – شكيب كاظم

بيت شعر لم يقله الجواهري الكبير بل قاله عماش – شكيب كاظم

قرأت المقال الذي كتبه الشاعر عبد المنعم حمندي، ونشرته جريدة (الزمان) بعددها الصادر يوم الأحد الرابع عشر من شهر آب/أغسطس 2021 وعنوانه (الشاعر محرضاً وعدوانياً) جاء فيه: “بتشجيع ضمني من الأحزاب السياسية، تحول بعض الشعراء إلى أداة قمع وترهيب(..) والذي يحزنني أن أرى شعراء كبارا مروجين لقيم عدوانية(..) فينظمون قصائد لا تخلو من ترهيب وترويع تشمئز منه الأنفس التي لا تزال تحتفظ ولو بأدنى قدر من الاحترام الإنساني الذاتي، مثل قول محمد مهدي الجواهري في قصيدة نظمها في عام1964

شعب دعائمه الجماجم والدم……. تتحطم الدنيا ولا يتحطم

وهذه من المآخذ على الجواهري”.

قلت هذا البيت لا شأن للجواهري الكبير به، بل هو من أدبيات حزب البعث وقد القاه صالح مهدي عماش، وكان يومذاك وزيرا للدفاع في حفل أقيم في ساحة الكشافة بمنطقة الكرنتينة برصافة بغداد في أحد الاحتفالات سنة 1963.

ومن هذه القصيدة قول الفريق عماش

لما اعتنقنا البعث كنا نعلم……… إن المشانق للعقيدة سلم

لا بل أن ثمة رواية أخرى لهذا البيت تأتي على الوجه الآتي

بعث تشيده الجماجم والدم…. تتهدم الدنيا ولا يتهدم

ولقد سبق أن وقع في هذا الوهم الشاعر والروائي العراقي المغترب فاضل العزاوي في مقابلة أجرتها معه إحدى الصحف العراقية سنة 2014 ، وقد صححت وهمه هذا بمقال نشرته في كتابي( قد كان  ما كان. في النقاش والرأي) الذي أصدرته دار أمل الجديدة في دمشق سنة 2019 .

تحريض وكراهية

قد اتفق مع الشاعر عبد المنعم حمندي في أن الكثير من الشعراء والأدباء، قد ركبوا موجات التحريض والكراهية وتشديد النكير على الآخر حتى وإن كان خلافه معه عابراً وبسيطاً،  وكانوا  هم أول من دفع ضريبة هذا التحريض، ومن ذلك ما فاه به عبد الوهاب البياتي من جعله جماجم أعدائه منفضة لسجائره، وإني لأعجب من هذه الصورة المنفرة المقززة كيف تصدر من شاعر تفترض فيه الرقة ورهافة الحس، إنها لا تكاد تصدر عن جزار، وكان هو من دفع ضريبة دعاواه المقززة هذه، والأمر هذا يذكرني بدعوات الأديب والناقد المصري سيد قطب، سأطوي كشحا عن آرائه السياسية والحزبية،  وسأتحدث عنه بوصفه أديباً وناقدا وباحثا،  فلقد استغل علاقته ببعض ضباط يوليو/تموز 1952، فأصدر صحيفة (التحرير) صال وجال على بعض أدباء مصر وأساتذة جامعاتها، مطالبا بتطهير الجامعة منهم بحجة أنهم لبراليو التوجهات وقريبون من الغرب وأوربة ومنهم الناقد الكبير لويس عوض ورشاد رشدي وامتدت قائمته لتشمل حتى توفيق الحكيم، لكن البئر التي حفرها سيد قطب لزملائه وأخدانه، قد وقع فيها فصدر سنة 1966 حكم بإعدامه،  ولأننا في دول الراديكاليات الثوريات لا شأن لنا بمحاكم الاستئناف، ومحاكم التمييز! فلا حرية لأعداء الشعب! فلقد أعدم الرجل في شهر آب 1966، وللتاريخ أذكر أن المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم _رحمه الله _ قد أبرق للرئيس جمال عبد الناصر، طالباً منه وقف التنفيذ، وقد قرأت البرقية منشورة على الصفحة الأولى من جريدة (الجمهورية) وللتاريخ أذكر _كذلك- إن سيد قطب كما كنا نراه في الصحف، كان متماسكا رابط الجأش.

حكمة سليمان

وعود على بدء، فإني تحدثت مرة عن قصيدته (تحرك اللحد) التي يخاطب بها الجواهري السيد حكمة سليمان؛ رئيس وزراء حكومة الانقلاب العسكري، الذي قاده الفريق بكر صدقي (العسكري) رئيس أركان الجيش ضد الحكومة الدستورية؛ حكومة السيد ياسين الهاشمي، هذه القصيدة سيعيد الجواهري إلقاءها في الاحتفال الذي دعت إليه جبهة الإتحاد الوطني، بذكرى ما تعرف بالأدبيات السياسية العراقية؛ وثبة كانون في ساحة الكشافة، أواخر شهر كانون الأول 1958، وبودي أن أدون بعض أبيات هذه القصيدة المدوية.

مدوا جماجمكم جسرا إلى أمل….. تحاولون وشقوا الدرب واختصروا

والضارب الضربة لصدمتها….. لحم العلوج على الأقدام ينتثر

أقدم فأنت على الأقدام منطبع….. وأبطش فأنت على التنكيل مقتدر

فحاسب القوم عن كل الذي اجترحوا…. عما أراقوا وما اغتالوا وما احتكروا

للآن لم يلغ شبر من مزارعهم…. ولا تزحزح مما شيدوا حجر

فضيق الحبل وأشدد من خناقهم….. فربما كان في إرخائه ضرر

ففي القصيدة هذه التي حذف الجواهري فيها اسم (حكمة) أي حكمة سليمان  ووضع بدله(كريم) أي الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، في هذه القصيدة تأكيد الحبال والتضييق، والبطش،  ومصادرة المزارع والبيوت، مما دفعنا ضريبته الباهظة نحن العراقيين كلنا،  وفي المقدمة منهم هو الجواهري الكبير ذاته، فيصدر أمر توقيفه سنة 1961، ثم يطلق سراحه بكفالة مقدارها خمسون فلسا،  فكانت هذه أشد إهانة توجه للجواهري،  الذي عرف أن وراء الأكمة ما وراءها،  فغادر العراق لواذا خريف تلك السنة 1961 ، لابل أن الجواهري يعاتب نفسه انه ما كان يجب أن يخاطب الأمير عبد الإله بن علي؛ الوصي على عرش العراق الذي كان حاضراً الاحتفاء بالنطاسي البارع عميد الكلية الطبية الملكية، الدكتور هاشم الوتري(توفي 1961) انه ما كان يجب مخاطبة الأمير عبد الإله- كما ذكر ذلك الجواهري في مذكراته-

أنا حتفهم الج البيوت عليهم…..اغري الوليد  بشتمهم والحاجبا.

مشاركة