بيان المرجعية الشيعية بمعونة قانونيين طالب الملك غازي والحكومة بإصلاح أمور الناس واتاحة الفرصة لهم في إدارة البلاد

469

بيان المرجعية الشيعية بمعونة قانونيين طالب الملك غازي والحكومة بإصلاح أمور الناس واتاحة الفرصة لهم في إدارة البلاد
القوات الحكومية أحبطت ثورة الفراتيين بعد دخولها الى سوق الشيوخ في 2»6»1935 واستسلم الثوار عدا عشائر حجام بزعامة ريسان القاصد وأخوه مزهر
إبراهيم الولي
تنادى شيوخ من عشائر الديوانية وفي مقدمتهم الشيخ عبدالواحد سكر ــ شيخ آل فتله ــ في كانون الثاني» يناير 1935 وبالتشاور مع المرجعية الدينية في النجف التي كان على رأسها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، فكان أن أعدت المرجعية بمعاونة بعض القانونيين، بيانا رسميا تطلب فيه من الحكومة والملك غازي تحقيق المطالب الواردة في البيان، وهي تتركز على إصلاح لجميع مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية بما يضمن عدالة أكبر في تسيير شؤون البلاد. وقد تضمن البيان الرسمي أو العريضة أو الميثاق الدي وقع عليه في 23»3»1935 كما سماه البعض، أحد عشرة مادة خلاصتها
1 ــ إشراك المواطنين الشيعة في الحكومة وفي البرلمان وفي الخدمة المدنية بنسبة عددهم بين السكان بحيث يعامل أبناء البلاد بالتساوي كما نص القانون الأساسي على ذلك.
2 ــ المطالبة بإجراء إنتخابات جديدة للبرلمان بعيدا عن تدخل الحكومة وإعتبار كل لواء منطقة إنتخابية مستقلة.
3 ــ تدريس مادة الفقه الجعفري في كلية الحقوق وتعيين القضاة الشرعيين من مذهب الأكثرية.
4 ــ تعيين عضو شيعي في كل محكمة شرعية وفي فروع محكمة التمييز.
5 ــ إطلاق حرية الصحافة وإلغاء القيود المفروضة عليها.
6 ــ توزيع واردات الوقف الإسلامي بين جميع المؤسسات الإسلامية دون تمييز.
7 ــ الإسراع في تأسيس المصرف الزراعي مع تمليك الأراضي لأصحابها مجانا.
8 ــ إلغاء نظام إيجار الأراضي الزراعية وأسعار المياه وتغيير شامل للضرائب المفروضة على الأراضي الزراعية وعلى الماء في جنوب العراق وإستبدال نظام الرسوم على المواشي الكودة بنظام الإستهلاك.
9 ــ تغيير الموظفين المعترض عليهم بسبب عدم الكفاءة أو سوء السلوك، كذلك يجب تخفيض رواتب وتقاعد الضباط وكبار موظفي الدولة.
10 ــ تنمية حكومية أفعل في حقول الصحة والتعليم في المناطق الجنوبية والإلتفات لتعليم الأخلاق وصيانتها بمنع البغاء وبيع الخمور ولعب القمار.
11 ــ عدم التعرض لمن إشترك من أبناء الشعب، عسكريين ومدنيين، في الحركات الوطنية الجارية.
كان الهدف الأساس للثورة الإطاحة بحكومة ياسين الهاشمي القائمة، ولم يكن جميع شيوخ الفرات الأوسط راضين عما قام به الشيخ عبدالواحد سكر. فربما تنازعهم عاملان، أولهما التمسك بمراكز وإمتيازات البعض منهم كعضوية مجلس النواب. والثاني النظر بعين حاسدة لإنفراد البعض الآخر بدور يبرزهم بما يؤثر سلبا على مركزهم.
وفضلا عما تقدم، فإن بعض الساسة من السنّة أعلنوا تأييدهم للشيخ عبد الواحد في حركته ومن هؤلاء رشيد عالي الكيلاني وغيره. وربما كان هذا التداخل والتباعد قد أسهم في فشل الثورة. على أي حال فقد بدأت الثورة في مدينة الرميثة حين إقتلع الثوار هناك شريط السكة الحديد لقطار بغداد ــ البصرة يوم 6 آيار»مايو 1935 على أثر إعتقال الحكومة لبعض الثوار. فما كان من الحكومة إلا أن شنت غارة جوية على الرميثة الأمر الذي عجل في إخماد الثورة يوم 21 آيار»مايو 1935.
وما يهمني هنا موقف سوق الشيوخ من هذه الأحداث. هنا تعاطف بعض شيوخ عشائر سوق الشيوخ فذهبوا الى مدينة النجف معلنين للمرجعية إنضمامهم الى البيان السياسي المذكور آنفا وموقعين عليه. ولهذا فقد بادروا بمجرد عودتهم الى سوق الشيوخ الى تخريب شريط السكة الحديد لقطار بغداد ــ البصرة يوم 15 آيار مايو 1935. الذي لم يكن ليمر في سوق الشيوخ ذاتها ولا بالناصرية التي تربطها به وصلة بين أور والناصرية المسمى قطار المكير كناية عن مدينة أور التاريخية التي سميت بالمقير ذلك أن مادة القير كانت وما تزال تبلط طرقاتها فضلا عن إستخدامها كوسيط لاصق للآجر بدل الإسمنت الذي لم يكن معروفا وقتها. وليس هذا حسب، بل لقد بادر الثوار أو الشيوخ بتوجيه أبناء العشائر المحيطة بالمدينة الى إجتياح المدينة يوم 13»5»1935وإحتلال جميع محلاتها جمع محلة أي أحيائها، عدا محلة النجادة التي كنت وعائلتي فيها. وقد أحرق المهاجمون سوق المدينة ونهبوه. كما أغرقوا الطريق البري الذي يربط سوق الشيوخ بالناصرية وغيرها، بأن حفروا مجرى من نهر الفرات الى الطريق. وقد دام هذا الإحتلال والحصار لأربعة وثلاثين يوما… وهذا ما يهمني إلقاء الضوء عليه من داخل الحدث.
الثورة من الداخل كما عشتها
في يوم 9 مايس 1935 وكنت في الصف الأول الإبتدائي في المدرسة الأولية المطلة على نهر الفرات، في الطابق الأول من البناية التي كانت وأصبحت بعد ذلك فندقا، سمعنا فجأة صوت دوي آت من الناحية الشمالية للنهر حوالي منطقة العكيكة . وقد علمنا في ما بعد أن بني خيكان وآل شدود هاجموا وإحتلوا مركز الحكومة في ناحية العكيكة وكنا نسمع ونحن في المدرسة أصوات إطلاق الرشاشات والبنادق. وقد ساد نوع من الفوضى في المدرسة خوفا على الطلاب الصغار فكان أن هرع أهالي التلاميذ لإصطحاب أبنائهم الى البيت. وهكذا كان، فقد جاء خالي المرحوم محمد العارف وحملني على ظهره إذ كنت خفيف الوزن وهرع بي الى بيتنا الواقع في الإسماعيلية، أي في المنطقة المكشوفة خارج الديرة .
وعند وصولنا وجدنا أن بقية العائلة كانت تستعد لمغادرة البيت والإنتقال الى داخل الديرة المحمية للسكن في دار أم منعم وهي صديقة لوالدتي. وهكذا كان فقد إنتقلنا على عجل تحسبا من إمتداد الفوضى الى المنطقة وكانت العائلة تضم والدي علي ووالدتي شفيقة وأخوالي محمد وعلي العارف وأخي الصغير عبدالكريم وشقيقتيٌ نعيمة وفهيمة. ولقد مكثنا في ذلك البيت حوالي الشهر أو نيف، وهي مدة قيام الثورة وإخمادها.
لاحظت عند دخولنا البيت وجود شرطي بسلاحه يرقد على فراش في مدخل البيت وهو هارب من موقعه في منطقة الدوغة وهي منطقة يتم فيها إعداد اللبن بكسر اللام والباء وهو الطابوق الطيني المستعمل في البناء. وتقع هذه المنطقة تحت سيطرة شيخ المطيرات نجي العودة.
بدأت الأحداث تتسارع، إذ بأعداد غفيرة من أبناء العشائر المحيطة بسوق الشيوخ تزحف على المدينة في 13 آيار»مايو 1935 فنهبت وحرقت معظم السوق الرئيس للمدينة بما فيه من مخازن. وقد ظهر أن قيادة هذه الجموع المهاجمة وجدت إستضافة من بعض أهل السوق الذين تربطهم بشيوخ العشائر أو أفرادها المهاجمون وشائج قربى ووحدة معتقد،وقد شكلت هذه الإستضافة عبئأ على المضيفين، فيما عدا محلة النجادة التي عاشت في حصار حيث نكون، فقد إستعد أهل هذه المحلة للدفاع عن أنفسهم بأن سدوا مداخلها الأربعة بأكياس التراب وتقويتها بلوح معدني سميك سموها سوبيرات ، تلك المداخل تطل من الشمال على منطقة الصفاة ومن الغرب على الإسماعيلية والى الشرق على سوق المدينة التجاري والى الجنوب على محلة الحويزة . وكان أهل المحلة يتسلحون ببنادق قديمة أم عبيٌه و باش طيار أما المسدسات فكانت من طراز بريبللم Parabellum و موناهير وكان خالي علي يحمل مسدسا صدءا لم يستخدم لزمن طويل، وقد لاحظت أحد الرجال وهو المرحوم محمد العرب، وكان قصير القامة، يحمل بندقية ويتمنطق بسيف طويل كمظهر من مظاهر الفروسية وهو يتجول في شوارع المحلة في دورة حراسة فيما يبدويشترك فيها الرجال القادرون بالتناوب، في خلال هذا الشهر كانت عائلتي تحتل غرفة واحدة كبيرة، نطبخ و نأكل ما تيسر من طعام وننام في نفس المكان، إذ كان الجو ما يزال معتدلا وقتئذ وكان موسم الفيضان في الفرات. ولم يكن بوسعنا النوم على أسطح المنازل، إذ كانت تلك هي العادة في فصل الصيف، ذلك أن بعض الرصاصات الطائشة كانت تتساقط على السطح. إذن فقد كان المهاجمون، ومعذرة إذ كنا نسميهم المعدان تمييزا لهم عن أبناء المدينة، كان هؤلاء يحتلون الشوارع المحيطة بالمحلة خصوصاً شارع الإسماعيلية الرئيس المحادد للجامع غرباً، وكنا نسمع بوضوح ما ينشدون من هوسات هتافات حماسية تتخللها، للأسف الشديد، شتائم وألفاظ مقذعة عن بعض رجالات الإسلام الأوائل من صحابة الرسول صلٌى ألله عليه وسلٌم، فكان ذلك يشكل إستفزازا لأهل المحلة وخاصة حين كان والدي يؤذن للصلاة من المنارة، فيسمع المصلون، بل الجميع، تلك الإستفزازات المقصودة و غير المسؤولة والتي مثلت في نظري نهجاً من سياسة صناعة الكراهية بين فئات مسلمة بكل الأسف، حتى أنهم نصحوه بأداء الآذان من داخل حرم الجامع حفظا على حياته وهكذا كان الأمر بعد ذلك.شجعني صديقي المرحوم سلمان عبدالرحمن على الخروج لنستكشف بفضول الأطفال ما يجري خارج المحلة، فكان أن أزٌت بين أرجلنا رصاصة موجهة نحونا جعلتنا نعود بسرعة البرق الى الداخل. وبعد بضعة أيام قررنا تكرار المجازفة فذهبنا هذه المرة بإتجاه سراي الحكومة ومستوصف المدينة والمدرسة الإبتدائية وهي غير مدرستنا فرأينا شرطيا مقتولا وقد إنتزعت أسنانه الذهبية.. ووجدنا مستوصف المدينة وقد نهبت محتوياته من أجهزة وأدوية. وقد علمنا فيما بعد أن بعض المهاجمين قد تسمم حين إلتهم بعض المراهم الطبية ظنا منهم أن المادة هي القيمر . وهكذا سارت هذه الأيام رتيبة مملة وخطرة فلا أحد يدري ماذا سيجري لنا، كنا نسمع أن بعض إتصالات كانت تجرى بواسطة رجال من أهل سوق الشيوخ من المحلات الأخرى، لكن ذلك لم يكن ليجدي نفعاً، فالحشود حولنا تتعاظم والإستفزازات تستشري وقد دام هذا الحصار لأربعة وثلاثين يوما، وفي الأيام الأخيرة حين بلغ اليأس بأهلنا مبلغه..إجتمع الرجال في بيت الحميدي لتدبر الأمر فكان القرار هو التخلص من الإناث في حالة إجتياح المعدان داخل المحلة خشية أسرهن اوالإعتداء عليهن، فذلك في نظر المجتمعين أحفظ للشرف والكرامة وقد لاحظت والدي يهمس عند عودته من الإجتماع قائلآ لوالدتي شيئا ما فما كان من والدتي إلا أن تجيب نحن عبدات عيونك في الحقيقة أني سمعت طرفاً من الحديث ولم أستوعبه بل لم أرد أن أصدٌقه، ذلك أن أمرًا جللا كهذا من شأنه أن يرعب صبيا في مثل سنٌي. إلا أن والدتي أكدته لي في ما بعد. الحمدلله أن أمرًا من هذا لم يقع، فقد رأينا في الصباح الباكر ضابطا عراقيا برتبة رئيس أو نقيب أي يحمل ثلاث نجوم على كتفيه يدخل المدينة من الجهة الغربية وهو حافي القدمين إذ خاض بالمياه في طريقه، وقد عرفنا فيما بعد أن إسمه حسين فوزي، ويدخل أول بيت ويصعد الى السطح ليطلق إشارة للقوات القادمة لإنقاذ المدينة وكانت آتية من طريق البركة وهي مستنقع يسكن حوله أصحاب الجواميس. وما أن دخل الجيش المدينة حتى إختفى المهاجمون لائذين بالفرار، وهكذا إنتهت هذه الفترة العصيبة، شكرنا السيدة أم منعم على الإستضافة وعدنا الى بيتنا في الإسماعيلية لنجد جثة شرطي آخر في مدخل البيت. أود أن أورد هنا بأن اللغط كان يدور همسآ بين الكبار في المحلة حول إحتمال الإستعانة بعشائر المنتفج أو بحركة ألأخوان في المملكة العربية السعودية، وليس بحكومة المملكة، لنجدة و فك الحصار عن محلتنا النجادة إن اقتضى الحال…الحمد لله ان الحال لم يقتضي شيئآ من ذلك. كانت حركة الإخوان قد تأسست في السعودية مند أكثر من قرنين و هي تضم مسلمين وهابيين متشددين في تطبيق الشريعة ألإسلامية لدرجة انشقاقهم حتى عن الوهابين فيما بعد، وقد عرف عن الحركة مهاجمة مدن عراقية في م الى أن استطاع الملك عبد العزيز آلسعود من السيطرة عليهم عام م، و ربما كان اللغط المشار إليه مجرد تمني للخلاص من المأزق الذي كنا فيه.
على أن حياة المدينة البسيطة عادت الى سابق عهدها وهي تلملم بعضها البعض وتصلح من شأنها. هكذا رأيت وعشت مفردات هذا الحدث الجلل وأنا صبي أدرك وأعي ما يجري حولي وأتساءل ببراءة لم كل هذا لماذا نحاصر ونضطهد لسبب أو آخر، ولماذا يهدم الإنسان بلا هدف مبرر ما تعب آخرون في بناءه بصبر وأناة. تلك تساؤلات كانت تلح علي وقتئذ دون أن أجد لها الجواب المقنع.
/6/2012 Issue 4227 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4227 التاريخ 16»6»2012
AZP07