قصة قصيرة
بومة في غرفتي
مختار الربيعي
البومة في غرفة بعيدة كل الصور في المجلة الأجنبية ” أ ” كانت رائعة ، ولكن أروعها بلا شك صورة ملونة لبومة مبتلة بماء المطر .. وتكمن كل روعها في الحظة واللقطة الموفقة ، وفي براعة الزاوية .. والأهم من هذا كل هذا:في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة المختبئة في ظل ليل بلا قمر . كانت في غرفتي :غرفة عازب بجدران عارية تشابه احساسه بالوحدة والعزلة .. أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من اين جاءت والكتب تتكدس فوق الطاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة أما القائمة الرابعة فلقد استعملت يدأ لمكنسة مالبثت أن ضاعت ..والملابس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ثقوب بظهر الباب قبل أن يرتكز نهائيا في ثقبه الحالي .
قلت لنفسي وأنا أشد بصري الى صورة البومة الرائعة.
– يجب ان تعلق هذه الصورة على حائط ما .. فهي تكسب الغرفة بلا شك شيئأ من الحياة والمشاركة
– ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير وأطرتها بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الاشكال كان العمل الفني اذن قد أخذ سبيله الى الغرفة وكان لابد أن أغبط نفسي على التقاط هذه الصورة .
عندما أويت لفراشي في المنتصف الليل فاجأتني الصورة كان ضوء الغرفة خفيف بعض الشيء وقد يكون هذا هوه السبب الذي من اجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة كان رأس البومة اكبر من المعتاد وكان يشبه شكلا رمزيا لقلب المشؤوم بعض الشيء أما المنقار الأسود فلقد كان معقوفا بصورة حادة حتى ليشبه من منجلا عريض النصل والعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي أعلاهما تحت أنحناءة الحاجبتين الغاضبين كان في العين غضب وحشي وكانت النظرة – رغم ذلك – تحوي خوفا يائسا مشوبا بتحفيز بطولي وتشبه الى حد بعيد نظرة انسان خضع فجأة للحظة ما عليه أن يختار فيها بين أن يموت أو أن يهرب كان الوجه مخيفا وبدا ان العيون المستديرة اللماعة باماضة حية كانت تحدق عبر صمت الغرفة وتخترق برعشتها الحية جمجمتي وتقول بصرير حار .
– أتذكر ؟ .. لقد التقينا مرة قبل الأن
أطفأت الضوء ودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق الصيف اللزج ورغم ذلك فلقد كنت أرى العينين الغاضبتيت والخائفتين تخترقان الظلمة وتحدقان في . كان وجه البومة المتحدي لضغط لحظة ليس فيها سوى الاختيار بين الموت والفرار مائلا في رأسي كأنني لم احول نظري عنه بعيدا ، ملحا، غاضبا يتمسح باشمئزاز ساخر وعبثا ذهبت كل المحاولات التي بذلتها لأسلخ الصورة عن رأسي ، كأن شيئا قد دخل الى الغرفة العارية وعلق أحساسي ، وتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذي كان ما يزال ينحدر من المنقار الأسود المعقوف .
– لقد تقابلنا مره قبل … اتذكر ؟ إ
شعرت فجأة بأنني أعرف هذا الوجه تماما ، وأني أرتبط معه بذكرى يجب أن تمحى . نعم – أنا أعرف تلك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة أختيار مخية .. لكن أين تقابلنا ؟ متى و كيف ؟
لقد بدأ كل شيء مغلفا بضباب كثيف ورغم ذلك كانت ثمة ذكرى تلتمع من بعيد الأ أنها كانت غامضة مغرقة في البعد ، هناك سد كثيف يحول دون رأسي وتلك الذكرى ، وكان لابد من التذكر . فعينا البومة الغاضبتين تبعثان دفقة احساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الأن .. ولكن متى ؟ وكيف ؟ وأين؟.
نهضت من فراشي ، أذ تيقنت أستحالة النوم تحت تلك الوطأة وأضأت المصباح ثم وقفت أمام الصورة الملونة . العيون لم تزل ، تطل غاضبة واسعة مغروسة في الوجه المقزز العجيب والمنقار المعقوف كنصل عريض لمنجل أسود لم يزل يطبق بعنف على ضرب من الاشمئزاز الساخر والريش الرمادي الملون بحمرة وقحة يتجمع خصلا كصوف قذر بعد أن أبتل بماء المطر .
سقطت الذكرى ، بعد فترة فاصلة مدوية صاخبة أنتابني دوار مفاجئ في رأسي ، والتمعت خلال الضباب المتكاثف كل الأشياء التي ذكرتني بها البومة المخيفة وبدا لي أننا نعرف بعضنا جيدا . كان ذلك قبل عشر سنوات على وجه التقريب، كنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دورها كتفا الى كتف فوق حاراتها الموحلة أذكرها الان أشباحا تتلامع منذ زمن بعيد ، كنت طفلا انذاك وكنا نشهد دون أن نقدر على الأختيار كيف كانت تتساقط فلسطين شبرا شبرا وكيف كنا نتراجع شبرا شبرا . كانت البنادق العتيقة في أيدي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية وأصوات القذائف البعيدة تدلنا ان معركة تقع الان وأن – ثمة أمهات يفقدن أزواجهن وأطفال يفقدون اباءهم وهم ينظرون عبر النوافذ ، صامتين الى ساحة الموت لا أعرف في أي يوم وقع الحدث حتى ابي أيضا نسى ذلك كان اليوم المشؤوم كان أكبر من أن يتسعه اسم أو رقم لقد كان في حد ذاته علامة من علائم الزمن الكبيرة من تلك التي توضع في مجرى التاريخ كي يقول الناس حدث ذلك بعد شهر من يوم المذبحة ..مثلا ..كان يوما من تلك الأيام لا شك وأن حشرناه تحت رقم او تحت أسم أو تحت عنوان . لقد بدا الهجوم قبيل منتصف الليل وقال أبي الشيخ لأمي فيما هو يتنكب بندقيته الثقيلة
– انه هجوم كبير هذه المرة ..
لقد عرفنا نحن الصغار من اصوات الطلقات أنه هناك أسلحة جديدة وأن هناك هجوما من ناحية أخرى لم تطرق قبل الان .. وأن قنابل حارقة قد سقطت في وسط القرية فأحرقت بيتا وأطفالا وحينما نظرنا من خصاص النافذة الواطئه شاهدنا كمن يحلم – أشباح نسوة منحنيات يسحبن جثثا الى داخل القرية وكان يستطيع المستمتع بإمعان أن يلتقط صوت نشيج مخنوق إحداهن – هكذا كانت تشير امي – فقدت زوجها وصمودها في ان معا .
بعد ساعة من الهجوم المباغت ، تراجع رجالنا كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا وبدا لنا ان النجوم أخذت تتساقط على بيوتنا وقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة وتلهث.
– انهم يقاتلون بالفؤس ..
لم يكن غريبا على رجال قريتنا فلقد كان الفأس هو سلاح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها ، فكان يحملها على كتفه زاحفا فوق الاشواك الجافة ثم يشاهد المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح أنسان راكع يرفع كلتا يديه فوق رأسه ما وسعه ذلك وبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل ثم يهوى الفأس ويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق ويبتلع الظلام انة ممدودة يعقبها شخير عنيف ثم يصمت كل شيء. لقد بدأ قتال الفؤوس إذن ، هذا يعني أن الرجال قد تلاحموا وأن جثثنا كثيرة قد ضاعت في خطوط الأعداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس واضعة أنوفها براحة مطلقة على التراب الطيب ومستلقية بهدوء .بدات قريتنا تنكمش ولم يعد هناك اي عمل للشيوخ غير ان يعودوا إلى بيوتهم ولقد شاهدنا أبي يعود منهكا ولكنه لم يضع أية لحظة بل توجه لتوه على درج عتيق كان محظورا علينا الأقتراب منه ونتاول مسدسا صغيرا دفعه لامي بعد ان تأكد من حشوه وأشار لها بعينه تجاهنا ، أنا وأخوتي وقفل عائدا إلى الشارع .
كانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ، فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها ، بينما ارتعشت أمي وهي تحمل المسدس على راحتها وتتوجه إلى النافذة ، في تلك اللحظة قرع باب عنيف كان يفصل بيننا وبين جيراننا – ولم نكن نستعمل ذلك الباب على الاطلاق – وصاح صوت العجوز ، جارنا ، راجفا – افتحوا .. أفتحوا ..
أز الباب أزيزا رفيعا إذ سحبته امي فأندفع العجوز إلى الغرفة خائفا وأجال بصره فينا ثم توجه لأمي وهمس في أذنها كلاما أبدت استنكارها له ثم عاد فهمس بحماس اكثر . فترددت أمي ثم هزت رأسها موافقة وأشارت إلى أن أتبع العجوز إلى بيته ..
دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفروشة ببسط ملونة . وأخذت اراقبه فيما هو يحرك ستارة ويناول من ورائها صندوقا صغيرا يضعه برفق بين ذراعي ، شعرت ان الصندوق أثقل مما يبدو فتساءلت برأسي وأتاني الجواب من فمه الأدرد.
– هذه قنابل كان المرحوم أبني خبأها هنا .
وهز رأسه بأسى وانتبهت لكلمة (المرحوم ) التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة ، ولا في بقية الغرف ، فراودني شعور بالخوف بينما استمر الشيخ .
– يوشك اليهود أن يدخلوا القرية .. وأذا وجدوا هذه عندي قامت قيامتهم .
وتباطأت كلماته وبدأ يحرك إصبعه في وجهي حركة تحذير !
– أنت صغير وتستطيع أن تخترق الحديقة .. أريدك ان تدفن هذا الصندوق في أخرها ..تحت شجرة التين الكبيرة .. ربما احتجنا له فيما بعد ..
– سرني ان أشارك بعمل بطولي فندفعت إلى خارج الباب وعندما وجدت نفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خوف رهيب وحدثتني نفسي وهي ترتجف أن ألقي حملي الثقيل وأقفل عائدا أدراجي ، لكني تنهبت إلى أن أمي تطل من نافذتها وتشاهدني كانت السماء شبه مضاء بقنابل اللهب وكانت الشرارات تلتمع في الأفق راسمة خطوطا مقطعة منتهية بضوء ساطع وفي لحظات الصمت المخيف التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع اصوات ما تبقى من رجالنا تغني على طريقتها في المعارك غناء يبدو كأنه يتصاعد من عالم أخر ، عالم يموت فيه الأنسان وهو يعض على بقية الأغنية الحلوة ثم يتمها هناك في السماء .
أخترقت الحديقة منحنيا وكانت العيارات تمس أعلى الشجر بصفير خافت وكانت الشجرة التينة العجوز تنتصب في اخر الحديقة عندما وصلتها شعرت بحماسة غامضة وأنشأت أحفر في الارض مستعينا بعصى صلبة وفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوق بالحفرة سمعت صرخة حادة في أعلى الشجرة .. وتملكني خوف أسقط ركبتي إلى الأرض فأخذت أحدق مرتجفا عبر الأغصان .. ثم شاهدتها ، على ضوء اللهب المتصاعد في سما قريتنا ، تقف هناك وتحدق إلي بعينين واسعتين غاضبتين أخفى أعلاهما انحدار الحاجب عليهما .. كان ريشها مبتلا بماء المطر الذي انهمر في أول الليل يومض في عينها ذلك الغضب المشؤوم بخوف غريب وتحدق إلى الظلمة تحديقا متواصلا. وشاهدت في عينيها ذلك التحدي .. أوشك الفجر أن يضيء .. وأنا أقف أمام الصورة الملونة المعلقة على جدران الحائط العاري .. أن التقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويله عبر زمن المتباعد وأين في غرفتي .. منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيدا عن قريتي التي كانت تعيق برائحة البطولات والموت.. وكانت البومة لا تزال معلقة على الحائط وينحدر منقارها المعقوف صـرير حاد.
– أيها المسكين … هل تذكرتني الان؟ ؟ !


















