
بوق نديم – محمد علي شاحوذ
حينما كنا صغارا،لم نكن نعرف غير بوق واحد اسمه بوق نديم،قال لنا المُعّلِم أن البوق آلة نفخ موسيقية مجوّفة يُنْفَخُ فها ويُزمَر،صوتها حادّ،كان الفرسان يستخدمونه لإعلان حالة الحرب أو الانتصار،ولم يدر في خلدنا أن للكلمة معانٍ أخرى،فهي تأتي بمعنى الباطل والزَّور،وقد تعني من لا يكتم السر،وحينما نقول هو بوق لفلان أي إمّعة له،والبائِقَةُ : البَلِيَّةُ تَنزِلُ بالقَوم،ومنه في الحَدِيثُ النبوي: “لا يَدْخُلُ الجنةَ مَنْ لا يأمَنُ جارُه بَوائِقَهُ”،أي لا يأمن شره،ولم نكن نعلم أن هناك من البشر من صار بوقا رخيصا ذليلا!!،ومع كل هذه الصفات السيئة لهذه الكلمة فإن هناك من يصر على لعب دور البوق والمبوق بكل وقاحة وبلا حياء. ومن سوء حظي أن أتواجد في مكان عمل مع أحد أشهر وأقبح المبوقين في تأريخ العراق والعالم،وهو رجل بدين أصلع،ذوو بشرة بيضاء،في العقد الرابع من العمر،داخل (كرشه الكبير) يوجد معمل لصناعة وتكرير وإطلاق مختلف أفكار النفاق،وشعارات التزلف التي أدمن على تقديمها لكل من يستلم عصا القيادة تطبيقا لمقولة (من يأخذ أمي يصير عمي )،وهو بالرغم من بدانته ومؤخرته العريضة،ألا أنه سريع كالغزالة ومتلون كالحرباء وتغريده كبلبل فتان،وهو لا يستحِ من ذلك،فهو ما أن يظهر المسؤول حتى يبدأ بالتهليل والتكبير وتوزيع الحلوى،ويروح يسهب بنشر فضائله،غير أنّ أغرب ما يقوم به هو الركض أمام سيده وحوله،ليحيطه من كل جانب،فيروح يشِمُ المكان وكل من يتصادف وجوده في الطريق،حتى تظن أنه كلب محترف تم تدريبه في ألمانيا للكشف عن كل شخص لا يتفاعل ايجابيا مع مسؤول العمل حتى ولو في سره !!، وهو فعلا يتمتع بالفطرة بحس قوي مجَرب للكشف عن كل ما يدور في مخك من دون أن تتكلم!!،ولكي يحصل على رضا أكبر من سيده،فإنه لا يكتفي بشم رائحتك وتحليل أفكارك،بل يروح بعدها يكتب تقريرا مفصلا عن ماضيك،وعن اصدقائك،وحتى عن جدتك. ولما كنت كما الباقين،أتجنب المرور بقربه،وأتقصد أن أسلك طريقا لا يمر به،فأتهرب منه مضطرا للمشي في طريق جانبي،ألا أنني تفاجأت يوما به أمامي،وفي الحال راح كعادته يستطلع المكان تحضيرا لمرور سيده،ولما اقترب مني،تعلقت عيناه بوجهي وراح أنفه الضخم يتحرك يمنة ويسرة كأنه رادار يرصد الاهداف!!،وهنا جاء ببالي فورا قول ابن الرومي يصف صاحب أنف كبير: (لك انف يا ابن حرب *** انفت منه الأنوف….أنت في القدس تصلي *** وهو في البيت يطوف!!!)،عندها دنا مني أكثر واستطال أنفه حتى أخترق تلافيف دماغي،وفجأة لمعت عيناه،وخرج دخان من أٌذنيه،ووقفت شعرات رأسه،وهنا أيقنت أنه قرأ كل كلمة وردت في مخي،وقلت مع نفسي : ليس هذ وقتك يا ابن الرومي!!،تسمرت في مكاني وارتبكت،ولم أعرف ماذا افعل،عندها حضر ربُ العمل الذي يضع نظارات سود على عينيه،وهو الاخر يتمتع بأنف جبار حجزعني أشعة الشمس،فهو يحتل معظم مساحة وجهه،كأنه سرير نوم بطابقين،وهنا تذكرت قول أحدهم: (لك وجه وفيه قطعة أنف … كجدار قد دعموه ببغله….وهو كالقبر في المثال ولكن …. جعلوا نصفه على غير قِبله !!)،وهنا راح الاثنان يقرآن ما جاء في سري كأنه مكتوب بخط الثلث على لوحة امامهما فأحتقن وجهيهما وتدليا لسانيهما خارجا كأنهما ثعبانين يريدان الانقضاض على أرنب صغير!!،فما كان مني إلا الهرب والتخفي خوفا من أن يطّلِعوا مجددا على ما حظرني من بيت الشعر : لا تخدعنَّكَ اللحى ولا الصور …. تسعة أعشار مَن ترى بَقَرُ!!!.عندها احسست بالحنين الى بوق نديم الصغير،وتمنيت لو أننا لم نعرف كل تلك الأبواق،والبوقات،والبيقان التي صار عددها أكثر من عدد أفرد الشعب العراقي!!!.















