بوشعيب الساوري وتجسيد جحيم العالم

353

بوشعيب الساوري وتجسيد جحيم العالم
عوالم موجعة من مقبرة الأحلام
إبراهيم الحجري
1 ــ أعتاب مغلقة
أول ما يصادف القارئ، وهو يتأمل حواشي هذه الرواية وعتباتها، ذاك العنوان المفرد الذي اختار لون الدم كي يتميز وسط السواد الذي اتخذه الغلاف، وكأنه، بمعنى ما، يسعى إلى بث روح التحدي في ذاك الشبح الأنثوي الموثق إلى كرسي كي يشق العتمة المضروبة حوله، هاربا من صدأ ذلك الكرسي، وكي يكسر الأبواب الموصدة أمامه التي تحجب عنه نور الحياة. وهكذا يتحد معنى التحدي الموحى به من خلال مفردة العنوان؛ والعتمة التي يقررها لون الغلاف، واليأس المحال عليه من لدن الجلسة المستسلمة للكائن الأنثوي الهزيل على كرسي، وإعطائه بظهره للعالم وكأنه يخبئ بشاعة ما أو يستتر بجنايته خجلا من العالم، وانسداد الأفق الماثل على الباب المقفل…
تتحد هذه المشيرات كلها كي تمنح انطباعا أوليا يفترض وجود عوالم جحيمية في هذا النص الروائي، يقول الراوي أنّا حللنا نجد الظلام. الظلام يسبق وجودنا ويلحقه. الظلام وراءنا والظلام أمامنا. لا مفر ظلام تحيكه أسئلة حارقة ومحيرة حول ما يجري فينا وحولنا. أسئلة تكبر معنا وتزداد التباسا وغموضا 1.
2 ــ نفحات بدوية
تدور أحداث النص الروائي في قرية تدعى كنيخ المنتمية إلى سهل دكالة المغربي، وبالضبط على الحدود الجنوبية الشرقية لدكالة، وقد اختفى هذا الاسم بالتدريج ليأخذ المكان اسم حارسه سيدي بنور الصوفي الشهير الذي تخرج من مدرسة مشتراية العريقة، ويتسم هذا الفضاء، من خلال النص، بشعبيته وبساطة أناسه، وانفتاحه على الثقافة البدوية التي تحتفظ بطقوسها وأعرافها ومنظومتها القيمية، حيث تنتشر الأسواق الأسبوعية، وتهيمن اللغة العامية، والأجواء الفلاحية على الأمكنة والوجوه. وحتى بعد انتقال أسرة الشخصية ــ الراوي إلى المركز القروي، فإن الأجواء لم تتبدل، بل ظلت تماما ــ على حالها كما لو كانت ما تزال في دوار الكوارط الغريب الأطوار.
لقد باتت الطقوس البدوية، تحضر بقوة من خلال ذاكرة الشخوص ومحكيات الراوي الاستعادية التي تفصل في طريقة تحاور البدو مع بعضهم، وأساليب تواصلهم، وطقوس أعراسهم وأفراحهم ومآتمهم وشعائرهم الدينية والأسطورية وسذاجة نظرتهم إلى العالم وصورتهم حول المرأة والجنس والأبناء والإرث والموت؛ وعاداتهم في الطعام واللباس والنوم… وما إلى ذلك؛ مما يجعل المتلقي يجد نفسه منحسرا في أجواء بدوية عتيقة بما تحتويه من لذاذة ومآس، خاصة في زمن بدأت المدينة بأساليبها المعاصرة تجهز على الكثير من الطقوس البدوية.
اشتغلت الرواية على فضاء البادية مستندا إلى رؤية نوستالجية يعتريها الكثير من السؤال النقدي الذي يعري بشاعة الإهمال التي تتعرض له القرية؛ مما ينعكس سلبيا على الإنسان الحال فيها؛ الذي يحوله ظلمها وهشاشتها إلى مجرد كائن كسير تنحسر رؤاه عند حدود الخبز والغريزة مثل أي حيوان ضال.
3 ــ شخوص مهزوزة
يغلب على شخصيات الرواية طابع الشقاء، حيث بدت، طيلة أطوار المحكي، تناور من أجل مقاومة موت يتربص بها من كل المناحي؛ في فضاء قاس يجعل منها مجرد أرقام بئيسة في معادلة الجحيم؛ تتبدل الأرقام، تكبر أو تصغر، تؤنث أو تذكر، لكن المغزى يظل واحدا هو النبذ والعراء والتشظي والموت البطيء الذي يستغل إنسانيتها، ويرمي بها خارج أنفاق التاريخ فالشخصية الراوي التي تدون اعترافاتها وتاريخ أسرتها وسيرة صراعها مع جيوب الشر في كل الجبهات المفتوحة الأسرة اللامبالية؛ الصراع الآبد بين الوالدين؛ تدني القيم المجتمعية؛ الفقر؛ الدراسة؛ المشردين؛ المنحرفين الباحثين الملذات؛ الخوف الدائم من الاغتصاب… لتسقط مهزومة أمام هذا الواقع بعد أن تعرضت للاغتصاب النفسي والجسدي، وانتزعت منها كرامتها وشرفها اللذان يجعلان منها إنسانة ومواطنة في غياب أية حماية مجتمعية. الشيء الذي الدنيا تسود في عينيها، فقررت أن تفتح تحقيقا وتكتب حكايتها المأساوية قبل أن تغادر الأسرة والقرية معا إلى الأبد. وتجسد هذه الحكاية» الصرخة معاناة جيل النساء بأكمله، بل أجيال من النساء لا يدفئها سوى تاريخ نسيانها وسط غابة من اليأس والمعاناة، ولا يؤنسها إلا تاريخ من الإحباطات والخسارات والهزائم التي لاحقتها طيلة حياتها، فما عانته الشخصية الرئيسة ليس إلا صورة مصغرة لجحيم عاشته أجيال متلاحقة، وعاشته من خلالها خديجة ويزانة والداخلة ومن يجايلهن في عالم القرية الذكوري الظالم الذي يسود فيه منطق الأسرة البرطريقية والعشائرية الضيقة والنظرة الدونية للمرأة التي تختزلها في تلبية رغبات الرجل وإنتاج الأولاد الذكور والعمل الشاق في الحقول والبيوت… أما الشخصيات الأخرى التي تؤثث الفضاء الروائي فهي كائنات بئيسة تمتهن الجسد وتتمرد على القيم، وأغلبها سيق إلى التشرد والحمق والجنون والانحراف، بفعل واقع مر يقزم الإنسان.
4 ــ مرجعية فلسفية
تهتبل الرواية هنا، المنظور الفلسفي، خاصة على المستويين السوسيولوجي والسيكولوجي؛ فغالبا ما تتأطر الأحداث والاعترافات بنظرات الكاتب إلى الوجود والحياة والواقع المجتمعي ودواخل الشخصيات المسهمة في بناء العوالم الروائية. حيث كان السرد يتوقفُ، عند كل تحول كارثي في مسار بناء الحدث والشخصية؛ ليفسح المجال أمام تدفق التحليلات الفلسفية لهذه التحولات؛ والتي تصدر عن الراوي الرئيس الذي يتخفى ويظهر بشكل تعاقبي ليؤدي هذه الوظيفة؛ وهذا ليس غريبا إذا ما علمنا أن التكوين الأساس للكاتب الذي تلقاه عبر مساره الأكاديمي قد أثر بشكل مباشر في تجسيد هذه الرؤية إلى العالم، حيث الوعي بممكنات البحث التاريخي في جسد المهمش والمنسي، وذلك، عبر إجراء حفريات في الذاكرة الجريحة، وتشريح الأسس والمنطلقات التي تتأسس عليها العلاقات بين البدو؛ ومنطق صراعهم مع الطبيعة والعالم من حولهم.
إن السرد المتخلل بالتأمل الفلسفي ينمُّ عن الرؤية النقدية للقيم المتوارثة، والتهميش الذي يطول القرى والمدن الصغيرة، مما يجعل الإنسان في هذه الفضاءات عرضة للضياع والتيه، وهو، في نفس الآن، تصور يدعو إلى إعادة النظر في الهوية الفردية لذات المثقف المنبثق عن فضاء الهامش هامش القرية الظالمة مثل قرية كنيخ الغاصّة بوحل المشاكل التي تطوق عنق الإنسان وتجعله بعيدا عن الحضارة، وعن القيم الإنسانية الرفيعة. حيث لا يتّسع المجال إلا للقمامات وجحافل الذباب والناموس والبعوض والكلاب الضّالة والمشرّدين والقمّارين والحشّاشين والحمقى والمسحوقين.
5 ــ حيل السّرد
يتكئ السّرد في تبرمه من عقد السير ــ ذاتي على مجموعة من الحيل السردية ليوهم المتلقي بكون المحكي محكيا برانيا عن الذات، من صنع الخيال الشخصي للرواة، ومن هذه الحيل
ــ اختلاق شخصية مؤنثة تحتل موقع الراوي وموقع الشخصية الرئيسة. فبما أن الكاتب مرجعيا ينحدر من المنطقة التي اتخذها العالم الروائي فضاء له، وهي المنطقة الجنوبية الشرقية لسهل دكالة المحددة عبر عدة مؤشرات منها امطل، سوق الجمعة، سيدي بنور، الفيلاج، حي بام، إع. فاطمة الزهراء، حمام الوردة، القائد، الكوارط… وقد هجرها من زمان تحت ضغط ظروف الدراسة، فقد وضع خبرته الطفولية بأسرار المكان، وذاكرته المرجعية بالطقوس والأسامي، ومعرفته بعالم البادية وعلاقاته المتشابكة وطبيعة العيش القاسية في القرية، بين أيدي فتاة الراوي ــ الشخصية ؛ وعدَّل مسارها السّردي؛ بحيث تنسجم مع رؤاه كفيلسوف ومحلل سوسيولوجي وسيكولوجي، وتوافق الرسالة المبتغاة من وراء هذا المحكي الروائي.
ــ تنويع الضمائر، والتنقل بين المحكي الذاتي ضمير المتكلم ومحكي الغير ضمير الغائب ، والمحكي التوجيهي ضمير الخطاب ، وهي مجرد تنويعات على محور الذات؛ مغزاها أن الشخوص، على اختلاف مستوياتها، تعاني في الهامش المهجور وتراوغ وعثائها كي تساير مأساتها في جحيم دنيوي مرعب اسمه البادية هي حكايتي، هي حكاية رجل وامرأة شاء القدر، وشاءت تقاليد الحكاية أن يكونا أبي وأمي المتطرفين في إهمالي. هي حكاية مدينتي كنيخ 2.
وقد نجح الساوري في خلق نصية منسجمة، تؤدي كل عناصر الخطاب فيها دورها؛ بحيث يبدو أن لا فرق بين العتبة والقفل والمتن والشكل والقناة.
1 ــ بوشعيب الساوري، إصرار، رواية، دار الألمعية للنشر والتوزيع؛ قسنطينة، الجزائر، ط. 1، 2011م، ص. 12.
2 ــ الساوري بوشعيب، المصدر نفسه، ص. 13.

/6/2012 Issue 4229 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4229 التاريخ 19»6»2012
AZP09

مشاركة