بودكاست‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭..‬ثورة‭ ‬في‭ ‬انتاج‭ ‬الحوارات

المايكروفون‭ ‬يتكلم‭ ‬آلياً‭.. ‬وقصص‭ ‬تُروى‭ ‬بلا‭ ‬بشر

نيويورك‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أصبح‭ ‬إنتاج‭ ‬برامج‭ ‬البودكاست‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ممكنا‭ ‬مع‭ ‬مقدّمين‭ ‬افتراضيين،‭ ‬وهو‭ ‬عرض‭ ‬جديد‭ ‬يحدث‭ ‬تغييرا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتطوّر‭ ‬ويعاني‭ ‬ضعفا‭ ‬في‭ ‬نموذجه‭ ‬الاقتصادي‭. ‬منذ‭ ‬إطلاق‭ “‬غوغل‭ ‬أوديو‭ ‬أوفرفيو‭”‬،‭ ‬أول‭ ‬مُولّد‭ ‬بودكاست‭ ‬موجه‭ ‬إلى‭ ‬العامّة‭ ‬ويعتمد‭ ‬على‭ ‬الوثائق،‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬ونيف،‭ ‬انضمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الموجة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ “‬إليفنلابس‭” ‬و‭”‬ووندركرافت‭”. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬استوديوهات،‭ ‬أو‭ ‬متحدثين‭ ‬بشريين،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لعملية‭ ‬تسجيل‭ ‬تقليدية،‭ ‬فأصبح‭ ‬ممكنا‭ ‬إنتاج‭ ‬بودكاست‭ ‬كامل‭ ‬بالاعتماد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬تتصدّر‭ ‬شركة‭ “‬إنسيبشن‭ ‬بوينت‭ ‬ايه‭ ‬آي‭” ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬الجديد،‭ ‬إذ‭ ‬تنشر‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬نحو‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬بودكاست‭ ‬أسبوعيا،‭ ‬مع‭ ‬أنّ‭ ‬فريق‭ ‬عملها‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬ثمانية‭ ‬أشخاص‭.‬

تقول‭ ‬جانين‭ ‬رايت،‭ ‬مؤسسة‭ ‬شركة‭ “‬إنسيبشن‭” ‬والمديرة‭ ‬التنفيذية‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الاستوديو‭ ‬الصوتي‭ ‬الشهير‭ “‬ووندري‭”‬،‭ ‬إنّ‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬بودكاست‭ “‬يحقق‭ ‬جماهيرية‭”‬،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭. ‬بما‭ ‬أنّ‭ ‬تكلفة‭ ‬إنتاج‭ ‬الحلقة‭ ‬الواحدة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬دولارا‭ ‬واحدا،‭ ‬تصبح‭ ‬مربحة‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الاستماع‭ ‬إليها‭ ‬20‭ ‬مرة‭ ‬فقط،‭ ‬بفضل‭ ‬الإيرادات‭ ‬الإعلانية‭.‬

أدّت‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬وخصوصا‭ ‬الأتمتة،‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬العتبة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬عندها‭ ‬بيع‭ ‬المساحات‭ ‬الإعلانية،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬تتطلّب‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬آلافا‭ ‬من‭ ‬التحميلات‭.‬

وتشير‭ ‬رايت‭ ‬إلى‭ ‬مثال‭ ‬عن‭ ‬برنامج‭ “‬متخصص‭ ‬جدا‭” ‬يتناول‭ ‬عدد‭ ‬حبوب‭ ‬اللقاح‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬معينة،‭ ‬يستمع‭ ‬إليه‭ ‬بضع‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬فقط،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يجذب‭ ‬معلنين‭ ‬لأدوية‭ ‬مضادات‭ ‬الهيستامين‭.‬

مع‭ ‬تقدّم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬يشعر‭ ‬كثيرون‭ ‬بالقلق‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬محتوى‭ ‬مُركّب‭ ‬رديء‭ ‬الجودة،‭ ‬يُشار‭ ‬إليه‭ ‬غالبا‭ ‬بتسمية‭ “‬ايه‭ ‬آي‭ ‬سلوب‭”‬،‭ ‬ينتشر‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

تشير‭ “‬إنسيبشن‭” ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حلقة،‭ ‬وهي‭ ‬إشارة‭  ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ “‬تراجع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المستمعين‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬جانين‭ ‬رايت‭.‬

وتقول‭ “‬نلاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬الأشخاص‭ ‬إذا‭ ‬أحبّوا‭ ‬مُقدّم‭ ‬البودكاست‭ ‬المُنشأ‭ ‬بواسطة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والمحتوى،‭ ‬فلا‭ ‬يُبالون‭ ‬بكونه‭ ‬قائما‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭”. ‬يرى‭ ‬مارتن‭ ‬سبينيلي،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬البودكاست‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ساسكس‭ ‬بإنكلترا،‭ ‬أنه‭ “‬سيصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬مُنشئي‭ ‬البودكاست‭ ‬المستقلين‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬والعثور‭ ‬على‭ ‬جمهورهم‭”‬،‭ ‬بسبب‭ “‬الضجيج‭” ‬و‭”‬نقص‭ ‬ميزانية‭ ‬الإعلانات‭”‬،‭ ‬وخصوصا‭ ‬أنّ‭ ‬مشاريع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هذه‭ “‬تدعمها‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاصة‭”. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬البرامج‭ ‬ستؤثر‭ ‬تلقائيا‭ ‬على‭ ‬عائدات‭ ‬الإعلانات‭ ‬للبودكاست‭ ‬غير‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

ويقول‭ ‬نايت‭ ‬دي‭ ‬ميو،‭ ‬مبتكر‭ ‬برنامج‭ “‬ذي‭ ‬ميموري‭ ‬بالاس‭” ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البودكاست‭ “‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكسب‭ ‬سوى‭ ‬17‭ ‬سنتا‭ ‬للحلقة،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬حققت‭ ‬فجأة‭  ‬100‭ ‬ألف‭ (‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭)‬،‭ ‬فسيكون‭ ‬لذلك‭ ‬أثره‭ ‬السلبي‭”. ‬ويقول‭ ‬دي‭ ‬ميو‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬برنامجه‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬إنه‭ “‬متشكك‭” ‬بشأن‭ “‬الاعتماد‭ ‬الشامل‭” ‬لبرامج‭ ‬البودكاست‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. “‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬الأذواق‭” ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ “‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬سلبي‭” ‬على‭ ‬نظام‭ ‬البث‭ ‬الصوتي‭ ‬المستقل،‭ “‬الذي‭ ‬بالكاد‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬أصلا‭”.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬لا‭ ‬تُلزم‭ ‬المنصات‭ ‬الثلاث‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وهي‭ “‬أبل‭ ‬بودكاست‭” ‬و‭”‬يوتيوب‭” ‬و‭”‬سبوتيفاي‭”‬،‭ ‬صُنّاع‭ ‬المحتوى‭ ‬بإعلام‭ ‬المستمعين‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭ ‬بأن‭ ‬البودكاست‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬إنشاؤه‭ ‬بواسطة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬يقول‭ ‬مارتن‭ ‬سبينيلي‭ “‬سأكون‭ ‬مستعدا‭ ‬لدفع‭ ‬ثمن‭ ‬أداة‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬تُمكّنني‭ ‬من‭ ‬فرز‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الضجيج‭”‬،‭ ‬معتبرا‭ ‬أن‭ ‬محركات‭ ‬البحث‭ ‬الخاصة‭ ‬بعمالقة‭ ‬البث‭ ‬تُقلل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭.‬

تُعارض‭ ‬جانين‭ ‬رايت‭ ‬بشدة‭ ‬فكرة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬أنواع‭ ‬المحتوى،‭ ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سيُصبح‭ ‬قريبا‭ “‬بلا‭ ‬جدوى‭”‬،‭ ‬لأن‭ “‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سيصبح‭ ‬منتجا‭ ‬باستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭”‬،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬البودكاستات‭ ‬المُنتَجة‭ ‬بواسطة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬باستخدام‭ ‬أصوات‭ ‬اصطناعية‭ ‬سينظر‭ ‬إليها‭ ‬العامّة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬نوع‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ “‬تماما‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬الحية‭ (‬التمثيلية‭) ‬والرسوم‭ ‬المتحركة‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬أثبتت‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬القصص‭ ‬وجذب‭ ‬الجمهور‭.‬

وتُشدّد‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬من‭ ‬يرفضون‭ ‬كل‭ ‬المحتوى‭ ‬المُنتَج‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬التمييز،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬الجميلة‭ ‬والمثيرة‭ ‬للاهتمام‭”.‬

لا‭ ‬يجد‭ ‬نيت‭ ‬دي‭ ‬ميو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬ويُقارن‭ ‬الأمر‭ ‬بقراءة‭ ‬رواية‭ ‬أو‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬أغنية،‭ ‬ويقول‭ “‬أنت‭ ‬تريد‭ ‬ببساطة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬وعي‭ ‬إنسان‭ ‬آخر‭.‬ومن‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬الدافع‭ ‬للاستماع‭ ‬يصبح‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭”.‬