بوتين.. تخلّ أم خطوة ستراتيجية؟ – مقالات – أماني سعد ياسين
جاءت خطوة الرئيس الروسي الأخيرة بسحب جزء كبير من القوّات العسكرية الروسية من سوريا مفاجئةً ً للجميع ليس فقط من حيث التوقيت بل بسبب سرعتها ودلالاتها السياسية الحاسمة.
ولدرس هذه الخطوة بتمعّن ينبغي استحضار كل العلامات الميدانية والاقليمية المرافقة لهذه الخطوة الستراتيجية الحازمة .
فبعد إعلان الرئيس بوتين المفاجئ عن سحب جزء كبير من المقاتلات العسكرية الروسية تمّ الإعلان وبسرعة عن وصول دفعات كبيرة ورئيسية من طائرات السوخوي الروسية
إلى روسيا في إشارة واضحة إلى بدء تنفيذ هذا القرار وبسرعة . وقد تبدو هذه الخطوة متسرّعة إلّإ أنّ ما هو ملاحظ أنّ الأحداث تجري هي الأخرى بوتيرة متسارعة بعد سكون طال لمدّة ليست بسيطة .ففي نفس الوقت تم الإعلان عن تصنيف الكونغرس الأميركي للجرائم التي ارتكبها داعش بحق الشعب السوري بالإبادة الجماعية .قد تبدو هذه الخطوة تخليّاً مفاجئا من الروس عن الرئيس السوري بشار الأسد في وقتٍ حسّاس وذلك ضمن تسوية روسية أميركية إلاّ أنّ الأمر أعمق من ذلك . فالقرار الروسي جاء مفاجئاً تماماً ويمكن رؤية دلالاته وتأثيراته على مجموع الدول الغربية وبشكلٍ خاص على الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين والذي بدأ سريعاً بدراسة هذه الخطوة .
وقد برزت ردود فعل الصهاينة المتماهية والقائدة لمحور الإستسلام العربي وبوضوح من أنّها لا تحمل أيّة بشرى للإسرائيليين فعلى لسان المتحدث الرسمي الصهيوني فإنّ الروس بهذه الخطوة ” إنّما يغادرون سورية ليعود الإيرانيون إليها ” !..
وما ردود الفعل هذه إلّإ دلالة على التخبّط الكبير الذي وقع فيه الجانب المعوّل على الإرهاب وعلى داعش تحديداً في هذه المؤامرة الساعية إلى تقسيم سورية والعراق والمنطقة كلّها . فمن ردّات الفعل الأولية هذه يظهر جلياً التخبّط الغربي وكذلك الصهيوني تجاه خطوة الإنسحاب المفاجئة الروسية .
ومع الإعلان السريع للرضى الرسمي الدولي وفي مقدّم ذلك قرار الأمم المتحدة الإيجابي تجاه القرار الروسي ،يمكن التأكيد أن أولى إيجابيات هذا القرار الروسي هو سحب الغطاء كاملا عن أيّة خطوة قد تكون تجري تحت الطاولة لأي تدخّل عسكري غربي أو إقليمي في سورية .وهذا يبدو واضحاً بشكلٍ خاص من ردود الفعل المتردّدة لممثلي المعارضة السورية من القرار الروسي الأخير .وفي دراسة متأنيةّ للقرار الروسي الأخير لا يسعنا إلا ملاحظة ما يلي :
أولاً ،إقرار هذه الخطوة بعد العمليات العسكرية السريعة وبعد التعاون الميداني الايجابي مع الجيش السوري لتحرير مساحات واسعة من الأرض السورية المحتلّة من الجماعات الإرهابية المدعومة من دولٍ إقليمية معروفة وذلك للتسريع في خلق واقع ميداني محاصر للعصابات الإرهابية المسلّحة قبل فرض وقف إطلاق النار .
ثانياً ،ترك الساحة السورية في خطوة سياسية ضاغطة لجميع القوى وللدول الإقليمية الساعية للحرب وذلك لتفعيل المفاوضات وللوصول إلى اتفاق سياسي عاجل واستثمار المحاصرة الميدانية للجماعات المسلّحّة المدعومة من هذه الدول الإقليمية المموّلة للحرب الدائرة في المنطقة والتي تستهدف الدولة السورية تحديداً منذ سنوات وإلى الآن.ثالثاّ،الإعلان عن هذا الإنسحاب التكتيكي في وقت تجري فيه المفاوضات بين الوفد السوري الرسمي ووفد المعارضة وذلك في إشارة إلى أنّ روسية لم ولن تكون في موقع التأثير والمسؤولية على أيّ تسوية مقبلة . ولأنّ روسية لا تريد بأيّ حالٍ من الأحوال البقاء في سورية فكان هذا القرار وفي هذا الوقت ذاته لإيصال عدّة رسائل مهمة أوّلاً ، وللمساعدة على الاستثمار السياسي بعد الإنجازات الميدانية التي تحققت من قبل الجيش السوري ثانياً .
رابعاً،دفع المجتمع الدولي وفي الطليعة منظمة الأمم المتحدّة ومجلس الأمن الدولي إلى تحمّل المسؤولية في محاربة الإرهاب الدولي من خلال قطع يد المجموعات الإرهابية المسلّحة ومن يقف وراءها من دول إقليمية موّلت وسلّحت وضخّت بالإرهابيين ضخّاً إلى الداخل السوري وهو ما ظهر واضحاً وجليّاً من خلال فقدان الجهة المعارضة المفاوضة المؤثرةّ على العناصر المسلّحة المتواجدة على الأرض السورية . فمنذ اندلاع الأزمة السورية وإلى الآن لا وجود لأيّ وفد معارض مؤثر على هذه الجماعات بل ما هو موجود فعلاً مجموعة الدول الإقليمية وتحديداً الخليجية التي تريد فرض القرارات والتسويات المحتملة على الجانب السوري الرسمي تحت مسمّى المعارضة السورية . ولهذا جاء الإنسحاب الروسي في مفاجأة للجميع وللتأكيد ي هذا الوقت الحسّاس بأنّ روسية لا تريد التأثير في القرار السوري الرسمي في المفاوضات بل لا تريد أن تكون في موقع الإبتزاز الغربي والعربي الإقليمي لأجل التأثير والضغط على القرار السوري الرسمي .
خامساً ،الإعلان الروسي عن الخروج من الأرض السورية وبهذه الطريقة ما هو إلا استكمال لمخططّها الذي أتت على أساسه إلى سورية وهو ما أعلنت عنه منذ البدء من محاربة الإرهابيين الذين تمدّدوا حتّى شكّلوا تهديداً للدولة السورية ومن خلالها لدول الجوار وحتى لروسيا نفسها ليس أكثر في ظل تلكؤ دولي عن القيام بهذه المهمة وهي لا تريد بأيّ حال البقاء في سورية إلا بحجم الضرورة.



















