بناء الإنسان العربي (2)

841

بناء الإنسان العربي (2)
الثورة مكانها عقول وقلوب الناس، وليس الميادين والساحات فحسب!
دائرة جهنمية تبتلع أمتي وحضارتي! في البداية حكم استعماري أوروبي تقليدي، ثم دولة عسكر، ثم دولة شيوخ، ثم…! كل دولة تنهب من أمتي أجيالاً وأعماراً! كل دولة تُبشر بالخلاص وتُصدقها الشعوب “المُتعبة”! كل دولة تستهل حكمها برخاء عشوائي، ثم لا تلبث المرارة أن تغمر النفوس وتغتال فيها الأمل!الغربيون شديدو القسوة وواسعو المعرفة! ولا أدري كيف نثق بهم وبنياتهم ـ خاصة أمريكا ـ، وفاشية العسكر غرس يدهم! لا يبدو أنهم وعوا درس بن لادن ورفاقه جيداً! كونهم يبذلون قصاري جهدهم لتخليد ذكري بوعزيزي ومحو ابن لادن، رغم أن بوعزيزي وابن لادن وجهان لليأس العربي!
مأساتنا تكمن في ضيق أفق شعوبنا، فبُعد النظر يكاد يكون معدوما، بل هو نادر، علي حد تعبير مادلين أولبرايت! ففي حين يفكر إستراتيجيو الغرب بصيغة العقد والقرن، يُفكر أولو أمرنا بصيغة الأيام والشهور، وربما السنين! والنتيجة الحتمية لهذا تزايد فرص قيام حكومة مستبدة، تتسكع أمامنا بكل بشاعة وقذارة، علي النحو الذي شهدته “دولة العسكر”، وربما علي نحو أسوأ!
من هنا تبرز الحاجة لاعادة بناء الانسان العربي، وبالتالي القضاء المُبرم علي أسطورة “القطيع الصالح” التي تقتل مجتمعاتنا، واستبدال مجتمع صالح بها!
بيد أن ثمة عقبة كئود تقف بيننا وبين بلوغ هذا الحُلم الرائع، أعني خلو مجتمعاتنا من صفوة فاضلة، يُسترشد بأنوارها حين يسود الظلام، علي نحو ما تُعاني مجتمعاتنا اليوم، ويجد نشء بلادنا فيها المثل الأعلي والقدوة الفاضلة. فالرجل العظيم هو الذي يتخذ مثلاً أعلي عظيماً، يحدوه نحو قوة إرادة ومجد!
خلق صفوة فاضلة ليس بالأمر الهين، وإن لم يكن مستحيلا! وربما يكون احياء المعارف “الشهيدة” في مجتمعاتنا، وفي مقدمتها “التفكير الفلسفي”، هو البداية الصحيحة، إن أُريد لمجتمعاتنا أن تستعيد حقها في امتلاك مثل هذه الصفوة، والتي تُثبت تجربتنا الحضارية المريرة أن عود المجتمعات جميعها لا يستقيم بدونها!
فلنكتتب من أجل معهد “أهلي” لتعليم التفكير الفلسفي، يكون بدوره المُعادل “اللاغائي” لتفكير قوي الاسلام السياسي الفقهي، وتفكير مشروع الدكتور احمد زويل العلمي ـ بشقيه الحداثي وما بعد الحداثي ـ، وكلاهما “غائي”، علي نحو ما هو معروف!
فبدون حضور حقيقي لهذه الطرائق المختلفة من التفكير(الفقهي والعلمي والفلسفي) يصعب علي أي مجتمع، ومن باب أولي مجتمعاتنا، التمتع بامتياز امتلاك صفوة فاضلة، وهو ما يعني استمرار عجزنا عن استرداد مقاليد حضارتنا، أو حتي صون ما تبقي بمنأي عن أيدي أبناء الحضارات الأخري، خاصة الغربية!
وللمعهد الأهلي المُقترح أن يحمل إسم أحد رواد التفكير الفلسفي عندنا، وليكن عبد الرحمن بدوي، الذي هاجر من وطنه مصر في شباط 1967، علي ضوء انحطاط الحياة الأكاديمية في ظل حكم العسكر. ففي مذكراته الشهيرة “سيرة حياتي ـ بجزءيها الأول والثاني ـ، يحكي بدوي أنه ودع مصر بهذه الكلمات:
“وداعاً أيها الوطن المُكبل بالقيود،
الحافل بالجواسيس والمخبرين،
فضاع صوت الأحرار من المواطنين
بين جمهور المواطنين المستسلمين”
وليس لمعهد عبد الرحمن بدوي للتفكير الفلسفي، إن قُدر لفكرته أن تخرج إلي النور، أن يستعين بأيٍ من أساتذة الفلسفة في جامعاتنا، علي الأقل في مرحلة التأسيس وقبل بلوغ مرحلة النضح، حتي لا تنتقل إلي الوليد الجديد أمراض الحياة الأكاديمية في مجتمعاتنا “شديدة ضيق الأفق”! فدولة العسكر لوثت المجتمع كله، وأساتذة الجامعة عندنا، خاصة أساتذة الفلسفة، جزء من المجتمع، نالهم ما ناله!
وفي تأسيسنا للمعهد المُقترح، يمكننا الرجوع لخبرات ما قبل مجيء دولة العسكر في مصر، أعني خبرات تأسيس الجامعة الأهلية عام 1908-1909، والتي انضمت لاحقاً إلي الجامعة الحكومية، وخضعت بالطبع لوزارة المعارف.
معهد عبد الرحمن بدوي للتفكير الفلسفي، حُلم بعيد المنال، بل هو مستحيل، خاصة في هذه الآونة ونحن علي وشك الدخول إلي دولة مدنية بمرجعية دينية!
لكني قرأت يوماً عبارة جميلة لهربرت ريد، أعمل بها! تقول كلماتها:
“من حارب بلا أمل، حارب بكياسة”
حازم خيري – القاهرة
/2/2012 Issue 4125 – Date 18- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4125 – التاريخ 18/2/2012
AZPPPL