بمناسبة مرور سنة على إنتفاضة تشرين – حمدي العطار

بمناسبة مرور سنة على إنتفاضة تشرين – حمدي العطار

تأثيرات تشرين الثقافية .. غياب المزاج الثوري وهيمنة التواصل الإجتماعي

يكمن دور المثقف في رفد الحركات الثورية بما يملكه من وعي على الاغلب يكون قد اكتسبه من المرحلة التاريخية وحركة الجماهير الراغبة في التغيير، المثقف قادر على التعبير وان يكون ناطقا بأسم الثورة لما يملكه من قابليات ذهنية وفكرية ومعرفية اكثر من باقي فئات الشعب.

قبل انتفاضة تشرين 2019 كان المثقف والكاتب متهما بغياب دوره وتأثيره في محاربة الفساد والمحاصصة الطائفية وغياب الخدمات وضياع الثروات على الرغم من ان العديد من الكتاب قدموا اعمالا روائية وقصصا ومقالات فيها اشارات واضحة لأدانة هذه الممارسات والتنديد بمرتكبيها! لكن المطالبة والمناشدة والتنديد وغيرها من التعبيرات التي  لا تغني ولا تسمن ولا تقدم ولا تؤخر، ما هي الا (كلمات ..كلمات) كما يقول (هملت).

انتفاضة تشرين جعلت المثقف والكاتب لا يكتفي بالكلمات بل من اجل ان تكون وظيفته مؤثرة وتسعى الى تحقيق الاهداف  من الانتفاضة واحداث التغيير ، استوعب  هذا الشعار السياسي  (الحقوق  لا تؤخذ بالمطالبة بل بإنتزاعها من مغتصبيها) لذا  نجد ان الكثير من الكتاب قد نزلوا في ساحات الاحتجاج لتسجيل موقفهم من الاحداث والاوضاع!

القلق الثقافي

وجدت نفسي في حالة من الاحراج فلا  يكفي ذهابي الى ساحة التحرير يوميا لتسجيل حضوري امام الناس ويتم تصويرنا عبر الفضائيات بل شعرت بأن من واجبي أن أمارس الكتابة عن الاحتجاجات واعتبرت نفسي (ناطقا عن خواطر المحتجين).

تحول عندي الامان الثقافي الى ما يطلق عليه (القلق الثقافي) وكنت اسأل نفسي هل مشاركة المثقف والكاتب بحجم مشاركة الثوار والانسان العادي البسيط الذي خرج يطالب في البداية  بحقه في العيش الكريم والعمل الشريف واللقمة الحلال، حتى تحولت شعاراته الى  (نازل أخذ حقي) و(نريد وطن)، لقد احسست بإن هؤلاء يستحقون نظاما سياسيا عادلا، كما يستحقون موقفا داعما من المثقفين والكتاب فضلا عن الكتابة عنهم يجب المشاركة معهم ، وقد قدم الصحفيون والادباء والكتاب الشهداء والجرحى في هذه الانتفاضة والتظاهرات السلمية.

شرعية السلطة

لقد تأكد لي بما ان الثقافة (جهد ايجابي خلاق) علينا ان نقدم للانتفاضة محتوى متجدد يثري حياتهم ، معركتنا كانت ضد الخطر الداخلي (من اجل الحربة) وضد الخطر الخارجي (التدخلات الاقليمية والدولية)، فكانت لي مقالات نشرت في جريدة الزمان عن (الشرعية بين السلطة والاحتجاجات) لأن من يملك السلطة على الاغلب  يتوهم بإنه سيكون بعيدا عن المساءلة والمحاسبة، ويرى نفسه فوق القانون( الحصانة)  ويمارس سلوكا مناقضا للقوانين التي وضعها ومنافيا للتقاليد والاعراف الاجتماعية مستخدما نفوذه السياسي وامكانياته المادية ّولا يمكن قبول خرق القانون بمجرد ان من قام فيها من رجال الحكم . بينما ينزل القصاص الشديد لو اقترف اقل منها من عامة الناس!

أمراض الديمقراطية

وجود شرعية للسلطة لأنها تحكم  هذه تمثل الشرعية الشكلية لكن ما تحتاجه الشرعية في الانظمة الديمقراطية هو المعيار الموضوعي، فنحن نعاني من (امراض الديمقراطية) وهي كما يحددها (كولين كرتش) في كتابه “ما بعد الديمقراطية” يكون فيها سلوك السياسيين في دول ما بعد الديمقراطية أقرب ما يكون إلى سلوك “المهربين” القائم على الخداع والمراوغة والتسلل حتى يتم تمرير بضاعتهم في غفلة من المجتمع، والسيطرة بعد ذلك على الانشطة الاقتصادية التي لا تقوم نظم التمثيل الديمقراطي بوظائفها الصحيحة في التعبير عن ارادة المواطنين والدفاع عن حقوقهم..

حينما تستغل السياسة  مجال الثقافة يسود الشعور بالاحباط عند الكتاب، وتبرز قسوة الاحزاب، وتصبح مصدرا للفساد والافساد، وان الجماهير الغاضبة تعبر عن رفضها بالاحتجاجات وحالة عدم الرضا وعن الرغبة في المشاركة السياسية واتخاذ القرارات التي تحقق مصالحها وتطلعاتها وتحديد سطوة السلطة وانفرادهم بإدارة شؤون المجتمع والدولة، وتعد الاحتجاجات هي السلاح المشروع واداة لتمارسه الجماهير للتخلص من امراض الديمقراطية.بعد مرور سنة على الاحتجاجات والانتفاضة، وعلى المثقف أن يصطف مع الجماهير ويدافع عنها وليس مع السلطة والحاكم!

العصيان المدني

حينما كانت الجماهير تريد تطبيق (العصيان المدني) كخطوة تصعيدية لتطوير التظاهرات لتصل الى الاعتصام ومن ثم تحقيق التغيير! لم يحقق العصيان المدني المطلوب منه ، وظهرت اختلافات حتى بين المتظاهرين فكان لا يزال البعض يؤمن بالاصلاح وليس بالثورة والتغيير، والبعض يتحدث عن دستورية التظاهرات وعدم دستورية العصيان المدني! وتناقضت وتباينت المواقف فالاغنياء مثلا يهتمون كثيرا بالاستقرار السياسي وهم يكرهون الثورة اكثر مما يكرهون حتى الاحتلال! لأن هؤلاء لن يشعروا بالظلم طالما ثرواتهم تتضاعف وتزيد! كما انه ليس كل الفقراء مع الثورة لأن هؤلاء على الاغلب لا يملكون احيانا الوعي المناسب لمثل هذه الظروف، اما الطبقة المتوسطة فهي مقسمة ومترددة تنتظر اكثر مما تشارك في عملية التغيير، في انظمة مثل العراق يستبعد حدوث (أنقلاب عسكري) لأن الجيش اصبح محايدا يدافع عن السلطة بغض النظر عن مقبوليتها أو رفضها من قبل الشعب! (شلع قلع) يعني رفض الجميع ستراتيجية  لا تمثل (الواقعية الساسية) وهي التي جعلت السلطة غير منقسمة لولا الرفض الكامل للعملية السياسية الذي ينادي به المتظاهرون كان يمكن احتمال التغيير أن يأتي بمساعدة من داخل السلطة!

المزاج الثوري

كما غاب احيانا (المزاج الثوري) أو (الروح الثورية) وقد يكون من مستلزماته هو العيش في اصعب الظروف وتحمل العذاب والحرمان والتمتع بالصلابة والصمود والصبر وهذا يخلق الظروف المناسبة للتغيير وليس العكس، لأن من يختار هذا الطريق لا يفكر بنوع الاكل او بالنوم المريح ولا بالرفاهية الناعمة، كنا اثناء تجوالنا في ساحة الاحتجاج – ساحة التحرير- كأننا في مهرجان أو مناسبة احتفال بأحد الاعياد، مع غياب المزاج الثوري! هناك مبالغة قد تصل الى حد الاسترخاء تتجلى في (المطعم التركي) الذي تحول الى (دار ضيافة) درجة اولى 5 نجوم، سجاد وافرشة وحتى مكتبة، التغيير لا يمر عبر هذه الرفاهية !

الحكومة كانت مرتاحة لساحة التحرير فهي منطقة لحصر نشاطات المتظاهرين واسكات حالات الغضب الجماهيري بتوفير الاكل والشرب والاناشيد والاغاني وصالونات الحلاقة والحمامات وغيرها! كل هذا يطيل المدة ويمتص الغضب وينهي (الروح الثورية) للحركة وهو ليس مفيدا لأنهاء الازمة الموجودة بين المتظاهرين والحكومة.

نضوج الاحتجاجات

يجب الاعتراف بإن احتجاجات تشرين هي الاكثر نضوجا من جميع التظاهرات السابقة ، فقد تبلورت رؤية سياسية بعيدة عن الحالات الانية التي تطالب بحل مشاكل البطالة وتوفير فرص العمل وباقي الخدمات الضرورية! لقد حددت التظاهرات هدفها بشكل واضح وهو هدف سياسي لا يرضى الا بأستقالة الحكومة وتغيير قانون الانتخابات واجراء انتخابات مبكرة تحت اشراف القضاء وممثلين عن المنظمات الدولية، كما ان هناك حاجة لأجراء تغيير بالدستور بعيدا عن تعقيدات آلية التغيير التي نص عليها الدستور نفسه!

المتظاهر اصبح اكثر وعيا فأخذ يصرخ بأنه لا يريد اليوم تعينا أو قطعة أرض أو راتبا ومنحة بل هو خرج يطالب بأستقالة الحكومة وبانتخابات نزيهة بقانون عادل للانتخابات بعيدا عن التزوير والتهديد ،،

لكي يمارس الشعب الديمقراطية لا بد ان يكون اهلا لها، الشباب بما يملكه من حيوية الطموح والمبادرة والمغامرة وحب الحياة وقبول التحديات هو من سوف يحقق الاهداف ويقلب المعادلة على الطبقة السياسية الفاشــــــلة، وكان على الاباء تشجيع ابنائهم بالمشاركة بالاحتجاجات الســــــلمية لتـــــــحقيق التغيير والتخلص من (العاطفة السلبية) ، حينـــــــما جاء نابليون الى مصر ووجد شابا يجلس تحت الشـــــــجرة يبكي، سـأله عن السبب؟

أجاب الشاب بإن حبيبته لم تأت بالموعــــــــد! عندها قال نابليون لمرافــــــــقيه” حان وقت غزو مصر لأن العاطفة تتغلب عليهم”!

دور التواصل الاجتماعي

وسائل التواصل الاجتماعي توفر مجالا واسعا للتعبير عن الرأي ونقد أساليب الحكم التي تتوارى خلف الشعارات الديمقراطية لأخفاء نواياها الحقيقية للسيطرة على السلطة، لذلك يسبب الفيس كثيرا من القلق للحكومات التي تعجز عن السيطرة على المـــــــدونات المتنوعة، لذلك لجأت السلطة الى قطع النت بحجة (دواع أمنية)، الاساليب القديمة في السيطرة على الحكم ومنها التضييق على الحريات ومنع الرأي الاخر وقمــــــــع المعارضين لم تعد في هذا العصر ذات جدوى، وتهم التحريض وتقديم الاخبار المفبركة تحت عناوين لافــــــتة، ومبالغات كاذبة، ومشاحنات مفتعلة بطريقة غير مــــــــهنية، بل ولا أخلاقية احيانا! كل هذا اصبح من الــــــتراث !

اليوم العالم يبحث عن مصدر للمعرفة ولا يمكن للانظمة من خلال اعلامها الحكومي بأن تستنسخ جيلا لا يعرف عن وطنه شيئا مهما، علينا أن نضع خريطة إعلام بها كل الالوان،وبشكل يمنح  تربية  الــــعين على نبذ الرؤية الأحادية المنغلقة على نفسها، ان حرية الآخرين جزء من حرياتـــنا، ويبدو لي ان في العراق رجال السلطة لم يستوعبوا الدرس ولم يستفيدوا من تجارب العالم.

مشاركة