بلند الحيدري – نصوص – عبد الرزاق عبد الواحد

ذكرياتي 73

 بلند الحيدري – نصوص – عبد الرزاق عبد الواحد

 أكادُ أثورُ لكنّـي

 أحِسُّ الغلَّ في أذني

 يوَلولُ ساخراً منّي

 ويصرخُ هازئاً : عبدُ !

 *

 عبدُ ..

 أنا المالكُ إيمـاني

 أنا الهادمُ والبـاني

 أنا إنسي وشيطاني

 أتَحسَبُ أيُّها القَيدُ ..؟

 فتَمتَمَ ضاحكاً : عبدُ !

 * * *

عندما نتحدث عن الرواد ، علينا أن نقف بخشوع كبير أمام تجاربهم الفريدة ، والمبكرة ! . نحن في أواخر الأربعينات ..وهذا التكوين الشعري الغريب في إيقاعه ، الغريب في موضوعه ، هو واحد من تكوينات الرواد التي أحدثت الهزّة العنيفة في الشعر العربي كلّه في مطالع الخمسينات.

نادراً ما كنت أرى بلند الحيدري في جلساتنا في مقهى الرشيد ومقهى حسن عجمي ، ذلك أن بلند كان موزَّعاً بين انتمائين .. فلا هو بكلِّه لجماعة مقهى البرازيلية ، ولا هو بكله لحسن عجمي ! . إنه يذكّرني كثيراً بذلك الذي قال :” الصّلاة وراء عليّ أثوب .. واللقمة مع معاوية أد سم ! ” . كانت تشدّه للبرازيلية مظهريّته ، رغم أنه لم يكن أكثر برجوازية من أكرم الوتري .. ولكن الفرق بين أكرم وبلند أن أكرم لو يكن يشرك بالشعر شيئاً ! .

 طويل القامة .. كثّ الشاربين .. عريض الوجه ، وسيم في المقاييس العامة للوسامة .. لايكاد غليونه يفارق فمه. شيء واحد نهض بيني وبين بلند منذ أول لحظة رأيته فيها وبقي حتى اليوم : غلالة ، رغم شفافيتها ، لم أستطع اختراقها إليه .. ولم يحاول هو تجاوزها ، لا إلي ، ولا إلى أي واحد من أفراد كوكبته كما يخيل إلي . أتمنى هنا ، ومن كل قلبي ، أن لا يكون لمزاجي الشخصي ظلال على السطور التي أكتبها عن هؤلاء الأصدقاء ، وإن كان صعباً عليّ ان أبرّيء نفسي منها! . بقدرما كان رشيد ياسين جارحاً لفرط وضوحه واستقامته .. عدائياً أحياناً لفرط صراحته .. وبقدر ما كان السياب ، وهو القائل :

 والموتُ أهوَنُ من خطيّه !

بقدر ما كان ( خطيّه ) لفرط احتدامه .. ولفرط بساطته ، وكثرة خيباته !.. وبحجم حياء البريكان ، وهدوء الوتري ، وطفولة حسين مردان ..وبالحميمية والصدق اللذين تشابكت فيهما وجوه هؤلاء الناس ، وعلاقتهم ببعضهم .. كنت أحسّ بوجه بلند الحيدري غريباً عنهم . لقد كان بلا ميزة واضحة .. كان بلا حميمية ! .

 لم أره مرة يضحك من كل قلبه .. أو يحزن من كل قلبه . لم أشاهده يغضب . كانت ضحكته غريبة .. جاهزة دائماً على شفتيه ، وبنفس درجة الإنفراج ! ، وفي حنجرته بنفس الصوت الغامض الذي لا تستطيع أن تتبين منه إذا كان صاحبه فرحاً ، أم ساخراً أم مجارياً لا غير ! . كان حيادياً بشكل صارم .. أملس مثل حصاة! .

وكانت تجربته الشعرية مختلفة أيضاً . ففي الوقت الذي كانت تجارب جماعته تنصبّ كلها على الوطن ، أو على الذات ، برومانسية بالغة العذوبة ، كان بلند يكتب في موضوعات بالغة الإنتقائية .. وبطريقة بالغة الطرافة ، بدت شديدة التقدم على ما يزامنها من تجارب .. ثم أصبحت بعد قليل شديدة التخلّف عنها لأن صاحبها ظلّ في دائرة اللعبة الشعرية دون أن يستطيع الخروج منها إلى المحيط الأوسع للشعر ، ولا استطاع أن يطورها بما يبقي لها دهشة التلقي لتجاربه الأولى !

كنا نعلم أن بلند لم يكن ينتمي إلى عالمنا في حسن عجمي والرشيد .. ولكنني ، وقد جلست إليه ، وإلى جماعته في برازيلية الرشيد ، أحسست بأنه لا ينتمي إليهم هم أيضاً ! . ربما لهذا السبب انطفأ بلند سريعاً ، وغلبت عليه الكتابة النثرية والتنظير .

كان يخفي في داخله إحساساً ملحّاً بالتـفوّق .. هكذا كنت أشعر به وهو يتحدث .. وهو يقرأ قصائده .. وحتى وهو يعلّق تعليقاته المبتسرة على ما يسمع . إن بلند يكثّف حضوره في المساحة التي يبدو فارعاً متميزاً فيها ، فإن أحسّ أن ظلّه انكمش ،أو أن ظلاًّ آخر زاحم امتداده ، اختفى بلند من المكان ! كنت أحسّه هكذا في مقاهي الحيدرخانة .. وحاولت كثيراً أن أفسر إحساسي هذا تجاهه بنفوري من تعاليه .. ولكنّ تجربة مثيرة حصلت لي معه أكدت صدق حدسي هذا :

 جمعتني ببلند ظروف سفر إلى لبنان ..كان هذا في أواسط الستينات .كنت بحاجة إلى مرتكز ، وكان بلند – كما حدثني في سيارة نيرن طوال الطريق – هو دليلي إلى لبنان ، وواسطتي إليها ، لما له من معارف ، ومن موقع بين معارفه هناك .

وصلنا بيروت ليلاً .. ونزلنا في نفس الفندق ، وكان مع بلند زوجته وابنه عمر . في صبيحة اليوم التالي ، قال لي بلند : ” سأعرفك بالأستاذ رئيف خوري ، فقد هاتفته ليلاً ، وأخذت منه موعداً ” . كنت قد التقيت برئيف خوري مرة واحدة في بغداد ، في حفل ألقيت فيه قصيدة قبل سنتين .. وكان معجباً جداً بالقصيدة كما نقل لي أحد أصدقائنا ، وكما عبّر لي هو حين كنا نودعه في المطار حيث قال :” أعود إلى لبنان ومعي ثلاث درر في منديل أبيض !” .. وقرأ ثلاثة أبيات من قصيدتي التي حضر إلقاءها .

ذهبنا أنا وبلند إلى حيث موعده ، في كازينو اسمها (الحمراء) على ما أتذكر .. كنت لحظتها أفكر إن كان رئيف خوري سيتذكرني أم لا . حين دخلنا ، كان جالساً في قعر الكازينو يكتب . لا يمكن أن أنسى تلك اللحظة ! . حال دخولنا ، رفع رئيف رأسه عن أوراقه ناظراً إلينا .. فأسرع إليه بلند هاتفاً :” كيفك يا رئيف ؟ .” الذي حصل أن رئيف ظل واجماً ينظر صوبي دون أن يمدّ يده إلى بلند ، قال بنبرة تكاد تشبه البكاء :” أنت معافى يا عبد الرزاق ؟!” . ثم أسرع إليّ يحتضنني ويقبّلني ..واعتذر بعد ذلك من بلند ! .

في مساء اليوم نفسه ، كان بلند قد رتب لنا موعداً مع الدكتور حسين مروّه ، والأستاذ محمد دكروب ، وآخرين .. ولم أكن قد تعرفت إليهم من قبل . ذهبنا معاً إليهم ، وتولّى بلند مهمّة تعريفنا ببعضنا .. وامتدّت بنا الجلسة ، فالتفت الدكتور مروّة إلي قائلاً : ” بلند قدّمك إلينا شاعراً ، ولكننا لم نقرأ لك شيئاً ..فهلاّ أ سمعتنا شيئاً من شعرك ؟” . لا أدري لماذا اخترت قصيدتي ( يا خال عوف ) المهداة إلى الجواهري . لم أكن أتوقع ردّ الفعل الذي حصل ، وعاصفة الإعجاب التي قوبلت بها ..وطلب إليّ الحاضرون جميعاً أن أواصل القراءة ، وفعلت . الذي حدث – وكان من سوء حظي – أن بلند عرض أن يقرأ شيئاً من شعره في الجلسة ، وإذا بحسين مروّة يقول له ، وبالحرف الواحد : ” أبا عمر..كثيراً ما سمعناك ، ولكننا لم يسبق لنا أن سمعنا عبد الرزاق، فدعنا نكرّس هذه الأمسية له .” استيقظت صباح اليوم التالي ، واتصلت ببلند في غرفته في الفندق ، فلم يردّ عليّ أحد . سألت استعلامات الفندق فقيل لي إنه ترك في الصباح الباكر هو وعائلته بعد أن سدّد حسابه ، ولم يترك أي خبر عن وجهته ! .

لم يكن لديّ عنوان أحد من هؤلاء الناس .. ولم أكن قد رأيت بيروت قبلها .. وذبحني الإحساس بالغربة ، والإحساس بالخيبة ، والحنين إلى بيتي وأطفالي ، فحملت نفسي بعد يومين وعدت إلى بغداد .. ولولا هذه الحادثة لكانت حياتي ، وحياة أسرتي كلها قد تغيرت ! . لا تَهابي

هذه الريح التي تطرد من بابٍ لبابِ

هي ذاتي .. هي أعماقي التي تجهلُ ما بي

لا تَهابي !

 * * *

ساعي البريد

ماذا تريد ؟

أنا عن الدنيا بمنأىً بعيد

أخطأتَ لا شكَّ فما من جديد

 يحملُهُ الغيبُ لهذا الطريد ..

– أتمنى لشعرائنا الشباب هذه الأيام ، أن يتعلموا شيئاً من التواضع أمام تجارب كهذه .. وتكوين شعري كهذا ، كتب قبل عام 1950 !! .

 -جميع ما ورد في الحلقة من مقاطع شعرية ، كلها من قصائد لبلند الحيدري .