بلد المقابر الجماعية – علي يوسف الشكري

383

بلد المقابر الجماعية – علي يوسف الشكري

جرى الموروث على وسم كل بلد بوصف يكنى به دلالة على الغالب المميز فيه ، وليس العراق بعيدا عن هذا التقليد، فقد وصف ببلد النهرين ، وبلاد السواد ، وبلد الأئمة الأطهار ، و….. . لكن كل الأوصاف التي ألحقت بالعراق غاب عنها وصف كان الأولى أن يوسم به ، فهذا الوصف أكثر انطباقا من غيره على تاريخ العراق وماضيه وحاضره . فلم يمض عهد إلا وقتل فيه أبناء العراق ، وقدمت أجساد شعبه قرابين على طريق الحرية . وربما كانت أرض العراق عاشقة للشهادة ، ولا ترتوي إلا بدماء أبنائها ، لا كما كل الأراضي التي تزهو وتزدهر وتنتج ثماراً بالماء ، وهي سنة الله في الأرض . فلم يزهق الدم الطاهر لخليفة المسلمين ، سيد العلماء والحكماء والزاهدين الأمام علي ” عليه السلام ” ، إلا على أرض العراق ، وكانت ولما تزل واقعة ألطف تدوي في ذاكرة الباحثين عن الحرية ، حيث أنتصر الدم على السيف . وقبل أيام قليلة استذكر أهل العراق واقعة استشهاد الأمام موسى بن جعفر ” عليه السلام ” ، ويقيناً أن القتل في العراق غدا عادة ، ولم يعد نبأ العدوان على حياة من كرم الله على جميع خلقه تلفت الانتباه ، أو تثير الحفيظة ، فالسكوت عن التعدي على كبير الأمة وشرفها ، والمساس بمن كرم المدينة لتكون عاصمة الخلافة ، والسير خلف الباطل ، ليس إيماناً به لكن بقصد مجالسة الظالم ، أو حتى الجلوس على مائدته الممتدة من السحت الحرام أو مال الرعية ، كان إيذناً بعهد من القتل والتنكيل والتهجير . واللافت أن السائر على طريق الذلة ، لا يأبه أن يوصف بالحرباء ، أو يتلون كما تتلون ، فمن هانت عليه نفسه ، يهن عليه الوطن ، والتاريخ ،   والإنسانية . وليس البأس في السائر في دروب الذلة ، لكن البأس كله أن يوصف شعب بسمة لا يستحقها ، لكنها لعنة الذليل ، المهادن ، الذي باع تاريخ شعب ، وسمعة أمة ، وكرامة بلد ، كي يكون ذليلا حاكما مستبدا، وإلا أليس من نظّر للملكية هو من سار زاحفاً لينال شرف التمثيل بجثة الملك ، وهو ذاته من طالب بإزهاق روح الزعيم ، وذاته من انقلب على قاتله والسلسة ممتدة . وليس من ضير في ذلك كله ، فالنفاق والجشع والتقلب والتنقل سمة الذليل ، لكن الضير كله في إزهاق أرواح طاهرة ، وقفت صامدة لتقاوم العدوان ، فذهبت قرابين على طريق الحرية، وعاد المنافق الحرباء ليتصدر المشهد من جديد ، متخفياً بقناع الوطن ، متمسكاً بشعار عفا الله عما سلف ، وكل الدماء تهون من أجل الوحدة ، ومن ينصف اليتيم الذي فقد كفيله قبل أن يحبو أو يزحف ، ومن ينتصر للزوجة والأم المفجوعة بولدها ؟ وهل يعوض كل مال العالم أمام لحظة من لحظات الفقد والفجيعة ؟ لله درك شعب العراق ، لقد أصبحت الشهادة لك عادة ، وهدر دمك على يد من شحت عليه السماء بالسمعة والتاريخ والسلالة والأصل ،  كرامة ، فحق أن توسم ارضك بأرض الشهداء ، أرض الأجساد الطاهرة ، أرض المقابر الجماعية ، فلا تكاد تكتشف مقبرة جماعية ، حتى يطل علينا المنبئ بخبر مقبرة أكبر ، حتى لم تعد تخلو أرض العراق من شماله حتى جنوبه ، ومن غربه إلى شرقه من الأجساد الطاهرة ، التي راحت تؤرشف لتاريخ ، وحقبة مظلمة ، بل حقبات مؤلمة ، فمن مقابر الأنفال إلى مجازر الانتفاضة الشعبانية ، إلى مقابر الخلف الضال ” داعش ” في سبايكر ، فلم يكن داعش وليد اللحظة أو الموقف ، لكنه سليل نظام دموي عاث بالعراق فتكاً وإرهابا وقتلاً وتهجيراً على مدى نصف قرن من الزمان .

ويقيناً أن مقبرة السماوة الجماعية التي حوت الأجساد الطاهرة ليست الأولى ، ولن تكون الأخيرة ، فجرائم السلف لا تحكمها حدود ، ولا توقفها محرمات ، ولن يحصيها عدد ، فالتلازم حتمي بين الاستبداد ومقاومته . ويقيناً أن كل مقبرة جماعية ، ودم زكي ، وروح طاهرة ، تزيد العراق إصراراً على مقاومة الطغيان ، فتاريخ العراق سلسلة من الاستبداد والمقاومة والمقابر الجماعية ، فحق على العراق أن يوصف ببلد المقابر الجماعية ، فالعراق لم يدخل موسوعة كينز للأرقام القياسية لتشييده أطول جسر ، أو أعلى ناطحة سحاب ، أو تأليف كتاب اكبر سلسلة لتاريخ عهد دام، لكنه حاول للمرة الأولى دخول هذه الموسوعة سنة 2014  من بوابة اضخم تظاهرة بشرية قصدت زيارة الأمام الحسين ” عليه السلام ” في أربعينيته ، وعلينا اليوم إحصاء ما خلف السلف الطالح من مقابر جماعية لندخل الموسوعة من أوسع أبوابها كأكبر بلد حوت أرضها مقابر جماعية ، ضمت أجسادا طاهرة ستبقى تؤرشف لأعتى دكتاتورية ، عسى أن تحذر وتذكر بالأمس القريب لتشحذ الأمام أمام مقاومة أي استبداد قد يعصف بالحريات ويحصد الأرواح .

{ وزير سابق.. مستشار رئيس الجمهورية

بغداد

مشاركة