بلا أقنعة
جاسم العبيدي
أحلامك التي تسيطر على قسمات وجهك , الصندوق البلاستيكي الذي يحمل عبء لفائفك المعدة والمرتبة بإتقان , الصحف المرصوفة إلى جانبك , الكتب والدفاتر المدرسية والقلم الذي يسطر ما تخطه أناملك الصغيرة من كلمات , وجلسة الاستراحة التي تشعرك بالانتماء إلى ارض الوطن , شقوة العيش ومرارته , كل تلك المكونات الحياتية لن تستطيع أن تسلب منك حقك الذي لا يمكن لأحد أن يسلبه. تأخذك اللحظات إلى مواجع التفكير والكتابة بعيدا عن العالم الآخر الزاخر بالأماني العذاب, فقد أنستك الحياة بهجتها وتركت ملامح البؤس على محياك بعيدا عما اعتاده الصغار من لهو ولعب في أوقات الراحة , أنستك الحياة بهجتها وتحولت أفراحك إلى معالم ترسم الأمل وحده أمام عينيك , وكنت حاضرة , جسدك وعقلك يمتد في أقصى مساحة الجدار الذي يلامس ظهرك تتفاعلين مع كل تلك العناصر بوله ورغبة عارمة . ذلك ما أحسسني بالخجل والألم في آن واحد لأننا لم نعد نملك لأنفسنا حتى الابتسامة ولأننا لن نتمكن من سلب احد حريته التي اختارها سواء في التعلم أو العمل , لم نعد نملك سوى النظر بصمت إلى ما نحن فيه صحيح أن من واجبنا أن نبني مجتمعنا وفق ما نراه لكن من حقها أن تطالبنا بان نهيئ لها ما تراه حاجة ملحة . فهل تحتاج طفلة في مثل عمرك إلى التعلم فحسب؟ وهل تستطيعين يوما ما أن تحققي أحلامك . اعتقد إنها رحلة متعبة ما أقساها على نفسك وأنت تفترشين الأرض تاركة لنفسك عنان التفكير في ما لا يشعر به الآخرون . ربما سترسمين بصمتك لأطفالنا مستقبلا زاهرا , وربما ستوقدين شمعة اطفاتها ريح سموم , وربما ستسطرين فوق أوراقك البيض حبا ينبعث من شغاف القلب فيهب الحياة لآخرين في مثل عمرك لكن الحياة تركتهم على أرصفة شوارعها باعة يتجولون بين العابرين , أو متسكعين في الشوارع .فعلى أي وعد أشعل عمرك ؟
تلك هي الأسئلة المشرعة ولكن أين لها أن تنتهي ؟ وكيف ؟ في أي حلم هذا الذي يمكن أن تحققه لك الأيام .
أيها الناس لا تسألونا عن الأشياء المبهمة التي لا تفهمون مغزاها , لقد حجبتنا الجدران زمنا طويلا عنكم , وأملنا أن يكون زمننا زمن التوحد والخلاص لكي نطفئ زمن الجهل دون أن نسارع في تقديم شهادات مزورة لكي نصل إلى الكراسي دون أن نشعر بالآم الآخرين وجهدهم . فما بين العلم والجهل بون شاسع , جدار يرتفع حد السماء , أين أنت الآن في هذا البون الشاسع منه ؟ وأنت تمتلكين البقاء وهم يمتلكون الخزي والعار . لم يبق أمامنا إلا الكتابة بالوشم لنبصر أنفسنا بلا أقنعة


















