

النغمية القرآنية: بلاغة الإيقاع في القرآن الكريم

د.جاسم محمد صالح الدليمي
حظي الإيقاع باهتمام وافر في الدراسات الأدبية والفنية القديمة والحديثة لصلته الوثيقة بإنتاج الأصوات وتنظيمها والتمييز بينها ، ولكونه عنصرا مهما من عناصر تكوين النص الأدبي والعمل الفني . والإيقاع هو مصدر الفعل أوقع يوقع إيقاعا، وله معان كثيرة ذكرها ابن منظور في لسان العرب ، مادة وقع .وهو من إيقاع اللحن والغناء وأن يوقع الألحان ويبنيها ، فقد ربط الإيقاع بالغناء والألحان، لما للغناء واللّحن من علاقة وثيقة بالشعر.
وقد تباينت دلالات الإيقاع الاصطلاحية – وهي كثيرة ومتنوعة – عند الدارسين بحسب تقديراتهم الأدبية والفنية لوظيفة الإيقاع أو تكوينه في الأدب والفن فضلا عن منطلقاتهم الفكرية في التعاطي مع الإيقاع والنظر اليه بوصفه عنصرا مهما من عناصر تكوين النص الأدبي والعمل الفني . ويبدو ان تعريف ابن سينا للإيقاع أكثرها دقة وضبطا لدلالته حيث يقول (الإيقاع تقدير ما لزمن النقرات، فإن اتُفِقَ أنْ كانت النقرات منغمة كان الإيقاع لحنيا، وإذا اتُفِقَ أنْ كانت النقرات مُحْدِثَةً للحروف المُنْتَظَمِ منها كلامٌ كان الإيقاع شعريا) (ينظر كتاب الشفاء -الموسيقى لابن سينا). فتعريف ابن سينا للإيقاع قائم على مجالين هما: الأول هو بيان الصلة بين الزمن (تقدير ما لزمن) وبين الصوت (نقرات) وهذا يعني وفق فهمنا أن الإيقاع هو الزمن المستغرق لإنتاج الصوت ،
أما الثاني فهو التمييز بين مستويين من الإيقاع بشرط الاتفاق (اتفق) بما يعني شرط النظام الذي تتكون في إطاره النقرات وتنتظم بمساره ليكون هذا النظام معيار التمييز بين مستويين من الإيقاع هما المستوى النغمي اللحني القائم على النقرات المُنْتَجَة نغميا (المنغمة) وهو يرتبط بالغناء ويمكن انتاجه بالألة الموسيقية أو بالصوت الإنساني ، والآخر هو المستوى الشعري المُنْتَجِ وفق النظام الصوتي الإنساني ( النقرات المُحْدِثَةُ للحروف) وهو متصل بإنتاج الكلام الإبداعي وضبط موازينه. ومن هنا يمكن القول إن الإيقاع يقوم على ثلاثة عناصر هي الزمن والصوت والنظام ، وحين يغيب عنصر النظام يُفَقدُ الإيقاع ، بمعنى ان انتاج الصوت بزمن مستغرق معين لا يعني وجود الإيقاع لأنه فاقد لعنصر النظام الذي يحدد شكل الإيقاع ومستواه أدبيا وفنيا.
فضلا عن أن الصوت المنتج بلا نظام لا قيمة ايقاعية له ولا أثرا أدبيا أو فنيا فيه، ولنا في ميزان الشعر دلالة على ذلك حيث يعد البيت مكسورا غير موزون لأنه خرج على نظام تكوين البيت الشعري حسب وزنه وتجاوز ما تسمح به الزحافات والعلل فخروج البيت على الوزن أخرجه من الشعر حسب الميزان الخليلي . يبين الاشتغال التحليلي النقدي لموضوع الإيقاع وبلاغته في إطار أدبية النص القرآني أن إيقاع النص المقدس له عناصره التأسيسية الصوتية التي لا تتقيد بالصوت اللغوي واخراجه وفق طبيعته الصوتية ونظام انتاجه عند الانسان العربي فضلا عن اتصاله بما يليه من الأصوات فقط ، انما تتجاوز ذلك الى خصوصية صوتية ايقاعية تنهض بالمعنى المتداول في الآية الكريمة بين يدي القارئ أولا- سيما اذا كان مجودا – لينشط في التفاعل الوجداني والشعوري والروحي معا.
ثم ينقل ذلك كله الى المتلقي ثانيا ويشيع فيه ما أشاع في نفسه من تفاعل بل ربما يرتقي بالسامع بتأثيرات التشكيل الايقاعي للنص القرآني الى مستوى من السمو الروحي يترقى فيه في مدارج الخشوع ويتسامى عن لحظة وجوده الإنساني الى كيان روحي نقي متصل بالتلاوة ايقاعا ومعنى . تتأسس بلاغة الإيقاع الأدبية في النص القرآني وفق ضوابط القراءة القرآنية – تلاوة وتجويدا – وهذه الضوابط تشكل ظواهر صوتية ايقاعية بنظامها المتقن والمقنن وظيفيا في انتاج الصوت القرآني – حرفا وكلمة وجملة وعبارة -لا يجوز للقارئ الخروج عليها لأنها ذات ارتباط وثيق بمعاني الآيات المباركات التي يتلوها ومن أبرز هذه الظواهر (المد والقصر، الادغام ، الاظهار ، الاخفاء ، الوقف والابتداء ، القطع والوصل ، القلقلة ، الاقلاب ، التفخيم ،الترقيق ….ألخ).
وتُبرز هذه الضوابط أثر بلاغة الإيقاع ووظيفته الجمالية في إطار إقامة أدبية النص القرآني بما يميزها عما قالته العرب وما ستقوله فضلا عن كونها مجال تحد لهم أن يأتوا بمثيل لها أو شبيه لبعضها. وان هذا المستوى من بلاغة الإيقاع وجمالياته التي لم تعهدها العرب في شعرها ونثرها. وهي على جلِّ اهتمامها بالكلام الإبداعي شعرا ونثرا (خطابة وحكما وأمثالا) لم تضع له ضوابط صوتية وفق مكون زمني ايقاعي يتميز بها عن الكلام العادي كما هي ضوابط التلاوة القرآنية. نعم للعرب في شعرها موازين تضبط أقيسته الزمنية وتُكَوِّن ايقاعه بما عرف لاحقا ببحور الشعر أو ميزانه وقافيته التزمها شعراء الجاهلية ومن جاء بعدهم فطرة ايقاعية وزنية تضبطها أذن الشاعر بحساسية عالية دقيقة ويدركها وعيه الشعري الجمالي ويضبط استقامتها وتناسقها في ابيات القصيدة وقافيتها بوصفها مركزا ايقاعيا تستقر عنده القصيدة بأبياتها وتتميز بحرف الروي الأظهر من بين حروف القافية. ان بلاغة الإيقاع بهذا المفهوم تعد عنصرا مهما من عناصر تكوين أدبية النص القرآني، فكما أن للقصيدة نظامها الشعري الذي تقوم عليه فكذلك للنص القرآني نظامه الادبي التكويني الخاص به بل تكوينه المعجز عن ادراك مثله أو بلوغه من لدن الابداع الإنساني شعرا أو نثرا . وتبدو فاعلية الإيقاع القرآني وبلاغته في نسقه الإبداعي، ونمطه الأسلوبي الذي يؤدي وظائف جمالية ومناحي أسلوبية ترنو إليها الأبصار وتنزع إلى بغيتها الآمال ، وتهيم العقول في فصولها المتسقة ، وفرائدها المستعذبة (ينظر ص 145الايقاع القرآني ، دكتور أسامة شكري) .
إن بلاغة الإيقاع في إطار أدبية النص القرآني تؤدي وظيفة جمالية يمكن تسميتها بالنغمية القرآنية المؤداة صوتا وفق ضوابط التلاوة القرآنية واحكامها والظاهرة معنى بنغمة الصوت المُرَتِل الموحية بدلالات النص المقدس المقروء أو المعلنة تعبيريا عن ملامح تلك الدلالات حتى كأن القارئ المجود لآيات الذكر الحكيم يصور المعنى بين يدي السامع وكأن السامع يرى المعنى ماثلا بين عينيه أو في مخيلته المشدودة الى نغمة الصوت والمنجذبة اليها وجدانا والمنفعلة بها شعورا.
ولهذه النغمية ان تتغنى بالذكر الكريم في إطار دلالة الاحاديث النبوية الشريفة المشيرة الى استحباب تحسين الصوت بالقرآن الواردة عن الرسول الكريم (ﷺ( منها قوله (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) (رواه البخاري ومسلم) وغنائيتها ليست طربية مترفة غايتها اللهو والعبث واستعراض قدرات القارئ في التففن بالأداء والتمكن من التنقلات بين المقامات والأنغام بانسجام وتآلف دونما نشاز أو ضعف ، إنما هي تلوينات نغمية تنسجم ودلالات الآيات المباركة فتشتد عند معاني الرهبة والقوة والوعد والوعيد وما يماثلها وتلين عند معاني الأمن والطمأنينة والراحة والأنس وما في سياقها ، فهي نغمية تستظل بالمعنى وأفيائه وتنتجه ايقاعا جماليا.
وأن هذه النغمية تستوعب مستويي الإيقاع – اللحني والشعري – اللذين أشار اليهما ابن سينا في تعريفه للإيقاع في إطار أدبيتها وتتجاوزهما بخصوصية التلاوة القرآنية بضوابطها المذكورة نحو الارتقاء بوظيفة الاصغاء عند المتلقي وتنشط فيه التفاعل الوجداني والشعوري والنفسي مع آيات الذكر الحكيم وتسمو به الى فضاء من الخشوع ترتاح عنده نفسه ويطمئن به قلبه وتشرق روحه بالإيمان واليقين . وهذه النغمية على الرغم من أثرها الجمالي الفاعل في ذات المتلقي تبقى مسورة بقدسية القراءة وإجلالها ولا تصل الى مستوى التطريب الغنائي الذي يفقدها سموها وخشوعها كما أنها تتعالى عن حالة الانتشاء الوجداني الذي يقيمه الانشاد الشعري في المتلقي ويهتز له طربا واعجابا. فالنغمية بهذا الأثر الجمالي أدنى من الطرب لحنا وأعلى من الشعر انشادا. تتوافر بلاغة ايقاع النص القرآني على مجالين: ظاهر وباطن أو معلن ومضمر. أما الإيقاع الظاهر (المعلن) فهو الذي تسمعه الاذن ويصغي اليه السمع، يستجيب الى جرس الأصوات (الحروف) ورنين الكلمات ليتنامى ذلك صوتيا محققا ايقاعا مدركا سمعيا. أما الإيقاع الباطن (المضمر) فهو الذي يحسه القلب بنبضاته فتنتظم به ومعه وتستجيب له المشاعر وتتيقظ به الروح لتذوق المعنى وتدرك المضامين والدلالات التي تتوافر عليها الآيات المباركات.



















