بلازما- حسن النواب

302

حسن النواب

عندما سمعت العائلة الثريَّة من شرفة القصرأنَّ بستاني حديقتهم الغنَّاء يسعل بين حين وآخر، صرخت عليه سيدة القصر أنْ يغادر المكان على الفور، ترك البستاني مقص تقليم الورد على عشب الحديقة وهمَّ منكسر الخاطر بمغادرة القصر، صرخت سيدة القصر به مرة أخرى: خذ جميع لوازمك معك ولاترجع إلا عندما نطلب منك ذلك، حمل البستاني خطواته نحو شرفة القصر فنهرتهُ أنْ لا يقترب أكثر، قال لها متوسلاً سيدتي لو تعطيني أجور عملي لشراء الدواء والطعام، أجابتهُ غاضبة لا أجور لك عندنا هيا أخرج من القصر، ترك البستاني قصر الثري والدمع ينهمر من عينيه، في منزله الطيني ظل معزولا عن أفراد عائلته في حجرة مظلمة، كانت حرارة جسده تتصاعد وسعالهُ أصبح يفزع أطفاله الصغار، حرص على تناول البصل والثوم والخضراوات التي زرعها أمام بيته الطيني، لكن حالته تدهورت فحملته سيارة إسعاف إلى المشفى، وأدخل إلى العناية المركزة بعد أنْ شحَّ الهواء في رئتيه، لم تمض سوى تسعة أيام حتى تحسَّنت حالتهُ  وبرأ من الوباء الذي اكتسح العالم بلا هوادة، وجاءت نتائج الفحوصات المختبرية سلبية، فغادر المشفى مشياً على الأقدام إلى بيته الطيني، في الطريق استرعى انتباهه سيارة إسعاف تخرج من قصر العائلة الثرية بسرعة فائقة وهي تعول بصفَّارة الإنذار وإشارة ضوئية حمراء، فاقترب من القصر ليسأل الحارس الذي أخبره أنَّ سيدَّة القصر تدهورت حالتهما الصحية وحملتها الإسعاف إلى مشفى خاص، وبرغم قساوة تعاملها معه تمنى لها الشفاء، في حين أدخلت سيدة القصر إلى غرفة الإنعاش، وعشرات الأطباء يقفون حول سريرها، كانت في حالة حرجة ونسبة الأوكسجين في الدم تهبط رويداً رويداً والهواء ينحسر من رئتيها، وهذا يعني نهايتها، طلبوا إحضار بلازما الدم على وجه السرعة بمحاولة لإنقاذها، غير أنَّ فصيلة دمها كانت نادرة جدا، ولم يعثروا على بلازما تناسبها برغم استنجادهم بالمشافي الأخرى، في تلك اللحظات الحرجة أمر مدير المشفى الأطباء مراجعة سجل المتعافين عسى أنْ يكون أحدهم يحمل فصيلة دمها، بعد مرور نصف ساعة من التدقيق عثروا على متعافٍ يحمل فصيلة دمها النادرة، فانطلقت سيارة إسعاف إلى عنوان منزله لحمله إلى المشفى، لم يتردد الرجل لحظة واحدة من التبرع بالبلازما، لم يكن يعرف أنَّه سينقذ سيدة القصر من موت أكيد. بعد مرور أسبوعين استعادت سيدة القصرعافيتها وتركت فراش الموت مثل فرس جامح، أخذت تهبُ عطاياها للخدم والفقراء وهي ممتلئة بهجةً وحبورًا، وحين سألت عن المتبرع الذي أنقذها من الموت ووهبها حياةً جديدة بعناية البارئ، سقط مغشيا عليها لمَّا عرفته؛ ما أنْ أفاقت حتى جاءت سيدة القصر بمركبتها الفاخرة لتقف أمام البيت الطيني، دخلت على البستاني وهي تذرف الدمع مع سيل من الاعتذارات، حتى انحنت لتقبيل يده؛ عرضت عليه مايريد، غير أن البستاني رفض جميع مغرياتها وطلب منها أجره الذي لم تدفعه من قبل وتمنى لها السلامة. عندما غادرت منزله الطيني، كانت منذهلة من إيثار وإباء هذا البستاني الفقير؛ مثلما شعرت بضآلة حجمها وانسحاق كبريائها أمام قناعته الراسخة، وأدركت أنَّ كل ثروتها من أطيان وذهب ولآلئ قبض ريح؛ إذْ كانت عاجزة كل هذه الثروة عن بقائها تتنفس هواء الحياة لولا كيس البلازما الذي وهبه لها بستاني قصرها المنيف.

مشاركة