بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية – نعيم الحسينوي

مفاتيح أبواب أسوار نينوى

بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية – نعيم الحسينوي

1

أتحدث هنا في هذه الرؤيا عن مدى تأثير شكل الحرف وعلاقته برؤى الحضارات حين شاهدتهُ لأول مرة مرسوماً بلونه الأحمر في كلمة ( دار ) عندما وزعَ علينا المعلم القراءة الخلدونية لأول مرة في الصف الأول الابتدائي ، في تلد البلاد التي ولدت فيها وما بطلت في اعمارهم من حروب كر وفر ، دفاعية وهجومية . غازية مرة ومرة يجيء اليها الغزاة من اخر الدنيا  الروم والفرس والترك وإنكليز وأمريكان . ومن لحظتها تشكل الهاجس الهندسي الغامض في مخيلتي عن تلك الانحناءات الحادة والمتجاورة بين بعضها لتكون شيئا نؤشر به لمسمى كي نعرفْ ماهيته وشكله ومكانه.

هذه الصور المختلفة للحروف في استقامتها واعوجاجها فتحت أمامي افاقا لتخيل الطاقة والفعل في تلك الخطوط وكأنها تفجر في أعماقي أشياء لا تحصى تبدأ من المعرفة وتنتهي بالإحساس اللذيذ لشيء ما أو الحزن أو الرغبة بالتعبير عن المكنون الذي يولد بغرابة في أحساس بدائية مثل الشعور بالحب والحنان والغضب وغيرها ، وكان الدافع بالتعبير عنها يكبر ويزداد حماسا كلما اكتشفنا أسرار تلك الحروف ودلالاتها.

وكبرت روح الحرف معنا كلما كبرت أجسادنا وتفتحت أذهاننا صوب أشياء لا تحصى في العالم الذي يفتح جهاته الجديدة صوبنا عام بعد عام مع تغير معرفيات النصوص وكتب القراءة التي كانت توزع علينا كل عام دراسي جديد عندما دخلت اليها معارف وقصص ومقالات وقصائد وتجارب لفلاسفة وكتاب ، استطاعوا بالحروف فقط وصياغة معناها الى فلسفات ومعارف وكتب أن يؤسسوا لهم مجدا تفتخر فيه البشرية وبلدانهم الى اليوم . وابتداء من الخامس الابتدائي عرفنا الجاحظ وسقراط والخوارزمي وابن الهيثم والرازي . وحين دخلت الفيزياء والكيمياء والأحياء الى حياتنا بعد الثاني المتوسط عرفنا نيوتن وباسكال وغاليليو ومندل ودارون وغيرهم.

مشاعر خفية

وأعتقد أن إحساسي بغموض الحرف وفعله أبتدأ بشيء من الانتباه والاهتمام والمشاعر الخفية والغامضة لفنتازيا أحسستها بعيدة وشهية ولكني انتمي اليها ، ذلك عندما درست في الصف الاول المتوسط كتاب التأريخ الذي كل مادته وفصوله المدرسية تتحدث عن التأريخ القديم منذ العصر الحجري وحتى انهيار ممالك سومر وبابل وأشور وأكد الى غزو الفرس والرومان والإسكندر المقدوني والأقوام الجبلية الأخرى .

وربما كان الحديث في بعض فصول الكتاب عن الحروف الأكدية أثر في فجر هذا الغامض الذي يسكنني أزاء الحرف ونشأته وتلك الفنتازيا اللذيذة التي كنت أحسها تسكن اللحظة التي تمسك فيها أصابعي الورقة وتصبح في مواجهة الخطوط  المستقيمة والنحيفة ، ليدفعها الغامض المبتهج بطقوس اللحظة لامتلاك خيال هيلامي لفنتازيا من سعادة جمع هذه الحروف في كلمة تفضي الى خاطرة أو كتابة أنشاء أو بداية الإحساس بكتابة الشعر أو سطور غرامية لصبية مثلي تمر منفوشة الشعر ، ولكن خديها أحمرين كحب الرمان . وتأصلَ ذلك العشق الغامض مع ثلاث طقوس وأمكنة حاولت الجمع بينهما من خلال هذا  الإحساس الغريب ، ولكن بعد أن أسرد بدءا طويلا لترحال خيالي مع الحرف الأكدي التنشئة والإحساس والخلق..

سأمضي بعيدا مع الحرف وسومريته واكديته التي أصبحت لغة بلاد أشور الرسمية  التي حملت غموض خليقتها  وأصالتها واحترقت حين احترقت أور وذابت بين الأقوام الجديدة الغازية والمهاجرة واحدة من ارقى الحضارات التي عرفتها البشرية في بداية النهوض المعرفي المدني لأنسان الأرض.

هذه الأمكنة التي يمد معها الحرف المسماري والأكدي والبابلي خيوط المودة الفنتازية ، اكتشفتها أنا منذ صباي عبر ثلاثة محطات .

الأولى :السفرات المدرسية التي كانت مدرستنا تقوم بها الى مدينة أور الأثرية ، والرحلة ترتبط بذاكرتي بصورة الباص الفولفو الخشبي الذي ينقلنا وسائقه العجوز الذي لا ينفك من الغناء حين يصل محطة قطار أور القديمة ليغني بصوت عال : أيها الريل لا تصرخ …أخشى أن توقظ السمراء .

وفي هذه السفرات الأسطورية وقعت عيناي لأول مرة على الحروف الأكدية التي كانت مكتوبة على طابوق المعابد والزقورة وما تبقى من قصر الملك شولكي وبيت المحكمة . واخبرنا معلم التاريخ ان المسمارية كانت حروف اهل اور وما جاورها ، ولكن الحرف الأكدي الذي كتب به الآشوريون ذهب الى أماكن ابعد .

كتابات توقظ في الروح أسئلة التفكير عن شكل الحرف وعطره  وقدرته على صنع كل هذا الإرث والمنجز المثير ، حيث كان مدرس التأريخ يشرح لنا ونحن جالسون على سلالم الزقورة

عن عالم يفتح أفاق الوصول الى نشوة الحجر والطين وهو يلامس الحرف ليشيدون سوية هذا الإرث الهائل من الملاحم والأساطير والمعابد ونظم السقي وفنون النحت والموسيقى والكتابة الأدبية وصياغة الحلي وصنع الأكيال وكتابة نُظم التشريع الأولى.

المحطة الثانية في صباي كانت لمشاهدتي الأولى لأثار النمرود ونينوى في اول سفرة طويلة في حياتي ضمن نشاط كشفي في مدينة الحضر ، حيث زرنا الآثار الآشورية وشاهدت في الرُقم الطينية والثيران المجنحة وما حوته بعض الواح مكتبة آشور بانيبال من أدبيات تلك الحروف وهي ترسم بحيرتها ودموعها ذات المغزى لواقع المأساة التي انتقلت من أور الى نينوى ، لتحترقا معا بسبب نشوة المجد وتحول الحرف من قصيدة وتلاوات دينية الى سيف يتمنى ضم المزيد من البلدان.

طالما تخيلت مكتبة اشور بانبيال وما تحويه ، واعرف انها لم تنهب وقت غزو نينوى وأحراقها سنة 611 ق.م .بل انها تهدمت وانهالت على رفوفها اعمدة وهياكل قاعتها الواسعة وبقيت لآلاف الاعوام مدثرة تحت الصخر والتراب وهي تحمل كل ارث ذلك العالم القديم ومصنفة بجهد علمي غريب يساوي تماما الفهرست العلمية التي تمارسها مكتبات العالم الحديث . من تصنيفات وترتيب ونضد ، واظن انها كانت مكانا مفتوحا لمن يريد ان يطلع ويقرأ ،ومن خلال شعوري ان الملك الآشوري كان مولعا باقتناء الكتب التي كان معظمها عبارة عن الواح من الطين والصخر تم جلبها من الحضارات المحيطة واهمها الحضارة البابلية والفرعونية والسومرية والكنعانية والفينيقية ، وحتى من اعالي سوريا حيث مثلت حضارة الهة أوغاريت نمطا حسيا وذهنيا كبيرا لروح هذا العالم . وهذا الأوقات كان للملك اشور بانيبال فيها خلوة القراءة ومراجعة ما اكتنزه من كتب جديدة وهناك قسما مهما فيها يسمى مكتبة الملك .

زهو الحرف

وفي هذا الجناح الملكي عشت اطياف تخيل زهو الحرف الأكدى ومعانيه وقد اتى الحرف من ظلال الامكنة السومرية حيث ساد الحكم الأكدي وكان ملكهم سرجون هو من امتلك زهو السيف والكلمة ، واول من اطلق على نفسه لقب ملك الجهات الأربع.

ولا ادري لماذا لجأ الآشوريون الى الأكدية ولم يبتكروا لغة خاصة بهم ، وربما في الجناح الملكي كان اشور بانيبال يراقص اخيله الحرف ببهجة ما كان يتمناه ليحققه الى شعبه مع رؤى المادة الغزيرة في تلك الألوان وقد قسمت بترتيب المفاهيم والعلوم التي كانت تحتويها . وهي مقسمة كمصنفات اولا .تواريخ الأدب وعصوره .واغلبه ادب اشور والأمم التي غزتها والتي تعاملت معها تجاريا وحضاريا وثقافيا. ثم المكتبة الخاصة بالملك اشور بانيبال وهو ما كنت اتخيله ووكنت اسميه بمكتبة الخلوة ، فعندما تتوقف الحياة الرسمية ومراسيمها وادارة دفة الحكم في نهار كامل يعود الملك الآشوري ليشعل القناديل والشموع الكبيرة في الجزء المهم بالمكتبة والملحق بالقصر الملكي ليقرأ وينهل من اشعر الامم وحكايات شعوب يتخيل ان من بعض احلامه ان يقيم معها مودة حضارية .الاغريق والرومان والفرس وشعوب بلاد الاناضول وممالك الاله رع وامنون .وربما كان يعرف الكثير من خلال ما وجده في مدونات مملكته الخاصة عن بابل وشرائعا وتواريخ السبي البابلي لاورشليم ، واظن انه كان يفقه ان تلك الشرائع والاحكام ينبغي ان يتم الافادة منها ، ووفق ما تم العثور عليه في هذا القسم لهذا كان الشغف في القراءة والمطالعة هو ما جعل الملك الآشوري يذهب الى مكتبته يوميا ويرى الجديد فيها والذي يحمله السعاة يوميا اليها عبر القوافل القادمة من جهة الشرق او الغرب وكان يكرمهم ويرسلهم مباشرة الى بيت المال ليستلموا ماقرره هو لمكافئتهم وسبق وان نقلنا نصا مأخوذا عن واحد من الألواح يتعامل فيه الملك الآشوري مع ولاته وسعاته وبنص الرسالة التالي  : “عندما تستلم رسالتي خذ معك هؤلاء الرجال والمثقفين وفتش عن الألواح الثمينة. وعندما ترى أي لوح أو أي طقس على لوح لم أكتب لك عنه ولكن تعتقد أنه مفيد ليكون في قصري. ابحث عنه، التقطه، وابعثه ليّ”.

وعلى هدى رسالة الملك الآشوري كان عالم الآشوريات (ليو أوبنهايم )يردد    بحق الملك آشور بانيبال، ما ذكره آشور بانيبال عن نفسه، بزهو وبلاغة وتفاخر ، عندما  يقول: احتفظت بكل المعارف الأولية بدءاً من السومريين، ودرست حكمة نابو واكتسبت فن الكتابة ومعرفة معظم الحكماء، وتعلمت رماية القوس والفروسية وقيادة العربات. وهكذا استطعت قراءة النصوص السومرية الغامضة والأكدية المعقدة وبحثت في الكتابة المسمارية على الحجر من قبل الطوفان .

وفق تلك الرؤيا علينا ان نتخيل لحظات سعادة الملك في مكتبته وهو يعيش الهامات الأدب وحكايات ومواثيق والادعية التي كانت ترددها الشعوب الى الهتنها ، مما وفر له قدرة فكرية وحكيمة ليحكم بلاده بالعدل والثبات والقوة .وربما بسبب وجود ملك يخلفه بذات الحكمة والتعلم تعرضت نينوى الى هجمات المتربصين بها وبمجدها فدارت عليها دوائر القدر من كل ناحية وتم سقوطها واحراق عاصمتها سنة 611 قبل الميلاد عندما ذكر التأريخ ان الاقوام المحيطة والمتربصة توحدت في شعورها ان المملكة بدا الوهن يصيبها بعد موت اخر ملوكها الاقوياء اشور بانبيال فقررت ان تبدا بغزوها الكبير وتنهي والى الابد حضارة عريقة وعميقة كان يمكنها ان تبقى واحدة من مفاخر الحضارة الرافدينية في العهود القديم.

لم ازل في جناح مكتبة الملك أتفحص ما يتفحصه هو  وكل رعاياه الى حجابه ومريديه ووزراءه والولاة أن الكتاب حروف الروح إن أرادت ان تكون عادلة مع رعيتها .

كان المنقب وعالم الاثار هنري لايارد او من اكتشف المكتبة وألواحها اثناء تنقيبه في قصر االملك الآشوري سنحاريب .وقد سكنته الدهشة وهو يجد الاف المدونات في الواح مكتوبة باللغة السومرية والأكدية في اغلبها ، لكن من اكتشف المكتبة الملكية الخاصة لاشور بانيبال هو المنقب العراقي الاثوري هرمز رسام، مساعد لايارد عام 1852 ميلادية.

وعلي ان اتخيل هرمز في تجواله بين اطلال مكتبة تهدمت رفوفها وصدى سنابل الخيل الغازية والنداءات الهمجية للغزاة تكسر بأقدام خيولها الحجر الدامع تحتها ،فهم لم يدركوا ثمن الكنوز التي تدمرها اقدام الجياد والنيران التي أشعلوها في كل مكان من القصر الملكي وكان نحيب ساردنابال اخر ملوك عاشور يتصاعد مع فوضى المحاربين وهم ينهبون بكنوز العاصمة ويتركون الكتب تتكسر تحت هو تدمير الاعمدة والسقوف لتلك المكتبة العظيمة التي افرد الملك له منها جناحا خاصا يأوي اليه كلما اراد راحة فكرية لروحه وجسده.

وأظن ان هذا الإرث الذي صنع الدهش لدى هرمز ولايارد واستمرا فيه جهد تصنيفها وإخراجها والحفاظ على ما تبقى منها لاكثر من اربع سنوات ، كنت في قراءاتي لفترة تلك الكشوفات أتخيل ما كان الحرف الأكدى والسومري يضيء فيه وهو يدون تفاصيل الموهبة الإنسانية الأولى في الأدب حيث تم كتابة الأساطير السومرية باللغة الأكدية ومعها تم كتابة تفاصيل نظريات الوعي الإنساني الاول في الرياضيات والفلك وصناعة العجلات والآلات الموسيقية ومنها قيثارة اور وملكتها شبعاد ، وايضا كان في الواح مكتبة الملك الآشوري الكثير من خرائط جهات العالم وهندسيات لتقنية السدود والطرق وهندسة بناء الأسوار والمعابد ، وهناك جناح خاص في المكتبة للشرائع ونظم الحكم وأوزان المكاييل وقوانين الردع والإصلاح الاجتماعي ووصايا الآلهة والملوك والحكماء وكبار الكهنة حيث كان جزء من مكتبة اشور بانيبال ما يطلق عليه مكتبة المعبد ، وهي الألواح التي حفلت بطقوس الأدعية والطلاسم والحكايات والمراسيم التي تنظم علاقة اهل ذلك الزمان بالإلهة التي اعتنقوا رؤاها وقدرتها الغيبية مثل ننار اله القمر عند اهل اور ومردوخ اله مدينة بابل وآنو اله السماء وسيد الهة بلاد الرافدين وأشور الاله الاول في مملكة اشور.

لكن مكتبة التاريخ الأدبي هي من اهم اقسام تلك المكتبة العظيمة ففيها كانت تدوينات الحروف السومرية والأكدية ترسم توهجا غريبا لاحلام اشور وهي تريد ان تتعلم ما حفلت به الاسرار والأساطير والملاحم ونصوص الشعر والفلسفة .

ولان الأدب القديم كان في اغلبه شفاهيا فقد حرص الملك المثقف ان يدون تلك الحكايات والأشعار من افواه رواتها ، واظن ان بانبيال كان قد شجع كثيرا لفتح مدارسا للعلم والمنطق كتلك التي كانت تشتهر فيه اثنيا القديمة وكان هناك حكماء وعلماء حاول الملك ان يجلبهم ليكونوا قيميين على مكتبته العظيمة.قسم جديد من اقسام المكتبة التي وقت اكتشافها من قبل لايارد وهرمز الرسام كانت تحتوي على اكثر من 30000 الف هو قسم المواثيق والعهود ، وفي تراجم البريطانيين لهذا القسم عندما تم نقل الألواح الى بريطانيا عبر قوافل البغال والجمال وقد استعان لايارد باهل الجزيرة والبدو في الموصول وتم نقل الألواح بقوافل من الجمال والبغال الى مرسى على ضفاف دجلة في مدينة الموصل ومنها تم نقلها الى البصرة في جنوب العراق ومن ثم الى سفن شركة الهند الشرقية الى ميناء الفاو ومن ثم الى شواطئ البحر الأحمر ومن ثمة الى قناة السويس ومنها الى اوربا حيث وصلت تلك الألواح سالمة وتم دراستها وقد اظهر قسم المواثيق والعهود .أحدثت قراءة الرُقم والألواح وكل المدونات وبواسطة خبراء وعلماء أثار من الذين عرفوا فك لغز قراءة اللغة الأكدية والسومرية والبابلية ، والتي بلغ عددها في حينه حوالي 30 ألف قطعة، ما يشبه الثورة الفكرية والعلمية واللغوية في قراءة تاريخ الحضاري لمنطقة وادي والرافدين والشرق الاوسط  والعالم القديم بجزئية الأوربي والآسيوي ، ذلك لأن   شواطئ وانهر العراق والمتمثلة بنهري دجلة والفرات هي التي شهدت مع حوض النيل ولادة تأسيس الإنسان القديم للقرى واحتراف الزراعة واختراع الدولاب وعلوم الفلك والتنجيم والتعدين والأرقام وسواها من المعارف الاخرى  غير ان الأهم هو ما كشفته تلك الاثريات والألواح  من عمق حضاري وضع نصوص العهد القديم في موضعها الثانوي كمصدر للتاريخ القديم للعبرانيين وغيرهم. فقد تبين من تلك النصوص أن قصة الخلق وطوفان نوح وغيرها من القصص، والتي ألهبت مشاعر الغرب، موجودة قبل مئات السنين وأكثر من كتابة التوراة، وأن مصدر التوراة في تلك الجوانب هم أهل العراق القدامى الذين أخذ عنهم العبرانيون هذه القصص خلال الأسر البابلي المعروف. كما أطاحت أسطورة جلجامش بالموقع الريادي الذي كانت تحتله إلياذة هوميروس وطروادة وغيرهما، على اعتبار المصدر اليوناني هو المعَلم التأسيسي الأول للثقافة شعراً وانجازات ابداعية علمية وثقافية وفي كافة المجالات احدات علمية

كان فك مشفرات الألواح التي احتوتها المكتبة واحدا من اهم الأجداث العلمية والفكرية في ذلك العالم ومن خلالها تم الاطلاع على الكثير من طقوس الحياة اليومية للعالم القديم .فالمكتبة تحوي في مواثيق ومراسلات رسمية وكل ما حاول فيه ملوك سومر ان ينظموا فيه العلاقات العامة والاجتماعية والاقتصادية فلقد اكتشف العالم ان الألواح حملت معها تراث العالم الوجودي والغيبي لعوالم شعوب المنطقة .وانهم لم يكتسبوا تلك العلوم ومدوناتها بالغزو فقط بل كانوا يشترون هذا الارث من اسواق ومزادات خاصة وكل الذين يوفدهم كانوا اشبه بالجوالين يذهبون مع القوافل الى مدن الشرق القديم مصر واورشليم وسوريا وبابل وجنوبها وولايات الاناضول وحتى مكان التي هي عمان اليوم وشمالا حتى ارمينيا ويقال ان لأشور تجارة مع الهند ايضا عبر شواطئ جنوب مدن بابل.فلقد تم ترجمت المئات من المواثيق التي تنظم العلاقة بين اشور التي كانت لاتضع شروطا قاسية بالرغم انها كانت تنتصر في حروبها

، وماكان يصر عليه اشور بانبيال هو تنظيم العلاقات التجارية عبر عهود ممهورة بختمه وبختم من يتعاقد معه ، واهم ما وجد المترجمون لتلك الألواح هي عمليات تجارية لبيع القمح وحديد السيوف والتروس والزيت وغلال الفاكهة والنحاس والذهب والقصدير والخمور والاحجار الكريمة والخشب ومواد اخرى.

وهي كما مواثيق العصر الحديث تتحدث عن التزامات وشروط تكفل حقوق الاطراف المتعاقدة . ومدد زمنية للتعاقد ونوضع عليها الاختام وما يترتب على من يخالف العقد ولا يلتزم ببنوده.

انها مواثيق العقل والانصاف والحكمة ومعها كانت المواثيق التي تفرزها الحروب وما يترتب على الخاسر والمنتصر .

فيما كانت المراسلات الملكية هي اخر اقسام المكتبة العظيمة وأظهرت التراجم مقدار حرص ملوك اشور على الاهتمام بمراسلاتهم الملكية وتوثقيها وفيها جانب مهم من اسرار الحياة الملكية وقراراتها عندما كان الملك يأمر الولاة والمستشارين وحتى العرافين .

لقد كشفت تلك الجهة من المكتبة ما كان يحرص اللوك على تدوينه وحتى حوليات سنحاريب التي حملت جزءا من تفكير الملك ورغبته بجعل فترة حكمة خالدة والى الابد هي جزء من تلك المراسلات التي تم تدوينها على مؤشرين عرفها العالم وبالشكل وكانت نصوصهما اضافة فكرية وروحية الى التراث العالمي القديم .

 كما يرد تعريفها في مصدر الحديث عن تاريخ العراق العظيم ضمن منشورات المتحف العراقي وغيره من المصادر الذي اشير فيها الى تعريف حوليات سنحاريب وتاثيرها في الدراسات الآشورية في هذا العصر على انها جزء من اسفار الملك سنحاريب ومنجزاته في اعماله الرورحية والعسكرية ويعرفان بالشكل التالي :

هما موشورين من الطين المشوي، آشوريين كل منهما له ستة جوانب عليها نصوص تاريخية مكتوبة بالأكدية ويعود تاريخهما إلى عهد الملك الآشوري سنحاريب فيهما أخبار عن أحداث من 701 إلى 681 قبل الميلاد .

تمت كتابة الموشوران على أنهما وثيقتا “حجر الأساس” لتوثيق أعمال سنحاريب أمام الآلهة والأجيال القادمة .

اليوم هما بمثابة شهادات مهمة للتاريخ الآشوري وكذلك للتاريخ اليهودي ذلك أن وصف حصار اورشليم في عهد الملك حزقيا (701 قبل الميلاد) مذكورًا وهو ما يرد أيضا في التناخ يعد الموشوران من بين الأدلة الثلاثة التي خلفها الملك الآشوري حول حملته ضد يهوذا .

– موشور تايلور :

هو موشور بارتفاع 38.5 سم و عرض 16.5 سم بستة جوانب مصنوعة من الطين المشوي وقد تم اكتشافه في العاصمة الآشورية نينوى وحصل عليها القنصل البريطاني العام في بغداد العقيد جون جورج تايلور(1790-1852) في عام 1830 سميت باسمه عندما باعته أرملته إلى المتحف البريطاني في لندن في عام 1855 ومنذ ذلك الحين، يتواجد موشور تايلور هناك كواحد من أولى الوثائق النصية الآشورية الكبيرة لعب أيضًا دورًا مهمًا في فك رموز الكتابة المسمارية .

موشور شيكاغو

هو موشور بارتفاع 38 سم ارتفاع وعرض 14 سم كذلك تم التنقيب عنه في أنقاض نينوى تم بيعه لتجار الفن في بغداد في شتاء 1919- 1920 وهو الآن في المعهد الشرقي في شيكاغو

حروف الكتب في مكتبة بانيبال هي من جمعت حسي الصبياني الشهي يوم لامست رعشة أصابعي الحروف الأكدية والمسمارية المكتوبة على الآجر المفخور في ما تبقى من شواخص أور الأثرية.

جمعت ذاكرة بأنيبال الآشوري بمواهب ملك سومري مثقف مثل شولكي الذي يكتب الشعر ويعزف بأكثر من أربع آلات موسيقية ، هو جمع للفتنة المتقاربة بين تأريخين ، وتسكنهم فنتازيا حرف أقف عنده طويلا وأتأمله في هاجس صباي ويكبر معي ليشكل جدارا كبيرا في معبد ثقافتي .

الملكان اللذان تجمعهما ثقافة اللوح التي اندثرت لآف السنين ثم ظهرت على أيدي المنقبين ومعاولهم ليبدأ العالم يعيش تأثيرات هذا الكنز الحضاري من المعرفية والفن والمقارن اللاهوتي وليكتشف أن جميع المدونات السماوية منذ أزمنة الحوليات والبرديات  والتوراة في كل عهودها والاصحاحات الإنجيلية والتوراتية وحتى القرآن الكريم ، كانت هناك القصص والإشارات الواضحة والمقارنة التي تجمع نصوص تلك المدونات الأثرية بكتب السماء ، وقارئ الأساطير الأكدية والبابلية والآشورية سيكتشف هذا .

وكم تمنيت أن أحمل رجفة تلك الاصابع التي دون فيها الانسان العراقي القديم حروفه الأكدية على الواح الطين والحجر وبوابات المعابد وقصور الملوك لأكتب شفاعة ونذرا اتمناه على زاوية الضريح الكلسي لمرقد يونس وكل الأولياء في خارطة الوطن المدجن بالقصائد والحروب . طالبا منه النجاح بعد ان كنت مكملا في درس الرياضيات في الدور الأول ، وكانت أمي خلفي تهمس لي:

أطلب من الله أن يزيل عنكَ محنة الحساب وتذهب مع ابن الجيران الى صف آخر  و لا تجعلني محرجة أمامهن.

همست للضريح : أرجوك يا الهي ، لا تحرج أمي…!

جمع الحروف في مكان يؤثثه الصاج والعاج والذهب والسجاد الشيرازي الثمين ظل يلازم روح المخيلة ويسجل في فواصلها الكثير من المواقف ، وأي موقف ومحطة لما بعد تلك اللحظات التي كنت اشعر فيها باللقاء الروحي لتلك الأمكنة الثلاث ، أنما هو نتاج ثقافة ذلك الاحساس وبيئته ، وفي كل ما كنت اعيشه وأدونه عبر مراحل المدرسة والجندية وتكوين العائلة وكتابة الشعر والقصة والرواية والخاطرة والمقال ورسائل الحب.

لهذا كان الحرف يعيش معي ، يتوأم الهواجس في لحظاتها ، ويمضي ليؤرشف بالقلم أو أصابع الكيبورد كل تلك اللحظات التي سجلت فيها فواصل ما كنت اسجله في حياتي ، كتبي وأوراقي والمخاطبات الرسمية والرسائل التي كنت أكتبها لأصدقائي الجنود نيابة عنهم عندما يشدهم الحنين الى ذويهم وزوجاتهم وحبيباتهم.

وكنت أشعر أن كل الرسائل التي كنت اكتبها ، كان الحرف المسماري يلون هاجسها ومشاعرها حتى وهي تكتب بحروف عربية بليغة أو بلهجة شعبية حين يدفعني الحنين لتذكر وجه امرأة ما واكتب لها قصيدة عامية ، حيث ( هنا ) يقرب ضوء الحرف المسماري من روح الجملة الجلفية التي تبدو قريبة اليه من الجملة الفصيحة كثيرا.

أبتعد عن مناخات اللقيا بين الأمكنة وحروفها ومشاعرها وطقوسها ، وأعود الى الحرف المسماري ، أعيد تأمله ، وأنتشي مع تواريخه وخواطره وتفكيره ، وأمضي لأسجل في التفاصيل عالماً من أخيلة ذكرياتي وطفولتي وموهبة صباي وثقافتي.

أدرسه بطريقة أفترضها أنا وأتخيلها ، لأبتعد عن كل ما تكتبه الدراسات العلمية والمحكمة والاثارية ، لأتخذ من خط السير في محاذاتها حتى أكتشفها عن قرب حتى لا اشعر أني اكتب افكارا لا تمت بصلة لواقع الحرف وتاريخيته.

لهذا تسجل رؤيا الحرف المسماري هنا ، موسيقى ما كان يشعرني لحنه بغموض وشهوة تخيل ورسم عوالم الصورة لحكايات وأساطير ممتعة كانت تجعل من ليلي في صباه وطفولته ليلا تأمليا ومجيدا……..!

هذا المسمار العالق بشفاه الطير ، والذي يتماسك وليبقى معناه ازليا حين يشوى في النار ويتصلب.

ينتهي الحرف الأكدي كما ينتهي شكل المسمار ، وهو حرفٌ يفكر بهاجس جنوبي ، ولكنه مع الطين والحجر البدء المعرفي والتدين ونشوء الحرف ، وتم أكتشافه لأول مرة يوم ولدت حاجة الأنسان ليتصلَ مع السماء ، لهذا اكتملت غايته في مرحلة واحدة ولكن التعبير الجمعي وتطور الشكل والدلالة والمغزى مرَ بأكثر من شكل ومرحلة ، وحتى في شكل الحرف المسماري الصوري كانت انحناءته الحادة موجودة وبشكل مدبب ، وكأنها نهاية رمح أو سهم ، وكأن الأنسان أراد في هذه النهاية أن يصيب كبد الحقيقة فيما تفترضها مخيلته في هاجس الكتابة للوصول الى قناعات عبر اسئلة وأجوبة معبر عنها بالتوثيق، وربما من أجل هذا أستعجل الأنسان الأكدي اختراع الحرف وتطوير مراحله الكتابية. ويبدو أن ولادة الحرف وشكله الذي ظهر للعالم ليكون شارة البدء للذاكرة المعرفية لتكون الخطوة الحضارية الاولى على الارض ، فكانت بداية التفاهم الحقيقي بين الانسان والطبيعة والتي اقترنت بسهولة الكتابة بين نهاية اول قلم للتدوين وهو حجر الصوان ، واول لوح كتابة وهو الطين.

أتخيل العلاقة الروحية بين الحرف المسماري والطين ، فهي علاقة فنتازية بامتياز أثمرت عن ولادة ارهصات لاتحصى بين الشعر وتأليف الأساطير ومدائح الالهة وكتابة الاغاني والتعاويذ ومعادلات الرياضيات وطلاسم التنجيم ورسائل امراء السلالات الى ولاتهم في المدن الاخرى.

هذه الفنتازيا بين الحرف ورائحة الطين أيقظت فصول حلم اللغة كما يوقظ العشق في القلوب الحنين ، ولقد شكلت هذه المودة بين مقدمة الحجر وخد الطين الامتداد الحضاري الرائع لحضارة بلاد مابين النهرين ( ميزوبوتاميا ) ليتأسس مجد السِر والمسلات وملوك الجهات الاربع ومكتشفي رحلات الخلود .

فنتازيا موغلة بأزمنةٍ تحمل عطر اجتهاد البشر في اكتشاف الحقائق الجديدة ، لتعيش لحظة المقارن الساحر بين تفكير الباطن والظاهر ولتنشئ روحها ومخيلتها واجتهادها  الفطري براءة الاخيلة البعيدة ولتنشأ لها في العلى عروشا للآلهة واقبية فردوس يسبح في وهم صولجانات الملوك وتيجانهم حتى وهم يرحلون موتى مع نذورهم البشرية وضاربات قيثارات الموسيقى وجرار الخمر والماء والخراف المشوية والمكاحل وكؤوس النذر النحاسية التي جُلبَ معدنها من منطقة مَكْانْ ( سلطنة عُمانْ حاليا ).

وعي لإشكالية الحب بين الحرف والطين وضعت في شبابيك الخيال أسئلة التأمل لما تشاهد العين لتبتكر المكان القصي للعيش الرغيد والخالد فكأن أن كتب الحرف المسماري ملحمة الطوفان والخلود والرؤى الاخرى التي ابتكر معها الشكل الهادئ والخيالي والساحر للمكان الازلي ، فكانت دلمون من بعض نتاجات اخيلة الحرف الأكدي وعقله الفنتازي الذي بدأ يبتكر الرؤى ويجسدها اشكالاً وملاحما وأساطيراً مكتوبة على شكل قصائد ومدائح وتعاويذ وأغاني.

لا أدري لماذا أشعر أن الحرف عندما يولد بشكله الأول انما يريد أن يثبت وجودا خالدا له بين الذاكرة ومقدمة القلم الذي يدونه ، هكذا بدا تشكيل فنتازيا الحرف في مخيلتي حتى في قراءات دلالات ما كان الأنسان يرسمه على جدران الكهوف او ما ينحتهُ من تماثيل بدائية للآلهة او نساء يحملن على صدورهن نهود كبيرة.

فالحروف هي كائنات حية تتحرك بين عقولنا واصابعنا ، مثلما تتحرك الموجة على سطح النهر ، وهي تنطق بخيالات وأوهام وحقائق وقصائد ومعادلات .

أذن هو ( الحرف ) يمثل الرائية الكونية عبر الفعل ورد الفعل والتعبير عنها منذ الإيماءة والإشارة وانتهاء بالكتابة الحروفية التي ما زالت بالرغم من تطور وسائل الاتصال ( السوشيل ميديا ) والانترنيت ، لكنها لن تتمم رسالتها العولمية الجديدة دون الكيبورد وحروفه .

فكانت اللغة المتجمعة في معناها من دلالات حروفها تمثل الوجود الحضاري بكله ، ولولاها لتحولنا الى جراد يلتهم بعضنا بعضا ، لأن اللغة عندما تختفي يولد القحط ، وتجف العقول ونعود ادراجنا الى الحياة التي لم تكن مهجنة أنما حياة غاب وكهوف وسيوف حجرية ومصائد لدببة وخيول وارانب وثعالب.

لقد أستجاب الحرف لفعل المخيلة الأنسانية بشكلٍ أيجابي ، وكان لتلك الايجابية الأثر الكبير في التحولات الاجتماعية التي نقلت الانسان من الكهف المظلم الى فضاء القرية ثم المدينة ، ولتبدأ الحياة الانسانية مرحلة رقي نحو الافضل حيث تعودت على انماط وسلوكية مجتمعية حديثة مع متغيرات الذهن وابتكاراته التصاعدية التي انتهت الى عصر التقدم التكنلوجي هذا.

ولأن  اكتشاف الحرف طفرة حياتية في متغير النمط السلوكي في العيش أورثت للعالم الاداء التقني الذي كان بدائيا وبسيطا ثم الى أن وصل الى مركبات الفضاء وتطور عالم البرامجيات والمعلوماتية ووسائل الاتصال.

فنتازيا بدأت مثل طقوس غرام بين عقل يتأمل وعليه أن يفعل شيئا أزاء جبروت وهيبة وسطوة ما يراه ويعيشه ، رهبة الزرقة التي تعتليه بلا نهايات ، البرق والرعد والمطر ، ايقاع بريق النجوم ومواعيد اشراقات القمر ، الطوفانات والزلازل وهيجان البحر ، سطوة الريح وجمال الشفق والغسق والعطر القادم من الوردة .

أشياء وظواهر وتمثالات خلقت الظن والشك ورغبة الاكتشاف في أحساس مثير وغامض قاد الانسان ليذهب الى ما يجعله سعيدا وراغبا بهذه الحياة الجديدة التي تطورت فيها حياته من عالم بدائية الاكل النيء ، الى الشواء والقمح ثم الموائد.

هذه المتغيرات كان يلزمها وسيلة تواصل ومخاطبات ، وربما الحضارة الأكدية أظهرت الصورة الرائعة لهذا التواصل من خلال الأداء الجميل للحرف وتعبيراته من خلال ربط الحرف بالأدراك البشري ــ الذهني والعقلي لتكتشف الكثير من ابداعات الجمال مثل طقوس العبادة الاولى والشعر والبيع والشراء وتنصيب الملوك والامراء وكتابة البريد الرسمي على الواح الطين والتعامل مع الافلاك والنجوم والقوانين التي دونت على مسلات الحجر لتكون البدايات الاولى للدساتير .

الحرف المسماري حرف اكتشفه اهل سومر الذين استوطنوا جنوب بلاد الرافدين والتي سميت في العهد القديم ارض شنعار وبعض مناطق اعالي الفرات .

نستطيع أن نحكم على الازمنة التي عاش فيها الأكديون انها ازمنة واعية وذات حضور تأريخي مستوح من نمط تفكيرها بأكتشاف طرائق الحياة الجديدة ، وأن الذي دون على الألواح والمسلات إنما انعكاس لطفرة عقلية عالية الاداء والتفكير وخصوصا في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمشاعر الميتافيزيقية فيما يخص الموت والحياة والتفكير بالعالم الاخر وتخيل موجوداته من الهة وامكنة فردوس وغير ذلك.

أظن أن الذاكرة الأكدية وسط هذه الهالة العظيمة من المنجز المتطور الذي اظهرته الألواح ومسلات الحجر تمتلك افاقا واسعة ربما  تظهر لنا بعد ، وما شهدناه سوى خمسة في المئة اظهره لنا السير ليوناردو وولي في كشوفاته الاثرية في مدينة أور في عشرينات القرن الماضي ، فيما تؤكد الدارسات الاثارية والمسوحات الحديثة أن خمس وتسعين بالمئة من هذا الاثر المدهش لم يظهر بعد. وحتما سيرينا الحرف الأكدي الكثير من فنتازياته الرائعة في انسيابيته وبروزه الحاد ، وربما يكمن خلفه أرث يأخذ منا لُبْ الدهشة  ويرينا عالما فنتازيا يقترن بالسحر ويوتيبيا وما تملكه دلمون من صفات لتكون هي ( الجنة الأكدية ) حيث وضع لها افقا من المسافة الجغرافية المتخيلة ليكون موقعها في بلاد مملكة البحرين الحالية حيث زرقة مياه الخليج ومستعمرات اللؤلؤ وآثار واحات شاسعة من غابات النخيل والسدر.

هذا الحرف الذي حقق للشخصية الأكدية يقظتها من سبات عصور بدائية وربما انعكس هذا على شعوب المنطقة كلها ، وهذا ما يتفق تماما مع مقولة نوفاليس :(( حينما نحلم إننا نحلم ، فأن اليقظة تمسيَّ وشيكة )).

لقد ايقظ الحرف الشعوب من غفوة بدائية طال امدها وسنناقش هنا تأثيرات الحرف من خلال مقولة للشاعر المكسيكي اكتافيو باث الحائز على جائزة نوبل والقائلة :

((تشهد الشعوب التي تحيا في طور النمو شيئا مماثلا ، إذ تبرز لها كينونتها السؤال دوما . ماهي ماهيتنا هذه ؟ إلا أن التاريخ غالبا ما يفند أجابتانا عن هذه الاسئلة فيما يدعي ( عبقرية الشعوب ) التي هي مجموعة من ردود الأفعال االتي يستثيرها باحث معين))

وعبر هذا الرأي أضع الحرف الأكدي في خانة الرائية الأولى التي صنعت عبقرية الشعوب منذ أن لامس خد الطين وحتى الزمن الذي توقف فيه التعبير برسمه ومعناه وتحولت الحروف الى صور وابجديات ولغات أخرى.

روح الحرف هي مزيج من روح الانسان والطبيعة التي تجاوره ، وربما البيئة الطبيعية هي من توحي اليه   ليخلق ويخترع ويكتشف التعابير الجديدة التي يمكنه التعامل بها مع المؤثرات التي حوله وأعتقد أن جميع الحروف التي اخترعتها المجموعات البشرية الاولى في العراق الأكدي والأكدي ومصر الفرعونية والشام الفينيقي والكنعاني والاوغاريتي والجزيرة والشمال الافريقي الامازيغي واليمن السبئي والحميري واليونان الاغريقي وأيران الفارسي وفي الصين والهند وغيرها تمثل في محصلتها حقيقة واحدة أن الحس البشري وطبيعته وسلوكه وانتماءه موحدا في كل بقاع الارض ، لكن التعابير اختلفت بسبب بًعد المسافة واختلاف الجغرافيات وطبيعة التكوين الاجتماعي والجسدي ايضا

بين هذه المكتشفات اللغوية رسم الحرف له وجودا وقدرية حزينة ربما اضمحلت ليس مع تطور الكتابة وحروفها ، بل مع النهايات المأساوية التي انتهت اليها سلالات اور بعد الغزو العيلامي وأحراق مدينة أور في عهد آخر ملوك السلالة الثالثة آبي ــ سين الذي مات منتحرا ، في قدرية تشابهت واحدة مثلها عندما احتراق نينوى وانتحار ملكها الآشوري ساردنابال محترقا هو وجواريه واهله في قصره.

المقارب الصوري في صورة الحزن التي يعبر عنه  النواح الأكدي والآشوري يجمع  الحزن في الصور التالية التي تنشدها فنتازيا القدر الدامع للحرف الذي كتب المراثي الثلاثة في احتراق أور ونينوى .

بين الاحتراقين  والتواريخ الحضارية الكئيبة لما حدث في الامكنة الثلاثة أتخيل صورة الحروف في حزنها في ثلاثة مواقع ( الألواح الطينية التي كتبت عليها ملحمة جلجامش التي انتهت بحزن أنه لم يحصل على ما يديم فيه الخلود ويجعله ابديا مثل الالهة ، وكاتب الملحمة مبدع مجهول ، والحوليات الآشورية ومدونات ادبية ، شعرية واسطورية وقوانين لشرائع الملوك ومفاخر ما انجزوه. التي كتبت على حجر الكلس وهي تحكي النهاية المفجعة لساردانبال وهو يحرق نفسه وكل اهل قصره .

الرؤيا الثلاث تم التعبير عنها بحروف مختلفة ، الأكدية ، الآشورية ، العربية يعبر عنها جفن دامع لذاكرة واحدة ، لكني أجد في الحرف الأكدي رابطا لكل هذه الفنتازيا عبر دلالة الدمعة في تشكيل الكلمة من خلال كتابتها بمقدمة مدببة للمسمار حيث الوجع والفجيعة والجرح والدم.

تلتقي النهاية الحادة للمسمار مع الحافة المتشظية  لنصل السيف ، فعليكَ أن تتخيل علاقة الحرف بالجرح والطعنة ، وعليك أن تحمل خاطرة هذا المسمار الى خاطرة السيف وتجمع اللحظة التي احترقت فيها أور بتلك اللحظة المؤلمة .

لتسجل مدينة الموصل صورة متكررة لمآسيها مع الحصار والحروب والقدرية التي تعيش في مشابهات مصائرها ، حيث تنتحب المدينة ومجاوراها من احتلال آخر قد لا يكون محسوبا في حسابات المكان الذي لم يتعود يوما أن يستسلم لنفر ملتح حملته رياح التكفير من الشيشان وأفغانستان وقرى مغاربية في الأطلس او الأوراس او بلدان شرق أسيا…….!

صورة نينوى في محنتها ، وصورة الحرف المسماري ، والحزن المرسوم بتفاصيل أسى بكاء النبي يونس وهو في بطن الحوت ، تنتمي الى القدرية المشابهة بين أور ونينوى.

أقود أخيلتي الى ابعد من ذلك ، هناك حيث أعيش جغرافية الاشتياق الى شهية خواطري الأولى ، الزقورة والثيران المجنحة أو تراب الطف ، فيعيش الحرف وجدان الفنتازيا في أعماقي وروحي وأغلفة كتبي ، والحبر الذي كنت ولم أزل أخط فيه قصصي وقصائدي ورواياتي وأساطيري…!

2

يونس النبي الروحي والسماوي لنينوى الآشورية

}فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } (يونس:98)

لم يقترب نبي بهاجس الماء سوى عند ستة انبياء  ، نوح وسفينته ، وابراهيم وزمزم ، ويوسف والبئر ، موسى والبحر ، ويونس والحوت ، ويحيى ونهر الاردن . وكأن الماء من متلازمات الخلاص التي يستخدمها الانبياء لتكون جزءا من مسببات التحذير والخلاص وحياة التوحيد لمدنهم وقراهم او قومهم.

وكنا هنا في بيئة الأهوار حيث اعمل معلما ارى في المكان نقطة البدء لتحولات الحضارات حيث الطوفان اغرق كل شيء ثم انحسر ونزل ركاب سفينة نوح وصنعوا الحياة الجديدة ، لهذا حتى في الروايات الماء هو المتغير في حياة شخوصها عبر سفينة السفر واحلام السندباد أو ذلك العطش الذي يصنعه غياب الماء في زمزميات الجنود في حروب صيف البصرة عندما كانت معنا عريفا طيبا من اهل الموصل اسمه يونس .

النائب عريف يونس يونان كان عريفا مضمدا في السرية الرابعة  للواء الرابع حدود في قاطع مهران ، ومتى اتت شظايا المدفع الايراني من جهة سد كنجان واصابت واحد من الجنود بمقتل او جرح وجدت يونس اول من يهرع اليه ليسعفه ان كان جريحا ، او يحمله بنقالة الى سيارة الاسعاف في رحبة العجلات ويخليه الى مستشفى بدرة الميداني ، وحتى اجامله واشد من ازره كنت دائما اردد قربه عبارة : طوبى للرحماء لانهم يرحمون .

ذات يوم اتت شظية الى نحر جندي من اهل العمارة ، فكنت من اول الذين ركضوا صوبه لأجده قد لفظ النفس الاخير فتعاونت انا ويونس وحملناه الى مفرزة الطبابة ، وهناك نظر الي وقال : لا تقل طوبى للرحماء فانهم يرحمون ، قل ليرحمه الله .

قلت الرحمة هي من الله مع الطوبى لكل لأصحاب كل الديانات.

قال : ولماذا ترددها امامي وهي عبارة انجيلية .

قلت :لأنك مسيحي .

قال :كلا انا مسلم .

قلت لان اسم والدك يونان تخيلتك مسيحا .

ــ نعم يونان هو الاسم التوراتي ليونس .وجدي كان عاملا في حانوت لبيع لحوم البسطرمة عند  رجل مسيحي طيب من اهل مدينة تلكيف في القريبة من الموصل اسمه يونان  ، وعامل جدي بالعطف والحسنى ومنه تعلم الصنعة وافتتح له محلا لبيع البسطرمة في منطقة باب الدروازه وسط مدينة الموصل ، وحين أتى ابي للدنيا اسماه يونان محبة بصاحب عمله ، وحين اتيت انا اسماني ابي يونس ليكمل حضور الاسمين في بيتنا.

الآن وقد مرت سنوات الذكرى على يونس يونان الذي عاش متلازمة اقدار النبي لكن الحرب لا تمنح لجنودها حيتان لتنقذهم من الغرق في اقدارها المظلمة ، فيونس المضمد لم يجد حوتا تنقذه كما فعلت مع يونس الذي قاد خطاه التبشيرية من ارض اسرائيل  حيث ذكرت التوراة ابن أمتّاي من جت حِفر (بالعبريَّة: ???? ?????) وهي بلدة قديمة تقع على بعد بضعة أميال إلى الشمال من مدينة الناصرة. حيث بعد سفرة في سفينة واحداث نال منها انه رمي من السفينة في عاصفة هوجاء لتأتي الحوت ويدخل جوفها وترميه الى الساحل سالما معافى ويذهب الى نينوى التي ذكر ان اعداد سكانها مئة الف واكثر وهناك يبدا حملة التبشير بالوحدانية وله فيها مقام وقبر .

النبي لأنه نبي فلم يغرق ، لكن المضمد يونس غرق ذات ليلة حالكة الظلمة عندما كان مع سائق الاسعاف قادمان من المفرزة الطبية في خلفيات اللواء الى مقر السرية عندما داهمهم سيل جارف ات من كلال بدرة حيث سقطت امطارا غزيزه فانزلقت سيارة الاسعاف وكانت تسير بحافة مجرى الكلال ولشدة سرعة الماء غرقت السيارة ومعها غرق يونس والسائق.

كلما تلاقينا سورة يونس في تلاوة مذياع او مأتم عزاء اتذكر يونس الذي تمنى عندما تنتهي الحرب يعود ليمسك حانوت ابيه ليبيع البسطرمة ، ولكنه الان لا يبيع سوى ذكريات تلك الالفة الجميلة معه يوم دعانا الى بيته ومعا زرنا مقام النبي يونس وبذات خيال دمعة التذكر تمر السنوات سريعا لأشعر الآن أن متحف  اللوفر أمامنا، وبخطوات مرتعشة دلفت إلى الممر المرمري من خلال واجهة الزجاج المحصنة لتطالعني الوجوه ورسوم حية وميتة، سعيدة وحزينة. نصب واقفة وأخرى جالسة لتستريح من نظرات الزائرين مع حشد كبير من سواح يابانيين. أخذت بيد مضيفتي وتفرجت.

كانت تنظر إلى عيني الغارقتين في المشاهد فتتلذذ بدهشتي وتشد على أصابعي فأصاب بنشوة رجولية عابرة أود بها أن أسحبها إلى زاوية مظلمة لأروي ظمأ الشوق لملاقاة أجدادي، لكني أتذكر زوجتي وأطفالي فيبرد الجزء الأسفل من جسدي وتتحول التي تعصر فيَّ أنوثتها إلى دمية. واصلت سيري مع شعور بالغضب من جانبها لأصل إلى الحدث المهم في سفرتي. إلى الجناح الخاص بالرسام ديلاكروا، وكنت قبله تأملت الموناليزا صديقة كل شاعر وعاشق في مدينتي، وتساءلت متعجباً كيف أعطى دافنشي ملامح خنزير أنثوي هذا الجمال البراق. وبدا لي أن ثمة خطوط لوجه رجل في عيون موناليزا. كانت الملامح للمرأة الفلورنسية حادة ومشحونة بأمور أخرى لكن العبقرية فعلت فعلها وحولت كل شيء فيها إلى مسحة من جمال غريب ونظرات تبدو في حقيقها شاذة وتنوم كل من يراها مغناطيسياً، وتجعله يهيم شوقاً، ويبدو لي أن زوج “جيوكندا” لم يكن يحبها كما أحبها دافنشي الذي خلدها في اللوحة فقط ولم يزعم أنها حضرت حفلاً لكونت أو عرضاً مسرحياً لمسرحية جوالة. المهم، دعونا من موناليزا ففي الجناح الخاص بديلاكروا اكتشفت متعة سفري فحال وقوفي أمام لوحته المسماة “ساردانابال” تلاشت كل رؤى التأمل التي كانت أيقظت حواسي المتعبة من الوقوف أمام طوابير الجمعية وتصليح دفاتر الإملاء لطلبة الصف الثاني الابتدائي. إذ ربطت ما رأيت بقصيدة بايرون عن اللوحة. وها هي في ذاكرتي قصيدة بايرون :التي كانت تتحدث عن ملك اشوري اسمه ساردنابال احترق مع قصره ، واشعر ان سبب الاحتراق لانه لم يلتفت الى نصائح ودعوات النبي الذي اتى اليهم من معجزة اسمها بطن الحوت.

ادلف الى اللوفر ونينوى وقتها تئن من قسوة وارهاب داعش ، فتسكنني قصة المضمد يونس الذي مات غرقا واجعلها نصا في كتابي الجديد.

تلك هي القصة ، خرجت من بطن الحوت ولكن على شكل نعش شهيد ، فلتأخذها مصممة لوحاتي تلك السومرية التي تشبه فتنة الياسمين في صباحات الشام وقضاء غماس ولتصممها غلافا لكتابي الجديد : دموع نينوى في آنية القبلة…

حتما ستجيد فيها لأني أعرف انها واحدة من صُناع دهشة اللون والمعنى في الفن المعاصر, ومعها سأكتشف الرؤيا المسكونة في فناجين العرافات ، ومعا نسجل ما تتلوا من نبوءات ومن صلاة وامنيات وبيانات..

أتذكر باريس ودير متي ، وأتخيل يونس مبتسما وهو يغادر بطن الحوت ويحط الرحال سالما في قرية تعدادها مائة الف تسمى نينوى…

الآن نينوى أهلها بالملايين لكنها منكسرة في احتلال غريب عجيب ، مئات من الملتحين المخمورين بعقائدية زائفة ومتطرفة يكتسحون جيش سنحاريب ويحرقون مكتبة آشور بانيبال …

يبتسم النبي ويسأل :كيف يحدث هذا .؟

أرد : ولكنه حدث ، والتفاسير متعددة ، وبعضهم يعتقد أن السكاكين ستحز رقبته وهو لا يريد أن يكرر مأساة رأس الحسين ع.

بين الرأس الشريف ونعوش الشهداء يتصاعد من حنجرة أمي نحيب موسيقى هندية ، وأبوذية تتغنى بنشيجها نساء قرى الأهوار.

أنهم يموتون هؤلاء الصبية ولم ينالوا بعد شهدا من نهد مغرم بحكايات شهرزاد ، لم ينالوا صوت زغاريد ليلة ( العرس ) في عرس الدشاديش البيض ، والراقصون الغلمان يبتهجون في ساحة البيت والآلات العازفة بإيقاعات صفائح زيت بطاقات التموين الفارغة.

ومع الطرب هناك الرصاص يسكن الفؤاد فيموت الأولاد ، وتحزن البلاد .

وعلى صدى نبض قلبي أتخيل لحظتي وأنا اكتب هذا النص ،كان المضمد يونس حالما بالعودة الى نينوى ليعيش فيها ، وربما لو خرج وقتها من بطن كلال بدرة ولا يغرق ، فربما يغرق في دم سكين تضغط على مقبضها يد داعشي بقوة .

يونس النبي ، هو يونس نينوى والذي سكن في بطن الحوت وهو يعلم بهاجس الامر الرباني وان الحوت سيخرجه من بطنه ويضعه عند ضفاف قريبة من مدينة اسمها نينوى .

ولا حقا نينوى ستصبح واحدة من مهابات التأريخ ، تتكلم الأكدية ، وتفتخر بعجائب النحت والدولة العسكرية المحبة للعلم والثقافة والمجد.

يونس النبي الذي سجل معجزة لنبوته عندما مكث في بطن الحوت ، حاولت مرارا ان اجد له شيئا في اسفار نينوى وحوليات سنحاريب أو موشورا سنحاريب هما موشورين من الطين المشوي، آشوريين ، كل منهما له ستة جوانب عليها نصوص تاريخية مكتوبة بالأكدية . يعود تاريخهما إلى عهد الملك الآشوري  سنحاريب فيهما أخبار عن أحداث من 701 إلى 681 قبل الميلاد.

والمتعارف عليه انه تمت كتابة الموشورين على أنهما وثيقتي “حجر الأساس” لتوثيق أعمال سنحاريب أمام الآلهة والأجيال القادمة. اليوم ، هما بمثابة شهادات مهمة للتاريخ الآشوري  ، وكذلك للتاريخ اليهودي ، ذلك أن وصف حصار اورشليم في عهد الملك حزقيا (701 قبل الميلاد) مذكورًا ، وهو ما يرد أيضا في التناخ. يعد الموشوران من بين الأدلة الثلاثة التي خلفها الملك الآشوري  حول حملته ضد يهوذا .

لهذا كنت استقصي الامر بهاجس البحث ، محاولا ان اجد اثرا للنبي غير الذي تم ذكره في التوراة اولا وفي الانجيل ثانيا وفي قصص الأنبياء في القرآن الكريم.

ومثلما عجز ليوناردو وولي مكتشف مقبرة اور الملكية مطلع عشرينيات القرن الماضي ان يكتشف ما يمت ما يعزز قول التوراة عن إبراهيم من انه ولد في اور بالقول إنا بعثناه من اور الكلدان ، وصار يبحث عن اسم إبراهيم في كل لوح مسماري يعثر عليه فلم يجد . وكذلك الأمر بالنسبة للمدونات الآشوري ة لم يعثر على نص واضح يؤكد وجود النبي بالرغم من المقاربة التاريخية المفترضة بين عهد سنحاريب والنبي يونس .

فقط مرقد النبي يونس الذي تم تفجيره في زمن احتلال داعش لمدينة الموصل هو من يسجل للنبي صرح وجوده في تواريخ نينوى ، وبعد ان تم طرد داعش من الموصل وبصورة غير شرعية اتت مجارف البحث في اعماق تل النبي يوسف وتم العثور على اثار عديدة ومنها الثيران المجنحة واحد قصور سنحاريب ، واثار اخرى تمثل عصر اشورية مختلفة ، وحتى في هذا البحث لم يجدوا مدونة تحمل اسم يونان المسمى هكذا في الانجيل او النبي يونس بن متى المسمى في القرآن.

لكنني وبهاجس روحي ما تعودت ان اصدق كل ما تأتي به كتب السماء ، واحس بأن انبياء الموصل الاربعة هم موجودين تحت دكات القبور الذي توارثت قدسية وجودها من ازمنة بعيدة والى اليوم وهي كالتالي :

نبي الله شيت عليه السلام : هو ابن ادم عليه السلام

في سنة 1057 كان الوالي على الموصل مصطفى باشا النشانجي ورأى النبي شيت في المنام ودل على قبره فأمر الحاج علي بن النومة احد تجار الموصل ان يحفر على الموضع الذي راه في المنام فحفر واخرج قبره وبنى عليه الحاج علي المذكور قبة وصار يعرف بمرقد النبي شيت

نبي الله نوح عليه السلام : وهو نوح بن لمك ويقال لامك

سمع المحققين في الموصل ان السيد موسى الحداد  يقول :ان بعض الصالحين كان يقول: ان قبر النبي نوح عليه السلام في محراب الجامع النوري فأنه كان عليه السلام يسكن بالكوفة وهي قريبة من الموصل

نبي الله يونس عليه السلام: يونس بن متى عليه السلام

مدفون في قرية نينوى في بيعة في بطن الجبل الذي فيه القرية معلوم مكانه قبل الإسلام

وقد بنى بعض الملوك على متن البيعة مسجد ووضع له -ع- قبه على قبته الأصلية

وقيل متى هي امه ولم ينسب الأنبياء الى امه غير يونس بن متى وعيسى ابن مريم عليهما السلام.

نبي الله جرجيس عليه السلام : نبي الله جرجيس صلوات الله وسلاما عليه قبره الشريف في نصف الموصل.

اقدم ذكر وقفنا عليه لمشهد النبي جرجيس-ع- في الموصل يرجع الى سنة 571هـ زار المشهد ابن جبير الأندلسي وذكره الهروي سنة 611هـ

مقام الخضر عليه السلام: قيل ان في الجانب الأيمن من منبر الجامع النوري مقام الخضر عليه السلام

مقام شمعون الصفا الحواري عليه السلام : هو في كنيسة للنصارى في محلة في الموصل يزوره المسلمون قليلا لكونه للأوقاف المسيحية  . بالرغم من ان الواقفين عليه لا يمنعون اي  ملة من زيارته.

الأنبياء في نينوى

الأنبياء في نينوى هو جزء من رؤية التاريخ في متلازمته الحضارية والتي شكلت أشور بملوكها وحضارتها شيئا مهما من القصص التي تنتسب الى اؤلئك الأنبياء ، ولكن النبي يونس هو الأكثر حضورا في ضمير المدينة ومجتمعها ، ذلك ان الاعتقاد قائم على فكرة انه اتى الى نينوى من اجل التبشير ومعجزته هو الحوت الذي نقله من فلسطين وحتى شواطئ دجلة .

روي عن يونس الكثير ، واغلبه اما يرتبط بالكلام السماوي وهو ما بنيت عليه كل رؤى الحديث عن نينوى في كل هاجس يأتي فيه حديث المدينة لشعوري ان الكتب السماوية هي الأكثر إيغالا في الروح البشرية وفهمها يرتبط بالمشاعر والطقوس الربانية عند الديانات الثلاثة ( الإسلامية والمسيحية واليهودية ) وهي ما جعلت الربط بين النبي الاتي الى قرية نينوى وبين إحساسي الرؤية والصدق في الكتابة تختلف كثيرا عن الرؤية الأخرى للنبي والقائمة على الاسطرة والافتراضات.

وحتى اقف عند ما يمكن ان تمنحه قصة النبي يونس لتواريخ المدينة وتراثها ، يجب ان اعود الى تفاسير القصة والتي يراها الكثيرين بجانب اخر ، كما يفعله الباحث  السرياني موفق نيسكو في مقال له عن حقيقة النبي يونس وعلاقته بمدينة نينوى او الموصل وفي عدة مواقع منها موقع صوت العراق عندما يكتب التالي :

مع أن بعض علماء المسيحيين يعتبرون قصة يونان غير حقيقية ورمزية أدبية، لكن ليس غرض بحثنا التطرق للموضوع الإيماني وأعجوبة يونان مع الحوت، إن كانت رمزية أم حقيقية، فالله جلَّ وعلا قادر على كل شيء.

لذلك بحثنا لا علاقة له بالأعجوبة، فإن كانت الأعجوبة حقيقة أم رمزية، فإن يونان النبي لم يصل إلى نينوى، ولا علاقة لنينوى بيونان وقصته، سوى أن كُتَّاب العهد القديم اليهود يعتبرون الآشوري ين ونينوى رمزاً للشر كما هو معروف، ويونان النبي لم يصل مدينة نينوى، (الموصل في العراق)، والمدينة المقصودة حسب في سفر يونان على الأرجح، هي مدينة حماة في سوريا، أو دمشق، وتم إقحام اسم نينوى بدل حماة أو دمشق، أي أن مدينة نينوى في القصة، هي رمزية، وبكل بساطة كان يمكن أن يكون كلامنا بأسطر قليلة فقط، هي:

إن يونان عاش في القرن التاسع قبل الميلاد وكانت نبؤته (865-809 ق.م. تقريباً)، ونينوى أصبحت عاصمة الآشوري ين سنة 691 ق.م.، ولم تكن قرية نينوى معروفة ومشهورة زمن يونان، وليس لها ذكر مهم، لا في الكتاب المقدس، ولا في تاريخ الآشوري ين المدني، وهذه حقيقة مطلقة (تاريخياً مدنياً وكتابياً)، وسفر يونان المخصص للآشوريين وعاصمتهم نينوى، لم ترد فيه كلمة آشوريين مطلقاً، علماً أنها ترد بكثافة في الأسفار الأخرى.

هذه الرؤية قائمة على حسابات ارقام التاريخ وبعضها يسكنه الافتراضات والقناعة ، لكني اقارب النبي وفق الرؤية التي تتكلم فيها الايات ، لشعوري ان كلام الله يحسب عند التواريخ حقيقة لامفر منها ، وثانيا لانني اشعر ان روح المدينة ( نينوى ــ الموصل ) التصق بوجود النبي وقدرته الغيبة .فكانت تلاوة الله في سرد قصة يونس وحمتها هو التأكيد على كل المصائر التي انتهت اليها نينوى منذ نشوء دولة اشور وحتى طرد داعش من شوارعها واحيائها .

خيار غريب لمدينة يتمنهج عليها مزاج الملوك وحسد الامبراطوريات القديمة فكان على ملوكها ( ربما ) ان يأخذوا بمواعظ النبي المرسل اليهم من اورشليم وحتى نينوى ويقتفوا اثر الرؤية والصدق فيها ليثبتوا حقيقة ما تنتمي اليه المدينة رغم كل الويلات التي مرت عليها منذ ان احرقت الاقوام القاسية مملكتها ومعها ملكها الاخير ساردنابال الذي احرق القصر الملكي بمن فيه وكان هو بينهم ومرورا بغزوات الفرس والروم والاقوام الجبلية والتترية وحصار نادر الشاه الشهير لمدينة موصل ثم الاحتلال العثماني لها وحتى عصرنا الحديث .

وبالرغم من هذا وبعيدا عن روايات عدم تصديق حضور النبي الى ارض نينوى الحالية نعيش افتراض المؤمن ان النبي هو الحاضر في كل ازمنة المدينة.

شكل النبي يونس ذاكرة طرية ومؤثرة في تواريخ المدينة ، ومع كل محنة تواجه المدينة كان اهلها يستغيثون به ، حتى عندما تم تفجير مرقده وجامعه ومقامه ، ليلا كانت الناس تسير بخلسه صوب ركام الجامع وتأخذ من ترابه النذور ،وبعضهم يشم حجمر الجامع المتهدم ويشعر بثبات روحه ، وحين تم تفجير مأذنه الحدباء ( الجامع النوري ) شعر اهل الموصل بان النبي ومن بين ركام التفجير كان يذرف دموع حزنه . ولاحقا تتطوع دولة الامارات العربية المتحدة بالتعاون مع منظمة اليونسكو لإعادة بناء المأذنة الملوية.

 في عام 627قبل الميلاد وفي عهد   الملك أسرحدّون، وفي واحد من النقوش تظهر لنا الترجمة التالية : “قصر أسرحدّون، ملك قوي، ملك العالم، ملك آشور، حاكم بابل، ملك سومر وأكد، ملك ملوك مصر السفلى، ومصر العليا وكوش عندما وجدت  الأبحاث السابقة أن حكام كوش حكموا مصر مرة في الماضي، وتدعي نقوش نَيْنَوَى أن أسرحدّون هزم قادة كوش واختار حكام جدد لحكم مصر. وأظهر لوح آخر أن أسرحدّون “أعاد بناء معبد إله آشور وهو الإله الأساسي للآشوريين ،والذي تم تجسيد قوته وجبروته وكبريائه على شكل ثور مجنح . وأعاد بناء المدن القديمة من بابل و إساكيل، و “جدد تماثيل الآلهة العظيمة”? وتقول النصوص إن أسرحدّون هو ابن سنحاريب، الذي حكم آشور في الفترة ما بين 704-681 قبل الميلاد، وسلف لسرجون الثاني، الذي كان أيضا ملك العالم، ملك آشور، الذي حكم البلاد في الفترة ما بين 721-705 قبل الميلاد.

لهذا كنت احمل الظن ووفق تلك الرؤية التاريخية والاثارية ان يونس قد يكون متواجدا في تلك الفترة التأريخية وان ملوك اشور كانوا يتوددون اليه لتصاحب ادعيته وبركاته جنودهم الذاهبة لتسكن عصيان مملكة يهوذا ولتسكت غطرسة الملك الفرعوني وتصل خيول الملك الآشوري  الى مدينة طيبة الأسطورية وتحتلها ، ومن جهة الشرق يحمل الآشوري وإن ادعية النبي ويذهبون صوب بلاد فارس يردعون أطماع الاخمينين في خراب السنوات والعهود المتعددة لتخلق تلك الحروب تجانسا حضاريا تعلم فيها الاخمينيون الكثير من أسرار الحضارة السومرية وتقدمها في شتى المجالات ومنها الري واستخدام الإسمنت في البناء وحسابات الفلك وحتى ارشفة المكتبات تعلموها من الحضارة الآشورية .

وحين استذكر القصة بجانبها القرآني وهي تقع ضمن المحكي الاتي :

لدى السرد القرآني لقصة يونس حيث بعض أوجه التشابه وكذلك اختلافات جوهرية مع القصة في الكتاب المقدس. يصف القرآن يونس كواعظ من الصالحين لرسالة جاءته من الله، والذي فر يومًا ما من مهمته بسبب صعوبتها الساحقة. ويذكر القرآن أن يونس فر على سفينة، وطلب من أهلها أن يركبوه معهم، فتوسموا فيه خيرا فأركبوه. ولما توسطوا البحر هاج بهم واضطرب، فقالوا: إن فينا صاحب ذنب . فاستهموا فيما بينهم على أن من وقع عليه السهم ألقوه في البحر، فوقع السهم على يونس. فسألوه عن شأنه وعجبوا من أمره وهو التقي الصالح. فحدثهم بقصته، فأشار عليهم بأن يلقوه في اليم ليسكن عنهم غضب الله فألقوه. فالتقم بأمر الله حوت عظيم، وسار به في الظلمات، في حفظ الله وتأديبه، وتمت المعجزة.

وأظن من ضمن قناعة المخيلة أن ثقة ملوك اشور بانتصاراتهم اتية من إحساسهم ان وليا من اولياء السماء يستطيع ان يمهد لجيوشهم خطوط السير ، ولأنهم يعبدون الاله آشور ، فكنت احس انهم يغافلون كهنته ويذهبون ليونس يستجدون منه نصائح لاقدارهم ، لان سنحاريب واسرحدون واشور بانبيال والملوك المذكورين في قوائم الواح الصخر المنحوت مع السيرة الذاتية والمنجز لكل ملك كانوا يشعرون ان المسافات البعيدة لخيولهم تحتاج الى مباركة رسالة سماوية اكثر من مباركة اله مصنوع من الرخام او حجر الكرانيت او احجار القير.

تلك المعجزة هي من بدأت ابحث عن جذورها داخل الهاجس الآشوري  وكنت مثل اثري يحاول ان يستجمع في النصوص التي يجدها في الألواح ما كنت احاول فيه ان امسك ظلا للنبي بين اطلال المدينة واثارها متذكرا او ما اشير فيه ليونس في سفر يونان قوله : “قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة” وفي (4:7)” فلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم”.

الأسفار التوراتية والإنجيلية  والنصوص القرآنية تشير بوضوح الى وجود النبي ، وهو حتما موجود ، لكنني في تخيل ما ان ملوك أشور تحاشوا ذكره او الإشارة عليه نتيجة لضغوط كهنة معابد الههم آشور ، ومثل إبراهيم وموسى ويسوع ويحيى فأن الأنبياء لهم محنة وعذاب واسى مع جبروت الملوك .

لقد شعرت ان يونس أتى نينوى بعد مخاض محنة يهوذا وملكها مع سنحاريب ، وكما في العهود القديمة والإتيان الثاني :

 وعلى لسان سنحاريب وهو يحاصر المدينة :

((لَمْ تَسْتَطِعْ آلِهَةُ الشُّعُوبِ الأُخرَى أنْ تَمْنَعَنِي مِنَ القَضَاءِ عَلَى شُعُوبِهَا. كَذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ إلَهُ حَزَقِيَّا أنْ يُنْقِذَ شَعْبَهُ مِنِّي.» 18 ثُمَّ نَادَى خُدَّامُ مَلِكِ أشُّورَ بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى أهْلِ القُدْسِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى سُورِ المَدِينَةِ. وَكَلَّمُوهُمْ بِالعِبْرِيَّةِ. أرَادُوا أنْ يُرهِبُوهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَدِينَةِ القُدْسِ. 19 وَجَّهَ خُدَّامُ المَلِكِ إهَانَاتٍ لِإلَهِ القُدْسِ بِالطَّرِيقَةِ نَفسِهَا الَّتِي وَجَّهُوا فِيهَا إهَانَاتٍ لِآلِهَةِ الأُمَمِ الأُخرَى الَّتِي خَلَقَهَا النَّاسُ بِأيدِيهِمْ)).

وانا اقرأ هذا النص شعرت ان جبروت الملوك وغطرستهم عندما يكونوا دعاة للغزو يحتاج الى رؤيا الهيئة ناصحة ولهذا أرسلت السماء يونس الى نينوى .

لهذا مع كل البحث وعدم العثور على النص الواضح والصريح في التراث الآشوري  عن وجود النبي عدت الى كتب السماء ، وهي ذاتها من تمثل الشهادة والاستشهاد ،وربما وحدها من تستطيع ان تخلق تلك القناعة الروحية .

مشاركة