بقايا

277

بقايا

رامي فارس اسعد

أنتهت الحرب وانتهى الجميع معها وطويت اخر صفحاتها الموسومة بالمأسي والاحزان، وعاد هو الى احضان العائلة والبيت بعد ان قضى سنوات طويلة كجندي مشاة بين الثكنات والسواتر الترابية والاشلاء الجنود.  في البداية كان تصرفاته طبيعية لا تنم عن شكوك او ريبة لكنها سرعان ما أخذت تتطور لتصل الى مرحلة يعصب التعاطي معها.

كان اذا قرر الاستحمام او قضاء حاجة يعمد الى ترك باب الحمام مفتوحا على مصراعية رغم وجود زوجته وبناته، وقبل ان يخلد للنوم يضع بعض الوسائد والاغطية فوق بعضها البعض ليشكل منها اشبة ما يكون بساتر او حاجز صد، واحيان اخرى وبدون سبب واضح يقوم بأطفاء مصباح غرفته ويجلس بصمت حتى ان ابنته الكبرى ذات يوم كادت تسقط مغشيا عليها من شدة الرعب عندما همت بدخول غرفته فأذا بها تتفأجاة به جالساً دون حراك وسط العتمة. احيان كثيرو كانوا يعثرون عليه مستلقيا ويغط في سبات عميق في الغرفة العلوية او في احدى زوايا البيت او في الحديقة مرتدياً بزته العسكرية القديمة وبجانبه منظار قديم وبندقية كلاشنكوف بلاستيكية خاصة بالاطفال. ذات مرة زارهم احد الاقارب للاطمئنان على صحته وتهنئة بالعودة سالماً واثناء الحديث عن الحرب الاخيرة والاوضاع التي اعقبتها قال للضيف فجأة ودون اية مقدمات:

-الحرب لم تنتهي ولن تنتهي ولكننا ننتظر ادوارنا على مسرح الحياة لان ايامنا عبارة عن سيناريوهات وضعت لنا مسبقا، نحن اناس انتهازيين ننتظر الفرصة السانحة لنفترس بعضنا في لحظة غفلة، التزاماتنا الدينية ماهي الا اقنعة نخذع بها انفسنا والناس قبل ان نخدع بها الخالق. واشار بيده نحو الضيف وقال:

-ارجوك لا تعترض فأنت تعلم بأننا هكذا ، انت، انا، هم، العالم أجمع، جميعنا وحوش.

نظر الضيف نحو محدثه بذهول واخذ يتنقل بنظراته نحو الزوجة باحثاً عن أجابة او تفسير لهذا الكلام ، شعرت الزوجة بالحرج الشديد محاولة استيعاب ما يحصل لذلك سارعت الى تغير دفة الحديث والانتقال نحو  موضوع اخر درأ للحرج الذي وضعهم فيه زوجها. قالت البنت لامها بعد انصراف الضيف بصوت خافت وعصبية واضحة:

– مالذي يحصل يأامي ؟ ماهذا الكلام الغريب ؟ ان حالته تزداد سوءاً .

– اصمتي ارجوك كي لا يسمعك فأنت لم تعيشي تلك المعاناة التي عاشها وهو جندي خلال تلك الحرب اللعينة.

– ولكن هذا الحال لا يمكن السكوت عليه، ألم تري طريقة كلامه وتصرفاته امام الضيف.

نهض باكراً ذات صباح وارتدى ثيابه الجديدة التي قامت بشرائها له زوجته بمناسبة عودته سالماً، وقرر الخروج وكانت تلك هي المرة الاولى منذ عودته التي يخرج بها من البيت  وقبل ان يجتاز الباب الخارجي توقف ونظر نحو جدران البيت ونحو زوجته وبناته اللواتي وقفن والفرحه ظاهره على وجوههن، ان يخرج ويرى الناس ويختلط بهم يعني ان حالته النفسية في طريقها للاستقرار، لم يدر في مخيلتهن انها ستكون المرة الاخيرة وان شمل العائلة لن يلتمّ مرة اخرى.

عندما صار في الشارع صادف صديق له من نفس الوحدة العسكرية التي خدم فيها، انتبه الصديق الى شروده ونظراته الساهمة قال له:

– ما بك لماذا وجهك مصفراً هل تشكو من علة ما ؟

– انا متعب من الحياة، متخم من مأسيها ومهازلها واكاذيبها، وجهي اصفر نعم الكل وجوههم صفراء.

حاول الصديق ان يفهم اجاباته الغامضة وقال مغيراً مجرى الحديث بعد ان رأه يهم بالسير:

– الى اين تقصد دعنا نذهب الى احدى المقاهي.

– لا لا انا عندي موعد مع بعض رفاق السلاح  الا تذكهم … انهم صلاح وسرمد وعلي … سألتقيهم بعد قليل الا تاتي معي سيسرون لوجودك معي .

نظر اليه بخوف وقلق فقد كان يعلم ان كلاً من صلاح وسرمد وعلي تم العثور على جثثهم بعد ان قصفت الطائرات المعادية احدى المواضع العسكرية التي كانوا فيها .

بعد ذلك بعشرة اعوام وتحديدا في احدى الايام وكان الوقت عصرا، جلست سيدة عجوز على احدى مقاعد الحديقة العامة والى جانبها جلس طفل جميل عندما مر من امامها رجل شبه عاري بأسمال بالية ممزقة وشعر طويل ولحية كثة مستخة وبشرة سوداء لم تقرب الماء منذ زمن وكان يمشي ببطء ويتحدث بصوت عال غير عابىء بالمارة، ركزت نظراتها الضعيف عليه محاولة تذكره ذلك الصوت المألوف لديها فجأة قالت مع نفسها … نعم انه هو …  انه هو … حاولت النهوض والوقوف لكنها عجزت ، تذكرت عبارة كانت قد قرأتها  منذ فترة، وقالت بصوت حزين: ما يمضي لا يعود ابداً وما يعود لا يحمل معه نكهة ما مضى. التفت الصغير نحوها وقال :

– ماذا قلت ياجدتي ؟

مشاركة