بغداد و أربيل علاقة مصير – عماد علو
عكس الاهتمام الاعلامي المحلي والاقليمي بالزيارة التي قام بها رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني الى بغداد ولقائه برئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي نهاية شهر سبتمبر 2016 ، اهمية العلاقة بين بغداد واربيل وانعكاس تأثير تلك العلاقة على مجمل المشهد السياسي العراقي بل وتأثيرها على الصعيد الاقليمي ايضا” ، خصوصا ,ان تلك الزيارات تأتي في اطار الاستعداد والتنسيق لمعركة تحرير الموصل من تنظيم داعش الارهابي ، و في اعقاب مرحلة تصاعد فيها الجدل محليا” واقليميا” ودوليا” حول مخاطر قيام كيان كردي في شمال العراق بانه قد يهدد وحدة البلاد ويثير الرعب في الدول المجاورة … فمنذ العام 1992 واكراد العراق يعيشون عملياً في وضع مثالي، وللمرة الاولى في تاريخهم يديرون شؤونهم بمعزل عن بغداد وسلطتها ويفعلون ذلك بضمانات دولية ، وشرعية اقرها دستور عام 2005 ، ومع ان كردستان العراق لم تعلن دولة رسمياً، فان لها برلماناً منتخباً وحكومة ولها عَلَمُها الخاص وقواتها الامنية وجيشها الخاص(البيشمركة) ولها صحفها ومحطات التلفزيون الخاصة بها، كما لها جامعاتها ومدارسها حيث اللغة الكردية هي لغة التعليم وقد تراجعت العربية الى لغة ثانية او ثانوية ، اما موارد اقليم كردستان فتعتمد اساساً على اموال التجارة مع دول الجوار وباقي مناطق العراق اضافة الى ضرائب مفروضة على السكان. وتتلقى كردستان العراق ، اكثر من 17 % من الموازنة المالية العراقية اضافة الى نسبة مقاربة من عائدات النفط العراقي كما تقوم حكومة الاقليم بعقد اتفاقيات لاستثمار حقول نفطية في كردستان تؤمن لها عائدات ضخمة من العملة الصعبة ، وقد استخدمها الاكراد هذه الواردات لتطوير الاقليم بشكل ملفت للنظر حيث قامت حكومة الاقليم ببناء مدارس ومستشفيات وشق طرق واقامة شبكات مياه وصرف صحي وغيرها من مشاريع التنمية حتى في المناطق الريفية وقامة صناعات تحويلية مختلفة ومصافي للنفط وفنادق ومراكز تسوق ضخمة ، والنتيجة كانت مذهلة للأكراد انفسهم ولغيرهم ، فحسب تقارير وشهادات زوار للمنطقة نشرت في مقالات في صحف عربية وأجنبية ، بلغ عدد المدارس ثلاثة اضعاف ما كان كما تضاعف عدد الجامعات ، في مجال التعليم العالي حيث يتابع الطلاب دراستهم حتى برامج الدكتوراه ، وتتواصل مشاريع الترميم والبناء وكذلك شق الطرق السريعة وانشاء المصانع والمعامل والفنادق . وأعيد بناء آلاف القرى التي كانت قد دمرتها القوات العراقية في الثمانينات ومستوى المعيشة يتحسن بشكل متسارع ومتميز ، وتنخفض نسبة وفيات المواليد الى ادنى مما كانت عام 1999 وحتى الفقر الذي لا يزال ينتشر في المناطق الكردية لا يقارن بالفقر في المناطق العراقية الأخرى التي تشهد تراجعا” كبيرا” في مستوى المعيشة ونوعية الخدمات” منذ العام 2003. ويتزاحم المستثمرون الاجانب والعرب من كل حدب وصوب للاستثمار في اقليم كردستان الذي اقيمت فيه المطارات المتطورة والفنادق الفخمة والمدن والقرى السياحية التي زادت من العائدات المالية للإقليم ، وفي هذه الاجواء ازدهرت حركة النشر ويصدر في كردستان العراق اليوم اكثر من 200 صحيفة ومطبوعة باللغات الكردية والعربية والانكليزية وهناك ايضاً عشرات من محطات الراديو والتلفزيون . اما على الصعيد السياسي الداخلي فان ما يحكم مواقف اكراد العراق اليوم ويحدد خياراتهم هو الانقلاب الذي طرأ على حياتهم منذ الاحتلال الامريكي للعراق في العام 2003 الذي مكنهم من الامتداد السياسي الى بغداد حيث هيمنت قوى وشخصيات كردية سياسية بارزة على مناصب ومواقع مهمة وسيادية في منظومة صناعة القرار العراقية التي تكونت بعد العام 2003 في اطار العملية السياسية ، التي اصبح لهم دور واضح ومؤثر في تحديد اتجاهاتها ورسم مسالك تطورها على الصعيدين الداخلي والخارجي ، حتى تبلور الوضع السياسي للإقليم كردستان العراق الى ما يشبه دولة أمر واقع ، رغم ما يدعي البعض منهم بانهم متمسكون بالفيديرالية.! الا ان دعوات تقرير المصير والانفصال التي اخذت في الآونة الاخيرة تأخذ حيزا” في الخطاب الاعلامي الكردي ، الى جانب التصاعد الطردي في المطالب الكردية لجهة تحقيق المزيد من المكاسب في ظل الوضع المرتبك الذي تعيشه بغداد نتيجة المحاصصة الطائفية والصراع السياسي على المناصب بين الكتل والتيارات السياسية المختلفة ، والحرب على تنظيم داعش الارهابي ، تعكس حالة من الادراك الكردي لأهمية ومحورية الدور الذي يلعبونه في المشهد السياسي العراق بل وفي اي عملية تغيير اي كان نوعها في العراق ، بفضل الدعم والضمانات الدولية لهم وبفضل التطور الاقتصادي الذي تمكنوا من تحقيقه خلال العقد المنصرم ! على عكس بقية اجزاء العراق التي شهدت تراجعا” في الخدمات وترديا” في عملية اعادة اعمار البنى التحتية المدمرة ، مما ولد حالة من الاستياء الجماهيري والاحباط تجاه الاداء الحكومي والسياسي للقوى والاحزاب المنخرطة في العملية السياسية . وكل هذا انما يظهر جانباً من الصعوبات والتعقيدات التي تحيط باحتمالات المستقبل للعراق ومستقبل الاكراد فيه. فالفيديرالية التي يرى البعض انها الوسيلة لإنقاذ العراق من التفكك ، يعتقد كثيرون ولاسيما منهم جيران العراق انها ليست الا مقدمة لتفكيكه وربما تفكيكهم .مما سبق فان اهمية الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في كل من بغداد واربيل تنطلق من طبيعة المشاكل والخلافات التي لاتزال عالقة بين حكومة السيد البارزاني وحكومة الدكتور حيدر العبادي ، والتي تظهر بشكل واضح بين آونة وأخرى ، الا أن الوضع هذه المرة يختلف عن سابقه ، حيث يبدو أن اقتراب موعد معركة الموصل ، وانتهاء ولاية السيد مسعود بارزاني كرئيس للإقليم ، و الصراع والانقسام السياسي بين الكتل والاحزاب الكردية فضلا” عن الاوضاع الاقتصادية المتردية نتيجة انخفاض اسعار النفط العالمية ، قد دفعت كل من البارزاني والعبادي ، للجلوس والتحاور لتعزيز مواقفهم ورصيدهم الجماهيري وأن يخففا من حدة التوترات السياسية بين الاقليم والمركز، ليتمكنوا من خلق أجواء ايجابية تمكن بغداد واربيل من الاستمرار بالتنسيق والتفاعل الايجابي لما فيه مصالح الشعب العراقي بعربه وكرده وبقية مكوناته ووحدة مصيرهم في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية …

















