بغداد وجمالية الذكرى بين زمانين .. رسائل المحبين على أوراق مطرزة بالمكتبات
صباح الخالدي
كان البغداديون يتحسسون كل صباح في مرحلة الستنيات وما بعدها عبق الشوارع والازقة ومنها شارع الرشيد والكفاح والجمهورية ومناطق الشواكة والكريمات والرحمانية والفضل وقنبر علي وباب الشيخ والمربعة والكريعات والاعظمية بحاراتها السفينة والحارة ومناطق الكسرة وهم يتنفسون كل يوم رائحة بغداد المحفورة على جدران بناياته التراثية وبعد ان كانت المنتديات الثقافية وفي المقاهي المشهورة البرلمان والشابندر تتحول الى ملتقى للفنانين والادباء ورواد المقامات العراقية من تلك الازقة في الحيدرخانة والتي انطلق اصوت العديد من الفنانين من بينهم الفنان الكبير يوسف عمر والجالغي البغدادي وكهوة عزاوي والمربعات الجميلة التي كانت فنا قائما بذاتها لها شعراؤها وفنانوها ..
وحتى المحال البغدادية كان لكل حي يتميز عن الاخر وكان يقال (هذا كرخي او ذاك معظماوي وفلان من الفضل ) ورغم استبدال اسماء الكثير من تلك المناطق وفق التخطيط العمراني لامانة بغداد بالمحلة والزقاق والحي الا ان البغداديين مايزالون متمسكين بتلك المسميات وخلال التعارف والسؤال بعضهم البعض ويكون الجواب بارقام المحلات يطلب من المعرف بنفسه من اي حي مثلا ( اخوية لتكلي زقاق او محلة كول اني من الفضل او الكولات او محلة القراغول اوبس )!! وهكذا ومع تقادم الزمن فان بغداد هذه المدينة العريقة كان لاهلها وخاصة في الاحياء الشعبية عادات وتقاليد وطقوس في مناسباتهم وكل محلة او حي يتميز اهلها بتسمية تتعلق بموضوع اوحادثة او شخصية اجتماعية وظلت هي الهوية لتلك المناطق ولتلك الاسماء مدلولات وكيف يكون الاعتزاز باول منزل ومكان يحن اليها ساكنوه مهما وصولوا من ثراء او شاءت الظروف ان يكونوا في بلاد الغربة..وحتى أسماؤنا كانت أحلى وكانت النساء أكثر جمالاً وأنوثة وحتى الاكلات البغدادية لها نكهتها بحيث كانت رائحة الفاصوليا اليابسة أو البامية تتسرب من شبابيك البيوت.. وأم الباقلاء هي مطعم حيّنا الشعبي الجوال و أم قيمر الحلة تأتي بالكيمر لبيوتنا وكان الحليب والصمون يأتيك للبيت من الصباح والزوجة في يوم الجمعة تخبئ كبدة الدجاجة وقوانصها لتقليها للزوج دلالة على تدليله وبنات المدارس يخبئن أنوثتهن في صفحات دفتر العلوم والجارة تمدّ يدها فجراً من خلف الباب بقوري جاي حار للزبّال فيمسح عرقه ويستظلّ بالجدار ..فقد كان البغداديون يصحون على صوت فيروز الشادي صباحا ويستمعون لبرنامج ابو رزوقي يعطي نصائح المرور للسائقين ومخالفاتهم الصباحية ويقول له (عيني انت ابو الموسكوفج الزركة لو شوية على كيفك بالسرعة مو احسن احنا نخاف عليك وعلى سلامة الناس الماشين بالشارع)؟ ومساء كنا نترقب من الشاشة الصغيرة خيرية حبيب او كامل الدباغ ومؤيد البدري وصندوق السعادة الذي كان من أهم برامج مسابقات التلفاز الذي كان يقدمه الفنان الراحل فخري الزبيدي والتلفزيون يفتح ويغلق شاشته في موعد محدد مثل أي محل أو مطعم كان التلفزيون يعرفنا يوميا بخيرة نماذج المجتمع الدكتور مصطفى جواد في برنامجه التاريخي والكاتب الكبير علي الوردي في برنامجه الاجتماعي ومؤيد البدري ببرنامجه الرياضي ومسلسلات عراقية مشوقة خلدت في الأذهان والقلوب وفانون محفورون في ذاكرة الاجيال منهم سليم البصري وحمودي الحارثي في (تحت موس الحلاق) وخليل الرفاعي أبو فارس ومن ثم (الذئب وعيون المدينة) لخليل شوقي ومي جمال (حسنية خاتون) وكيف كانت تلعب بالأحاسيس البريئة لشخوص المسلسل …وكانت جريدة البلاد والأخبار وغيرها مصدر معلوماتنا والصحف تنشر جميع أسماء الناجحين بالبكالوريا.. ثم جاءت جريدة الراصد لصاحبها الفكيكي لتكون أشهر الصحف وأجرأها انذاك في طرح مختلف الموضوعات السياسية والنقدية بالمقالات والتحقيقات الصحفية الجريئة عن حركة الدولة ومؤسساتها دون خوف او وجل او تهديد بالاغلاق ..وكانت أخبار الثامنة أخف دماً والطرقات أقل ازدحاماً..وكانت لدينا مدينة للألعاب هي وجهة أبناء الأثرياء والفقراء على حد سواء..والعوائل كانت تتهيأ قبل يومين للسفر إلى الشمال قبل العطل والاعياد والمناسبات وجامعتا بغداد والمستنصرية كانتا قبلة الطلاب في الوطن العربي وحتى رسائل المحبين كانت تكتب على أوراق تبيعها المكتبات مطرزة ومزينة بالفراشات والورود الملونة قبل عصر الموبايل والانترنت أما الورد ذاته فكان يباع فقط في المشاتل او الفنادق الفخمة والأرستقراطية الباذخة في ذلك الزمان وحتى دعوات العُرس كانت توزع فيها منديل( جفيّة) ومعه جكليت مغلف بسيلفون ..وكان (الكمون) يوصف علاجاً للمغص والأولاد يقبلون أيادي الجيران صباح العيد و الناس تهنئ أو تعزي بكيس سكر أبو خط أحمر) بوزن 50 كيلو غراماً والأمهات يحممّن الأولاد في الطشت و(الصوغة) يحملها الناس لزيارة المرضى…وحتى جوازات السفر كانت اقل تعقيدا من الان بحيث تكتب بخط اليد ولاتحتاج لرشوة ولا لواسطة للحصول عليه وكان السفر الى سوريا وتركيا بالقطار وفيزة امريكا وبريطانيا وفرنسا تحصل عليها مجرد مراجعة سفارات تلك الدول لساعة او اقل احيانا كانت لهجات الناس أحلى وقلوبهم أكبر وطموحاتهم أبسط الموظفون ينامون قبل العاشرة ليصحوا باكرين ولم يكن البغدادي يتخيل يوماً ما انه سيخلع جهاز الهاتف من وايره ويحمله في جيبه .. صحيح ان الحياة كانت أكثر فقراً وبرداً وجوعاً لكنها كانت دائماً خضراء كانت أحلى من حياتنا اليوم حيث لاطعم ولا لون ولا رائحة لها غير طعم البارود ولون الدم ورائحة الكراهية والغل والتنافس والتنابز والتحزب والطائفية المقيتة..


















