بغداد لازالت تنتظر – نجاح سميسم

387

شاعرٌ ماتَ في ذاته وضميرهِ،وتأريخه

بغداد لازالت تنتظر – نجاح سميسم

كان شاعراً وشيوعياً وأنساناً ، لكنه ماتَ كُلاً، كان يعشقُ الحياةَ، والبصرة، وبغداد،هو الآن حاقدٌ على نفسه وفي أرذل العمر يحثُّ على الطائفية00 أنه سوء العاقبة وسوء المُنقلبْ، وبغداد تبقى تنتظر00 قال يوماً عندما كان إنساناً عراقياً شاعراً:

يومَ إنتهينا إلى السجنِ الذي مَنْتَهى

أوصيتُ نفسي وقلتُ المُشتهى مَنْتَهى

ياواصلَ الأهل خَبِرْهُمْ وقُلْ مَنْتَهى

اليوم بِتنا هنا والصبح في بغداد

00000

كُلْ الأغاني إنتهتْ إلا أغاني الناس

والصوت لو يُشترى ماتشتريه الناس

عمداً نَسيتُ الذي بيني وبين الناس

منهم أنا000 مثلهم والصوت منهم عاد

يا صاح لاتبتعد دربي على بغداد

0000

هل عرفتم الشاعر الرائع، صاحب المبادئ في ذلك الوقت ، سيئ الصيت والحظ والمنقلب في هذا الوقت ، وقد وصلَ أرذل العمر 000 وبغداد الصبية، لازالت تنتظر الخلاص000 تنتظر مَنْ يفك القيود عن معصميها الجميلتين،  لتنتطلق إلى حياة التبغدد والغنج، وترى أن التبغدد يجري حتى في الدهاقينِ0

وتنظر إلى علي بن الجهم الشاعر البدوي الغليظ

الذي عاش في ربوعهافترةً قصيرة حتى جَرَتْهُ إلى دلالها وغنجها وجعلته يقول:

عيون المها بين الرصافةِ والجسرِ

           جَلَبّْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

0000

وهاهي بغداد تبقى رغمَ العاديات تنظرُ من علياءها بكبرياءً وشمم إلى صغار القوم الذين دنسوا تبغددها ، تنظرُ إليهم بعينٍ صاغرة لهم وكأنها تقول ستذهبون بعاركمْ وشناركمْ ، وسأبقى أنا بغداد خضراء بلون الربيع، وها هو الشاعر المرهف السيد مصطفى جمال الدين يتحداكم:

بغدادُ ماأشتبكتْ عليكِ إلأعصرُ

                  إلا ذوتْ ووريق عُمرِك أخضرُ

0000

سأبقى أنا بغداد رغمَ الداء والأعداءِ سأبقى شابةً جميلةًأُعناقُ الفراتَ على البعد وأحتضنُ دجلةَ الخير،  وهي تُلامسُ جدائلي،  ستعيشُ معي بطينها وحمائمها، وشاعرئها الجواهري ابن فراتي وأبو فرات وسألفظكم ياجهلةَ القرن وشذاذ الآفاق إلى مزبلة التأريخ000وهاهو الجواهري ينتصب:

حَييتُ سفحَكِ عن بعدٍ فحييني

               يادجلةَ الخيرِ ياأُمَ البساتينِ

حَييتُ سفحَكِ ضمآناً ألوذُ به

              لَوَذَ الحمائمِ بين الماء والطينِ

أني وردتُ عيونَ الماءِ صافيةً

             نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني

يادجلة الخير يانبعاً أُفارقُهُ

          على الكراهةِ بين الحين والحينِ

00000

ستبقى بغداد عصيةً على الظلاميين وستنفض غبارهم عنها لتنتطلق جديد

وأن غداً لناظره قريب

مساء الخير أعزائي، سأترك الكتابة في مواضيع السياسة التي أصبحت مملة، ولو إلى حين وبودي أن نستذكر شعرائنا الكبار وماأجادت به قرائحهم أيام زمان كي لاننساهم ونُفَعِّلَ ذاكرتنا ،اليوم سأُعيد إلى الذاكرة مقاطع من قصيدة شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم ( أين حقي ) التي نظمها وألقاها عام 1936:

رحتُ أستفسرُ من عقلي وهل يدركُ عقلي

محنة الكون التي أستعصت على العالمِ قبلي

ألأجل الكون أسعى أنا أم يسعى لأجلي

وأذا كان لكلٍ فيه حقٌ أين حقي؟

000000

فأجاب العقلُ في لهجةِ شكاكٍ محاذرْ

أنا في رأسكَ محفوفٌ بأنواع المخاطرْ

تطلبُ العدلَ وقانونُ بني جنسِكَ جائرْ

إنْ يكن عدلاً، فسله عن لساني أين حقي؟

00000 ثم ينتقل إلى مسائلة ومحاسبة رجال الدين وهو أبن المؤسسة الدينية والحوزة العلمية فهو سليل عائلة بحر العلوم الدينية،

ليتني أُسطيع بث الوعي في بعض الجماجم

لأُريحَ البشرَ المخدوعْ من شرِ البهائم

وأصونَ الدينَ عما ينطوي تحتَ العمائم

من أُناسٍ تقتلُ الحقَ وتبكي أين حقي؟

00000

ياذئباً فتكت بالناس آلافَ القرونِ

أتركيني أنا والدين فما أنتِ وديني

أمنَ اللهِ قد أستحصلتِ صكاً في شؤوني

وكتاب الله في الجامعِ يدعو 00 أين حقي

( طبعاً الشاعر لا يقصد كلَ رجال الدين فهناك من العمائم ماهي ناصعة البياض لم تتدنس بوساخة الآخرين )

000000

وينتقل الشاعر في قصيدته هذه إلى الجانب الأجتماعي فيرسم ما أراد قوله بريشة فنان حاذق حين يصور حالة فتاة بائسة فيقول

وفتاةٍ لم تجد غيرَ غبارِ الريحِ سترا

تخدمُ الحيَّ ولاتملكُ من دنياها شبرا

وتودُ الموتَ كي تملكَ بعدَ الموتِ قبرا

وأذا الحفار فوق القبر يدعو000 أين حقي؟

0000

وبعدها ينتقل ليصور حالة الشاب البائس بأروع صورة:

كم فتىً في الكوخ أجدى من أميرٍ في قصور

قوته اليومي لايزداد عن قرصٍ صغير

ثُلاثاهُ من تُراب، ثلثه الباقي شعير

وباب الكوخ كلبُ الشيخ يعوي 00 أين حقي

0000 دمتم

إلى أصحاب اللحى الكرام:

رسالة وجهها المرحوم الشاعر الكبير الشيخ علي الشرقي إلى أصحاب اللحى وخاصة المعممين منهم والذين يستغلون تلك اللحى والجباه المكوية والمسبحة التي يكثرون اللعب بخرزها مع حركة شفاههم بشكل صامت ، يوهمون الناظر إليهم بأنهم يسبحون بحمد الله ، ولكنهم قد يشتموننا بهذه التمتمات الصامتة ، لما انطوت عليه سرائر بعضهم من الخبث والمكر، يقول في هذه الرسالة التي وجهها في أربعينيات القرن المنصرم على شكل رباعية وهو قد أشتهر بتلك الرباعيات:

قديماً أُرسلَ الذقنُ لربط الشيخ بالرهطِ

ولما حلّقَ الرهطُ أرى الذقنَ بلا ربطِ

وليس الذقنُ أذ ينحط إلا رمزَ مُنحطِ

تريد الناسُ أن تحيا من القوة في قسطِ.

مشاركة