بغداد عاصمة التاريخ بين الأمانة والمرور – علي العكيدي

بغداد عاصمة التاريخ بين الأمانة والمرور – علي العكيدي

التراجع الذي حل بالبلاد والعباد في السنوات الأخيرة أمر لا يُنكر ولا يستطيع أحد مهما كان موقفه من المشهد السياسي الحاصل والواقع ميدانيا أن يقول عكس ذلك، ويدعي بأن العراق بلد التاريخ والحضارات هو ألان أفضل حالا مما كان عليه سابقا ،إلا أن ما تعاني منه بغداد بالذات كعاصمة للبلد ،من تراجع في كل الميادين تضل علامة مظلمة في سفر السنوات الماضية عدا ما تتعرض له بعض المحافظات من معاناة وتدمير ونزوح أهلها بسبب تدخل المنظمات الإرهابية التي احترق بوجودها الأخضر واليابس وأصبحت تلك المحافظات أشبه بالخاوية والخالية من مقومات العيش وتحتاج إلى عشرات المليارات لأعمارها عدا تلك المحافظات ،فأن لبغداد حصة الأسد من الضيم والألم والتراجع والكم الهائل من السيارات المفخخة التي حصدت أرواح البغداديين الطيبين بدم بارد . أمانة بغداد هي الجهة المسئولة عن بغداد ، نظامها ، شوارعها ، محلاتها، تصميم بناياتها، تجاوز الناس عليها من كل النواحي ، مساحاتها الخضر، مجاريها ، أنهارها ، وأشياء أخرى  لها صله بتفاصيل حياة المواطن البغدادي الذي كان قبل عقود يعيش في عاصمة يمكن عدها من العواصم  الراقية والرائعة بكل ما فيـها من ظواهر وشواهد . لأمانة العاصمة تاريخ طويل فقد أنشژت مع مطلع القرن العشرين كمؤسسة مسؤولياتها الاهتمام بالعاصمة ،فكانت بحق دائرة تعمل كما مطلوب منها وتجتهد لتكون بغداد في أفضل حال ،وحين أصاب العراق داء التراجع منذ ثلاثة عقود تقريبا لم يشمل التراجع عمل العاصمة إلا القليل ، إذ كان دورها الرقابي شغالا ونشطا حتى بداية الألفية الثانية واحتلال بغداد على يد الأمريكان واضطراب الحالة الأمنية ، وفقدان الكثير من السلوكيات الجميلة للمجتمع البغدادي التي  كانت تنعكس على مظهرها العام كعاصمة ،الذي كان مهما ومؤثرا من وجهة نظر الشارع، أصبحت بغداد تتراجع وأصاب الشلل حياتها ووجودها فأخذت تلملم أشتاتها خجلا لتنهض من جديد لكن دون جدوى فالأمراض تلاحقها ولا تعطيها وقتا لتستعيد نفسها من جديد ،وكلما يأتي أمينا جديدا لها نرى أن ما يحدث يكون أسوءاً مما كان سابقا ،وبذلك فهي تسير عكس اتجاه  المنطق والتطور والتألق الذي تسير عليه عواصم الدنيا.

حاضرة الدنيا

 أمر مؤسف للغاية ،مدينة كبغداد بعمرها ووجودها وموقعها وأهميتها وكونها مدينة كانت يوما حاضرة الدنيا ،تعاني الإهمال وكأنها غريبة على ناسها والمسؤولين عنها ،لا احد في موقع السلطة يؤلمه ما يؤلمها ،فيتحرك لإزالة الألم بموقف وطني وإنساني ،شوارعها تنهار في أغلبها ،الأزبال تحيط بها من كل جانب لا منظر يسر من يرى ،لا عمارات شاهقة ،لابنايات تدل على كونها عاصمة إلا القليل ،الحياة تسودها الفوضى ،الباعة  المتجولين في كل مكان ،لا نظام ولا قانون ولا احترام للمدينة التي عمرها أكثر من ألف وثلاث مئة سنة ،ولا لزعامتها للدنيا إذ  كانت حاضرة الوجود بعمقها السياسي والعلمي والأخلاقي والإنساني الذي يدعونا أن نفخر ونهتم لا أن نتراجع ونهمل، للأسف وكما قلنا ،كلما يلتحق أمين جديد يتحسر البغداديون على الذي كان قبله وكأن خدمة بغداد أصبحت من المحرمات.

دائرة مهمة

 مرور بغداد  دائرة مهمة هي الأخرى علاقتها بالشارع والناس علاقة وطيدة وأساسية من خلال عملها المنظم نستشف عن خبايا وأسرار البلد كونه متطورا أو متخلفا ،ومنذ الصغر تعلمنا في المدارس ومن خلال الإعلام وأحاديث نخب المجتمع من أن المرور واجهة البلد ،ومن هنا فان لدائرة مرور بغداد كونها عاصمة البلد تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة بتنظيم المرور الذي فقد للأسف الكثير والكثير من خصائصه التي كانت سابقا صفة تتصف بها مديرية مرور بغداد ،حين كانت الشوارع وحركة السير تعمل بنظام دقيق ورائع وجذاب، وكان لشرطي المرور أو بالأصح لرجل المرور وبكل الرتب هيبة ومكانة وأهمية ،وإشاراته كانت شبه مقدسة ،لا يستطيع احد أن يتجاهلها أبدا ،فرجل المرور يمثل الدولة والدولة مهابة وبنجاح ساحق ،وهذا الأمر كان سائدا منذ تشكيل الدولة العراقية المعاصرة عام 1921م وحتى إلى ما قبل سنوات مضت ،أما اليوم وعلى الرغم من أن البلاد تمر بحكم نظام سياسي ديمقراطي ،المفروض أن تكون دائرة مرور بغداد( وكل دوائر الدولة قاطبة) قد تجاوزت المرحلة السابقة واتجهت نحو تحقيق حالة من التطور والتألق والالتزام الصارم بالقانون وتحقيق الأفضل والأحسن للناس وللدولة في آن واحد، ،وإذا بها تعود للوراء عشرات السنين ،ففي شوارع رئيسة من بغداد تقوم العجلات في السير عكس الاتجاه أو ما يسمى [بالرون سايد] وأمام أنظار رجال المرور ،أطفال بعمر15 عام يقودون عجلات كبيرة [ لوريات] (دون إجازة)  أما تجاوز الإشارة المرورية فقد أصبح هو القاعدة والاستثناء هو الالتزام. ربما لم آت بجديد من كلامي أعلاه  فما يمر به البلد  أصبح واضحا للقاصي والداني  وللصغير والكبير وللمثقف والمتعلم ولغيرهم من سواد الناس..وأخيرا  لابد من مدوية  تضع حروفها بقوة في نهاية الأسطر.. أن نهاية الاستهتار  بإرادة الناس وطموحها وأمانيها  لابد وان تكون  نهاية قاسية وقاسية جدا ( ولهم في الآخرة عذاب مهين) .