بغداد بين عقوبات الحرس الثوري وشراكة واشنطن – رحمن الجبوري – حسين علاوي

405

بغداد بين عقوبات الحرس الثوري وشراكة واشنطن – رحمن الجبوري – حسين علاوي

العقوبات على الحرس الثوري الإيراني قد غيرت الان من معادلة التفكير العراقي ، فلم يكن من المتوقع ان تصل درجة التصعيد الى هذه النقطة الحرجة ، بعد ان نصح المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية في أيران رئيس الوزراء العراقي الأستاذ عادل عبد المهدي اثناء زيارته الى أيران بضرورة انهاء الوجود الأمريكي العسكري والدولي في العراق . لكن الموضوع مختلف جداً الان بعد ان أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب إدراج الحرس الثوري الإيراني على لوائح الإرهاب، وتأتي هذه الخطوة حيال الحرس الثوري بالتزامن مع فرض عقوبات على إيران بشكل عام، وستشمل العقوبات تجميد أصول قد يمتلكها الحرس في الولايات المتحدة وفرض حظر على الأميركيين الذين يتعاملون معه، أو يقدمون الدعم المادي لأنشطته. وتعتبر هذه المرة الأولى التي تصنف فيها الولايات المتحدة الامريكية جزءا من جيش دولة أجنبية رسميا كمنظمة إرهابية، خاصة وأن الحرس الثوري الإيراني يعد أحد أهم العناصر داخل القوات المسلحة الإيرانية ، وتقدر أعداد القوات البرية للحرس الثوري الإيراني المخصصة للدفاع عن إيـــــــــــــران بنـــــــــحو 100- 120 ألف عنصر . وبالتالي عملية التصعيد ما بين الولايات المتحدة الأمريكية ونقل ملف ايران من وزارة الخارجية الى وزارة الدفاع الامريكية والأجهزة الاستخبارية الامريكية مع الإبقاء على الدعم اللوجستي والعلاقات العامة لوزارة الخارجية الامريكية لتنفيذ قرارات الكونغرس الأمريكي من جهة ومؤسسة الرئاسة الامريكية من جهة أخرى .

والشيء الاخر والمهم ، هنالك توقع ضعيف جداً نسج الإيرانيون خيوط الحرير الجميلة عليه من ان الرئيس دونالد ترامب لن يفوز في أنتخابات الرئـــــــاسة الامريكية 2020   وهذا احتمال ضعيف ، لان مؤشرات الفوز واستعداد الحزب الجمهوري بالانتخابات المقبلة تكاد تكون بحزمة من الإنجازات التي تحقق لوعود الرئيس الأمريكي ترامب ، خصوصاً في موقفهم في السياسة الداخلية والشرق الأوسط .

خيارات حرجة

 وهذا بالتالي ما يجعل الخيارات حرجة جداً امام ايران وقيادتها السياسية ، خصوصاً بعد اعلان الولايات المتحدة الامريكية انها تعمل على استراتيجية النبذ الإقليمي والدولي للجمهورية الإسلامية في ايران ، وهذا اول تصعيد استراتيجي من قبل الإدارة الامريكية الجمهورية . وبما ان الصراع الأمريكي – الإيراني يحتدم مع الحرب الكلامية والإجراءات القانونية المتخذة تجاه الحرس الثوري الإيراني أصبحت خيارات بغداد ثلاثية الأبعاد :-

الخيار الأول : وهو خيار الحشد والمقاومة والوقوف مع ايران والحرس الثوري ردا للجميل ودفاعا عن العقيدة والتزاما بدعم نظرية الحكم للولي الفقيه ، وهذا خيار يمثل جزء كبير من القوى السياسية القريبة على محور المقاومة الإسلامية من كلا الطائفتين ، وشاهدنا التصريحات المباشرة بعد ساعات من اعلان واشنطن العقوبات على الحرس الثوري الإيراني .

الخيار الثاني : الذهاب الى محور واشنطن وترك ايران ، وبالتالي تفضيل بغداد لعلاقات واسعة مع واشنطن على حساب علاقاتها السابقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب أثار قرار العقوبات الامريكية على الحرس الثوري واثاره الاقتصادية والسياسية . وهو خيار بعيد الان في بغداد لقوة التيار الاسلامي وضعف مؤسسات الدولة العراقية مع حالات مفتوحة من قبل القوات الحكومية العسكرية الرسمية التي تفضل علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية ، نتيجة بروتكولات التعاون وأنظمة الأسلحة والتدريب وبناء القدرات ضمن مفردات عديدة للتعاون العراقي – الأمريكي العسكري – الأمني ، وخصوصاً اذ ما علمنا ان المؤسسة العسكرية الرسمية لديها تفكير عميق بأدارة العلاقات الدفاعية وبناء برامج بناء القدرات والقدرة على إدارة العمل مع المؤسسات الدولية العسكرية ، خصوصاً وان النظام العسكري العراقي مبني على منظومة التعاون مع المؤسسات الدولية والعلاقات الدولية العسكرية ، ولذلك المؤسسة العسكرية هي والوحيدة التي ستعرف علاقتها مع الولايات المتحدة الامريكية ضمن اتفاقية الاطار الاستراتيجي وعضوية العراق في التحالف الدولي لدحر الإرهاب.

خيار داخلي

الخيار الثالث : نحن كدولة نحتاج لضبط الخيار الداخلي وجمع القوى المحلية سواء كانت قريبة من ايران ام امريكا اضبط إيقاعها وتختار استراتيجية مستقبلية للدولة العراقية بدلا من تكتيكات المعركة والحرب الكلامية التي حتى الإيرانيون انفسهم لايريدون التصعيد الان مع الولايات المتحدة الامريكية ، خصوصاً بعد نقل ملف الشؤون العراقية من الحرس الثوري الإيراني الى وزارة الخارجية الإيرانية والرغبة في التعــــــامل مع الملف العراقي باستراتيجية مسؤولة . وبالتالي نجد ان قادة بغداد من السياسيين في الحكومة الاتحادية او القوى السياسية العراقية الرئيسية تدرك حقيقة ان التصعيد بين الطرفين هو خطر على الدولة العراقية لكنه مساحة استثمار ولعبة ذكاء لأحياء الدولة العراقية والعمل على وضع اوتادها في الأرض بعد 16 عاما من التفكير بها .

والشيء الاخر جمع القادة السياسيين يدركون نحن سنكون خاسرين في الميل او الاقتراب من أي عقوبات دولية خارجية ، لان الميل الى الطرف الأضعف سيكون مكلف على الدولة العراقية ، وقد يكون مقبول في التفكير العاطفي ، لكن الدول لاتدار في العواطف وانما في الاحاسيس الاستراتيجية العميقة ، ولذلك علينا التحول في النظر الى الازمات الإقليمية – الدولية من التفكير القدري الى التفكير المؤسساتي الاستراتيجي . ان الخيار الثالث وهو قدرة القيادة السياسية العراقية على بناء خيار وطني للتعامل مع الولايات المتحدة الامريكية وتعزيز السياسة الداخلية في مرحلة ما بعد العقوبات الامريكية على الحرس الثوري وتصميم كمنظمة إرهابية ، يجعل من المستقبل فرصة للتأمل في كيفية تشكيله من قبل القادة السياسيين ، ولذلك نحتاج اليوم الى قرار سياسي لتحديد خيارات الدولة العراقية ومصلحة العراق الوطنية .  في النهاية هنالك احتماليين في مسار الصراع الأمريكي – الإيـراني يتمثل بـ:-

الاحتمال الأول : ان الولايات المتحدة الامريكية تريد تحييد العراق واضعاف دور الإيرانيين في بغداد .

الاحتمال الثاني تامر ايران المجاميع المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني من حيث رابطة الفكر والعقيدة ان تلتزم الصمت لمعرفتها بان اَي تحرك لهذه الفصائل ربما يكلفها خسارة رئتها الاقتصادية العراقية وربما تخسر العراق استراتيجيا لسنوات طويلة ويرجح هذا الاختيار لسبب صبر المؤسسة الايرانية العميق وخبرتها في عمليات التصعيد والتفاوض .

وبالتالي خيارات بغداد في ضوء الخيار الثالث ( الخيار الوطني ) الذي طرحناه ووفقاً للاحتمال الثاني لمسار الصراع الأمريكي – الإيراني الذي هو اكثر وضوحاً الان ، يجعل من بغداد بضرورة التفكير بخيارات المستقبل اكثر من اختيار مسار مكلف للبلاد .

{ كبير الباحثين في مركز الدراسات الإقليمية – الجامعة الامريكية

{ رئيس مركز اكد للشؤون الاستراتيجية والدراسات المستقبلية.

مشاركة