بعد الموازنة, أزمة الرواتب تضرب مالية العراق – كوفند شيرواني

783

 

 

 

بعد الموازنة, أزمة الرواتب تضرب مالية العراق – كوفند شيرواني

أرسلت وزارة المالية العراقية مشروع قانون الموازنة لسنة 2020 الى البرلمان للمصادقة عليه, بيد أن الأعتراضات الكثيرة  عليه بسبب العجز الضخم غير المسبوق في الموازنة,أضطرت الوزارة الى سحب القانون في اليوم التالي لأجراء تعديلات عليه تجعله اكثر قبولا لدى اللجنة المالية البرلمانية وباقي أعضاء البرلمان. وفي الأسبوع الفائت, ظهرت أزمة جديدة, وهي أزمة الرواتب, حيث أعلنت وزارة المالية عدم تمكنها من تأمين رواتب موظفي الدولة بأكملها ما لم تلجأ الى الأقتراض لتمويل النقص في السيولة لديها, وهو الأمر الذي أعترضت عليه اللجنة المالية لأنه سيثقل كاهل الدولة بالمزيد من الديون. وقد أثار التاخير في صرف الرواتب لشهر أيلول الماضي الكثير من المخاوف والقلق في نفوس الموظفين والمتقاعدين وأصبح أزمة جديدة تضاف الى قائمة مطولة من أزمات سابقة وقائمة.

الأزمة المالية – الأقتصادية

يعاني العراق, ومنذ سنوات, أزمة مالية واقتصادية على حد سواء, ويعد موضوع الرواتب مؤشرا لخلل واسع ومعضلة جدية يواجهها الاقتصاد العراقي. وتحصل الأزمة المالية عند اضطراب الوضع الاقتصادي في بلد ما بسبب اختلاف التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وهذا ما حصل في العراق, فالبلد صار يستهلك اكثر بكثير مما ينتج, وحتى ما ينتجه البلد تشكل مبيعات النفط نسبة تزيد عن 90 بالمئة منه. أما مصطلح الأزمة الاقتصادية فيشير إلى حصول تباطؤ في الاقتصاد بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أو نقص السيولة النقدية أو تدهور أسعار السلع والخدمات. وعليه فالبلاد في ازمة مزدوجة, اقتصادية ومالية في الوقت ذاته.

ولهذا الوضع المتأزم أسباب تتلخص في الآتي :

1- اعتماد سياسات مالية ونقدية غير صائبة أوصلت اقتصاد البلاد إلى هذه الحالة.

2- عدم وجود رؤية وفلسفة اقتصادية واضحة, وعدم الأستئناس بآراء الخبراء في السياسات الاقتصادية والمالية .

3- تقاعس الدولة عن القيام بإصلاحات جدية في هيكلة الاقتصاد العراقي ودعم القطاعات المتراجعة فيه كالزراعة والصناعة والسياحة, والأكتفاء بالنفط كمصدر وحيد للأيرادات.

4- عدم الأهتمام بتنمية موارد الثروة النفطية وتنويعها الى مجالات تصنيع البتروكيمياويات وزيادة قدرات المصافي النفطية.

5- تفشي الفساد المالي والإداري وتهالك البنى التحتيىة للدولة.

مؤشرات الخلل في الرواتب

يشكل موضوع الرواتب احد العلامات البارزة على سوء الادارة وعدم التخطيط. وهذه العوامل وغيرها مهدت للازمة المالية الحالية والى عجز الدولة عن تأمين الرواتب في مواعيدها. ومن المؤشرات الواضحة على الخلل في الرواتب هي :

1- تتطلب الرواتب تأمين المستحقات النقدية لسبعة ملايين مواطن (أربعة ملايين موظف وثلاثة ملايين متقاعد), تقدر بـ 50 مليار دولار سنويا. وهذا التضخم الكبير في الوظائف أستنزف مبالغ وصلت الى 65 بالمئة من الموازنة في العام 2019 لترتفع بدرجة أكبرأثر تراجع الإيرادات النفطية في العام الحالي, حتى أصبحت الموازنة مقتصرة على النفقات الجارية (رواتب ومصاريف تشغيل مؤسسات الدولة) ولا تترك أية أموال للبرامج والمشاريع الاستثمارية.

2- رواتب عشرات الالاف من الفضائيين, والرواتب المزدوجة , والرواتب غير المشروعة تحت مسميات مختلفة, كلها تعمل على استنزاف جائر لجزء كبير من الموازنة.

3- التباين الكبير بين رواتب منتسبي الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والبرلمان) مع سائر دوائر الدولة الأخرى.

4- النسبة بين أقل و أعلى راتب في الدولة تتجاوز واحد الى 100،  وهي نسبة غير مقبولة في المقاييس المحاسبية المتعارف عليها, وتشير الى خلل في سلم الرواتب والى انعدام العدالة فيه.

وعند الرجوع الى أرقام وردت في قانون الموازنة لسنة 2020، سنجد أن التقديرات للايرادات السنوية بلغت 67 تريليون دينارعراقي, في حين تتطب الرواتب لوحدها 60 تريليون دينار (نحو 50 مليار دولار) وعليه فالمتبقي لكل المصاريف الجارية لوزارات الدولة هو 7 تريليون دينار فقط, وهو رقم متدني جدا لن يكون, بطبيعة الحال, كافيا لعمل مؤسسات الدولة بشكل فعال ومقبول في خدمة المواطنين.

وسائل سريعة

الخيارات المطروحة أمام وزارة المالية العراقية في بحثها عن وسائل سريعة لتمويل المبالغ اللازمة للرواتب تمثل جميعها خيارات صعبة وهي باختصار:

– الاقتراض الداخلي والخارجي هو حل بدأت به الحكومة مستندة الى قانون الاقتراض الذي أقره البرلمان في شهر حزيران من العام الحالي والذي يسمح للحكومة إقتراض 15 مليار دينار من الداخل وخمسة مليارات دولار من الخارج. وهذا الحل, وعلى سرعته, سيفاقم المديونية التي وصلت مؤخرا إلى 134 مليار دولار.

– خفض قيمة العملة المحلية, أي تقليل قيمة صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي. يمكن لهذا الحل أن يقلل العجز في السيولة النقدية بنسبة قد تصل الى 20% , إلا أنه سيقلل من القدرة الشرائية للفئات محدودة الدخل والفئات الفقيرة.

– طبع المزيد من العملات الورقية, وهو حل لاينصح به خبراء المالية لأنه سيسبب تضخما نقديا مع تبعات سيئة . وبالاعتماد على القروض المستلمة سابقا, تمكنت وزارة المالية من تأمين رواتب شهر أيلول وشرعت باطلاق توزيع الرواتب  اعتبارا من يوم الأربعاء 7- 10 لكن الشكوك تساور المراقبين والخبراء حول قدرة الوزارة على تأمين رواتب الأشهر الثلاثة اللاحقة من السنة الحالية.

ترافقت أزمة الرواتب مع جدل حاد بين وزارة المالية والبرلمان. ويعتقد بعض مراقبون, ان هذا الخلاف المستجد يخدم مصالح سياسية لأطراف متنفذة في البرلمان تريد احراج حكومة السيد مصطفى الكاظمي, وقد يكون الامر وراءه دوافع انتخابية ستزداد علاماتها حدة و وضوحا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الجديدة في شهر حزيران من العام القادم. نتمنى من الجميع أن ينظر بمنظار المواطنة وحب البلاد وأن يتجنب الاعيب السياسة ومكائدها على وجه الخصوص في ألأمور التي تمس قوت المواطن ومعيشته.

{  أكاديمي عراقي

مشاركة