بصيرة البلبل لمجيد – نجاح هادي كبة

287

الإيحاء الشفيف في المتن السردي

بصيرة البلبل لمجيد – نجاح هادي كبة

إضمامة قصص قصيرة جداً للقاص حنون مجيد بلغت (111) مئة واحدى عشرة قصة ،  صدرت عن دار غراب للنشر والتوزيع في القاهرة في (80) صفحة من القطع المتوسط وكانت العنونة ( بصيرة البلبل ) مستلة من احدى قصص المجموعة،  وقد حدّد جيرار جنيت وظائف العنوان بأربع (الإغراء والإيحاء والوصف والتعيين ) والقارئ لهذه الإضمامة القصصية يدرك ان القاص كان ذا بصيرة في بناء المتن السردي فهو يلتقط الأحداث ويوظف الحوار والوصف بضربة مدهشة واخزة أو انسيابية مع التزامه بشرط القص الموجز كما رآها النقاد كالوحدة الموضوعية والجرأة في السرد بلغة شاعرية تتخللها تطريزات استعارية وبأسلوب المفارقة والانسنة جاء في قصة ” اللعوب ” : (عندما مضى يغيّر أمكنة جلوسه في الحديقة العامة طلباً للظل لام الشمس التي لا تترك ظلّاً إلّا وغزته لكن الشجرة الكبيرة التي لاذ بظلّها أخيراً ،  ردّت عليه ؛ لا تلم شمسك الرصينة الثابتة سيدي بل لم أرضك الغانية اللعوب !) ص:27.

قصص واقعية

وتأخذ القصص الواقعية الاجتماعية والوجودية مساحة من القص بلغة شاعرية فيها التعليل جاء في قصة ” اللغز” : (لما كلّ الطبيب وعزّ الدواء ،  لم يجد بدّاً من اتخاذ طريق الصحراء ،  هناك نصب خيمته تشاغل ولو من بعد بطراد الضواري الخائب في النهار وعوائها الشجي في الليل ،  ويستقبل رائحة عرق شجى مستفزّ يتقطر من جسد مسموم يبحث عن علاجه ،  ولو من تحت سكانين مثلومة أو من تحت أنياب الذئاب) ص:26 .  وفي المجموعة قص تداولي وآخر دلالي موحيان أو رمزيان جاء في قصة ” رجل جانٍ ” : (بعد أن أجرى عملية ناجحة ،  وانقطع عن الأدوية والعلاجات التي كان يعامل بها مرضه ،  اجتمعت هذه جميعاً وتداولت الأمر في ما بينها ،  فاتفقت على ان هذا الرجل رجل جانٍ ) ص:29.  فأكثر قصص المجموعة تعكس إيحاء شفيفاً أو واخزاً ،  جاء في قصة هو و…هم :

(اللصوص الذين استغفلوه وسرقوا نقوده وولوا هاربين قلبوا موازينه ولم يعرفوا ما حلّ به بعد . كذلك هو لم يعرف ما صاروا عليه أخيراً ،  بيد انه ان أمسى أشدّ غربة عن الناس ما دام فيهم مثل هذه النماذج الفاسدة ،  فانهم باتوا ألصق بهم مادام فيهم مثل هذه الثمار الطازجة ! ) ص:28. وهكذا تأتي الضربة المدهشة في الختام بأسلوب المفارقة .

اسلوب حداثي

وينحى القص لدى القاص منحيين أولهما أسلوب حداثي وآخر تقليدي يستند إلى الوصف والعقدة والذروة الدرامية فالحل فمن أمثلة القص الحداثي الذي يتخذ فيه القاص شخصية الراوي العليم قصة “غنية” : ( غنية الشابة الحمراء ،  نزيلة بيتنا وزوجها حميد البنّاء تقف إلى جانبي وتطوِّق جسدي بذراعها الترف ،  كلما ذهب زوجها إلى المقهى مساء. ومع أن جسدي ،  أنا ابن الثالثة عشرة ،  يلتهب ويفور ،  فلا أدنيه منها ولا أطوقها بذراعي . غنية التي لوجهها لون المصباح ،  يحنّ جسدي المتهالك هذا لجسدها الفتي ذاك ،  ويتمنى ذراعي الهزيل ذا أن يطوِّق خصرها الريّان ذلك. غنية التي أمست كالحلم البعيد ،  تدخل عليّ في حلمي القريب ،  تؤنبني وتقول ؛ لقد جعلتَها حسرة عليَّ وعليك حبيبي،  ألامها أغباك) ص:28. وقد يأتي الأسلوب التقليدي في سرده متناصاً مع التراث ،  جاء في قصة ” أرغفة البخيل ” : (نثر الرجل أرغفته متباعدة عن يدي ضيفه ودعاه ،  فلما أتى الضيف على أول رغيف كان قريباً منه ،  نادى على غلامه ؛ الصنّارة يا غلام ،  وما حاجتك إلى الصنّارة يا رجل ؟ سأله ضيفه ،  أجاب ؛ لاصطاد بها ذلك الرغيف البعيد) ص:20 . ولابد من أن نشير إلى ان مجموعة ” بصيرة البلبل ” لحنون مجيد قد استثمرت شرطي القصة القصيرة جداً ،  الأول : الجانب الكمي ،  والآخر : الجانب الكيفي أو الفني بأسلوب الانزياح والخرق الجمالي وعبّرت عن حاجات إنسانية أو أنطولوجية هي من صميم وظيفة القصة القصيرة جداً في عصر العولمة في الوقت الذي اتجه فيه السرد الروائي إلى معالجة مضامين قومية أو وطنية أو محلية.

مشاركة