بشرى البستاني.. نموذج للتفريط بالكفاءات – سلام الشماع

892

هذا الكرنفال ليس لها

بشرى البستاني.. نموذج للتفريط بالكفاءات – سلام الشماع

 الحديث عن الشاعرة الكبيرة بشرى البستاني يحيلنا إلى موضوع التفريط بالكفاءات العراقية، فهي أستاذة متمرسة في جامعة الموصل، وسبق أن حازت المرتبة الأولى على كليتها ثم على جامعتها ثم على العراق.

لا تذكر مدينة الموصل العراقية إلا وتذكر شاعرتها بشرى البستاني، ولا تذكر بشرى البستاني إلا وتذكر الموصل، برغم أنها انتشرت عراقياً وعربياً وكتبت عن شعرها دراسات في جامعات أجنبية. ومع ذلك ظل الحديث مع البستاني يطغى عليه ذكر الموصل، ولكن، منذ نيسان 2003 وحتى هذا اليوم، وبضمنها مجازر داعش في الموصل. البستاني المذبوحة بين مشهدين: مشهد العراق زاهياً بتقدمه العلمي والعمراني ومحط أنظار العرب النبلاء في الوطن العربي والعالم وآمالهم، وبين دم العراق والعراقيين وأبرياء الموصل المسفوح ظلماً، وأشلاء آثارها الحضارية والعمرانية المتناثرة على الأيادي القذرة لمؤامرات الكيد الأميركي الصهيوني الفارسي الداعشي.

تلازم وثيق

على الرغم من هذا التلازم الوثيق بين الشاعرة والمدينة وجدت بشرى البستاني نفسها مرغمة على مغادرة مدينتها والإقامة في العاصمة الأردنية عمان، بعد أن ساد المدينة إجرام تنظيم داعش الإرهابي واستهدف إنسانها وحجارتها، التي عمرها آلاف السنين.

الموصل، بعد بغداد في عديد أدبائها ومثقفيها لكن أصواتهم ضاعت بين أصوات الرصاص والقنابل والصواريخ، في محنة تمر بها المدينة وهي أشد وأقسى من محنتها خلال الحصار الذي ضربه حولها الملك الفارسي نادر شاه قبل 274 سنة.

لكن البستاني ترى مسوغاً لغياب أصوات مثقفي الموصل، فهي تقول “مثقفو الموصل وكتابها ونخبها وكفاءاتها ومعظم أكاديميّيها والإعلاميين فيها من صحافيين ومذيعين منذ الاحتلال الأميركي والداعشي تعرضوا لاضطهاداتٍ شتى من اغتيال وملاحقات وخطف ومداهمات لبيوتهم، فخرج معظمهم تاركين مدينتهم إلى المنافي خارج العراق وداخله، فهم الآن في الشتات، لكنهم لم ينسوا الموصل ولا ما حلَّ بها من دمار، وظلوا يفكرون بأهلهم في نينوى، وظلت قصائدهم تتغنى بصمودها، عبر المحن التاريخية، التي مرت بها وبدجلتها الخالد وبآثارها الحضارية التي تعدّ الطليعة في الرموز الإنسانية.

ملأت البستاني الحياة الثقافية العراقية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بإبداعها الشعري، ثم انزوت مؤخراً، حتى قيل إنها هجرت الشعر، ولكنها تنفي ذلك وتؤكد أنها كانت، في سبعينيات القرن الماضي، متفرغة للشعر والعمل الصحافي والجماهيري الذي تعلمت منه الكثير، لكنها حالما التحقتُ بالدراسات العليا والعمل الجامعي، في بداية الثمانينات، تغيّر الأمر، ولم يعد زمنها ملكاً للشعر وحده، وإن كان الشعر هو الهاجس الأصيل الذي حرّك ويحرك اشتغالاتها كلها.

صادف، يوماً، أنْ التقت البستاني، في أحد المؤتمرات، الأستاذ مدير عام الشؤون الثقافية، آنذاك، عادل إبراهيم، فبادرها بسؤال عدته، فيما بعد، أجمل تحية: أين هو الشعر، ارفضي استحواذ الأكاديمية على الشاعرة. وكانت هذه التحية مبادرة العودة إلى الشعر والاهتمام بحضوره موازياً للاهتمامات الأخرى، حينها تفرغت لجمع ديوانها الذي صدر مطلع العام 2000 موسوما بـ’البحرُ يصطادُ الضفاف” (بغداد). وبعده كانت الهجمةُ الإمبريالية تشتدُّ على وطنها وشعبها فكان ديوان ‘مكابدات الشجر’ (بغداد، 2002). أما ديوان ‘ما تركته الريح’ فصدر بطلب من اتحاد الأدباء والكتاب العرب في دمشق 2001?.

السيرة العلمية والأدبية للشاعرة البروفيسورة البستاني أستاذة الأدب والنقد في كلية الآداب بجامعة الموصل زاخرة بالإبداع والإنجازات الكثيرة، حصدت منها ألقاباً وأوسمة وتكريمات، مثل وسام الأستاذ المتميز الأول على الأكاديمية العراقية من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للعام 2012? ووشاح الإبداع من رئيس جامعة الموصل للعام 2014. ووسام الأستاذ المتميز الأول على جامعة الموصل 2011? ووسام الأستاذ المتميز الأول على كلية الآداب 2000? ودرع الإبداع من رابطة الأكاديميين فرع نينوى 2014? وسبع شارات للعلم والإبداع من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الثقافة والفنون ومن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ومن الاتحاد العام لنساء العراق ومنظمة حقوق الإنسان، وعشر دروع للإبداع من جامعات مختلفة، وصدر لها أكثر من 16 ديواناً ومجموعة شعرية، بالإضافة إلى ثلاثة دواوين شعرية مشتركة، وعشرة كتب أكاديمية مشتركة، عدا عشرة كتب في النقد والحادي عشر “الشعرية وفتنة التشكيل” هو قيد الطبع الآن، ثم (التداولية في الخطاب اللغوي النقد)، عن دار السياب في لندن، و(الحب وإشكالية الغياب) عن دار التنوير في الجزائر.

ديوان جديد

انتهت البستاني من إعداد ديوان جديد للنشر بعنوان “هذا القرنفلُ ليس لي”. ولها في سلسلة “لأن” الأكاديمية التي تصدر عن دار السياب كتاب “الرواية العربية وتحولات ما بعد الحداثة” الذي انتهت البستاني من تحريره كما أنهت كتابها “الشعرية وفتنة التشكيل”? وهي لا تكف عن البحث والتأليف وكتابة الشعر.

ألا تستحق هذه السيدة العراقية المثابرة أن نحييها وأن تيسر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي شؤونها الإدارية، خصوصاً موضوع راتبها الذي أصبح قصة لا تنتهي، برغم أنه يقال إنها ستنتهي، ولكن بتنازلات عن مخصصات لقبها العلمي.

مازالت بشرى البستاني مصرة على تقديم المزيد لوطنها بالإضافة إلى الكثير الكثير الذي قدمته.. فلها منا تحية اعتزاز ووفاء.

مشاركة