بسمة مرواني:  لغة المرأة الشعرية آتية من تضاريس وجودها

906

بسمة مرواني:  لغة المرأة الشعرية آتية من تضاريس وجودها

أستلهم فكر المتصوّفة وإشراقتهم وفلسفتهم في القراءة

خالد ديريك

في خلوتها، كانت تنحت الحروف على الأوراق، ومن هذه العزلة تطرقت إلى مواضيع مجتمعية شتى، مع مرور الوقت ستجد أن كلماتها تزين صفحات بعض المجلات. أما الآن، تجد متعة الكتابة بفرح في تدوينها عن كل مكان تزوره حيث المشاهد المتنوعة عن الطبيعة والثقافات والناس …

عند الحديث معها، نجدها هادئة، حذرة، غير متسرعة في إبداء الرأي، أجوبتها صريحة كما نقاء قلبها. تسجل كل ما يلتقطه ذهنها بكل رزانة وشغف، وتعرف أن الكتابة مسؤولية فقلمها الذي يحمل في طياته جهد السنين لصقل الموهبة لديها ينتج إبداعات تزخرف صفحات حياتها الأدبية. كاتبة ذات ثقافة وفلسفة عميقة، تستطيع أن توازن بين الأمور برؤية ثاقبة دون أن تسلك دروب المتاهة

عن نفسها تقول: كاتبة تونسية لها رحلة العمر بحاجة أن تقف في مرحلة محددة، أسترجع الأيام الهنيئة من طفولتي ومدينتي، وأقول هي أنا، لم أتغير، لي همساتي على جناح الأمل والبسمة على الشفاه والإيمان بضفاف الإبداع وأن الحلم عندي يتواصل بالكلمة.

بسمة مرواني أستاذة مدارس ابتدائية، متحصلة على شهادة في الحسابات من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف وشهادة في الإنجليزية من البريتش كونسيل، وعضو باتحاد الكتاب، ولها مشاركات في مهرجانات دولية داخل تونس وخارجها …

صدر لها: ديوان “نبراس في سقف الغيم” سنة 2014 – ديوان “تجليات على حافة التجريد” 2016 ـ رواية “مرايا نوران” 2019 ـ ترجمة رواية “جنة الشيطان” للروائي يوسف رزوقة من الإنجليزية إلى العربية

قيد الإنجاز: كتاب “جلال الدين الرومي إيقاع المتصوفين” ـ كتاب “مقاربات نقدية” لضيوف الأربعاء الأدبي للمواسم الأدبية (6 سنوات).

فيما يلي نص الحوار:

{ بدأت حكاية مرواني مع القراءة والكتابة منذ الصغر، حيث كانت تكتب في خلوة … ثم نشرت روائعها في العلن:

– كانت في البدايات الأولى لولادة الحروف اكتب في خلوتي، وفي ضوء النهار وجدت جذوع الفاعلين في نحت حبي للمطالعة وتوفير أسباب الافتنان بالحروف لأجدنني حاملة لصفة البنت المستميتة في صمتها وحبها لعزلتها منذ صغرها حيث تقرأ …تكتب وتنشر في بعض المجلات باللغتين العربية والإنجليزية، وتنثر دفء قلبها وترسم صورًا عنها وعن الناس تعبهم عملهم، ملامحهم ومشاكلهم المختلفة، موقنة بجرس الخطو في الحياة بتغييرها إذا ما استطعنا أن نغير اتجاهاتنا العقلية وطبعًا كل المعاني بالكلمات.

{ في زحمة الحياة، تجد سعادتها في السفر وبالتالي تستوحي غالبية كتاباتها من مشاهداتها لتلك الأمكنة:

– الكل يحس … الضرورة الحتمية لسيره قدمًا، صعودًا في حركة روتينية محمومة لضمان شروط الحياة، لكن، الحياة أساسها الجمال، والجمال مواطنه كثيرة، أولها متعة السفر فهو السر العجيب الأول والكامن وراءه سعادتي ليزيدني مشاهدة الأمكنة الطبيعية الجميلة بتغيير حالة الإنسان وصفاء ذهنه يمدّ الإنسان بالشّجاعة اللازمة للمغامرة، كما يستخرجُ الإبداع الذي بداخله مما يؤثِّر إيجاباً، وعادة الأشياء الحسنة هي من تصنع، تثري وتنحت الشخصية.

{ رأيها في … الموهبة، الجرأة، الحرية … وعلاقتهم بالإبداع، كان على الشكل التالي:

– المواصفات الفكرية، الأسلوبية الفنية والجمالية والثقافية قد تكون العلامات المفيدة التي يراهن عليها المبدع … لكن الجرأة لإفصاح بلسان الحق عن الحقيقة كما هي الحديث دون إسفاف ولا بذاءة ولا تسفيه، وهذه محمودة ولكن ليس باسم الجرأة أن نسقط في الابتذال حيث ينتج الأدب المائع … فاشتراك بعض الناس في الجرأة كمسمى لغوي يليق كصفة يعتبر كما الوقوع في الرذائل …ولن تكون هذه الرذائل  فضائلًا، واشتراكهم في أخطاء كثيرةً جداً لا يجعل الأخطاء حقائق، واشتراك العديد من البشر في التباهي بالجرأة عينها غير مقبولة لا يجعلهم  في نظري أسوياء.

 الشاعرة بسمة مرواني ليست مع فكرة تغييب الرجل في القصيد، لأنه يتواجد في جل الكتابات النسوية رغم تحفظي على هذه التسمية … المرأة بطبعها وروحها الفطرية لها قوانين المجتمعات يحركها التحرر الفكري وأيضًا الموروث الأنثروبولوجي الذي لا يمنحها مهما علت ثقة كبيرة في كينونتها كمبدعة ولها ثقافتها التي أن تحدثت بها أقنعت وأن تكلمت تأنقت وأن رسمتها كلمات لم تعد راهبة في جسدها الذي يقاتل الآخر في رئتيه مساومة إلا على ممرات التراشق عليه وكأنها الطالعة من تهتكها …

تضيف: ورغم ذلك بكل ممكنات البلاغة نكتب الرجل كما يكتبنا ونجعل المكان معولًا عليه بحضور تاء التأنيث كما يذهب في ذلك قولًا ومعنى الشيخ الأكبر بن عربي (المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه) …. لغة المرأة الشعرية آتية من تضاريس تواجدها في كل الساحة الحياتية، ولمعان حضورها البراق في جيب السماوات.

{ الأدباء …الذين قرأت لهم ومنهم تعلمت، كيف تكون بالوحدة منتشيًا بالنقاء:

– أحببت الجبران وتجوّلت في أضابير النزاريات  في مرحلة أولى وتهت مع كهنة الشعر لأشارك صلاتهم، صلاة إلى المستوى الإنساني بها يحاربون التأويلات الاجتماعية حيث تعمقت في السياب، درويش، أدونيس وسليم بركات لأشحذ تعلقي بالأدب الروسي لروايات مختلفة بعمقها وقوتها المدوية، قرأت جمال الجنون مع الجبار نيتشة وحيث رحلة في أعماق الذات البشرية والأبعاد الفلسفية والإنسانية، اشتياقاتي لله حين أقرأ لمولانا الرومي ثم الذي تعلمت منهم كيف تكون بالوحدة منتشيًا بالنقاء والكبرياء، وثملًة بوجدانياتي مع جاك دريدا، ولأجد نفسي موغلة في الميثولوجيا عشقا ومع فراس السواح  خصوصًا، الذي لرحلات قراءاتي في فلك سحبه من غموض ونحو أعماق متاهة الوجود حيرة، وباختصار أقرأ لشموس مجتمعاتنا ومن ينحتون عمقًا لوعي في محيطنا …

{ ديوانها الأول “نبراس في سقف الغيم” فيه وجه بسمة مقروء بين الغموض والإغماض:

– نبراس في سقف الغيم كتابي الشعري الأول، فيه وجه بسمة مقروء بين الغموض والإغماض لشخصيتي عاطفةً، رثاءً، حنينًا، شوقًا وغيرها من المفردات الخلاقة في الإنسان عمومًا ولأنه الابن البكر، أقول فرحت به كَوليد أول لي وشاركني فرحتي به الأستاذ القدير يوسف رزوقة والأديبة مسعودة بوكر تقديمًا والأحباء والقراء والنقاد…

{ سألناها، لو كانت باستطاعتها الآن تعديل بعض نصوص ديوانها الأول، أجابت: يظل عدم الرضا شيء وارد حيث أقول لأني دومًا أحب التفرد اللغوي، لكنت قمت نحتًا أفضل.

{ مدى أهمية عنوان القصيدة: عنوان القصيدة هو أول درجات القارئ التي من خلالها يرتقي بقية درجات النص وليس يكتم صوت من أسسوا دراسات وكتبوا عن عنوان النص أن حصرت أشهرهم، لوسيان جولدمان، هنري ميتران وغيرهم من الأسماء

– ديوان “تجليات على حافة التجريد” لشاعرة بسمة مرواني وقعت ترجمة قصائده إلى الإنكليزية في المجلة الأمريكية العالمية للشعر universal poetry revew وكتبت عن هذه القصائد الجريدة العالمية charles river journal boston

كما تم اعتماد ديوان” تجليات على حافة التجريد” لشاعرة مرواني كمرجع للتدريس في كلية الآداب ولاية غرداية في الجزائر!  …

{ عن الإنجازين في الجمل أعلاه تقول:

– ككل كاتب يطمح أن تكون له القراءات النقدية وأن يكون له فن الأصغاء لمجهول ما نثره حبرًا مدخنًا الجغرافيا، طارقًا بوابة العالمية، متحفزًا للمزيد من العطاءات، مؤمنًا بعمله، واثقًا في خطاه وبفكرة أن الرسم بالكلمات كرسم الخرائط يقوم على الإبداع المتواصل ونتيجته أن صدى القلم له الذاكرةِ باعتزازه العميق الباطنِي للمعنى. وكلمة شكر أقولها للذين اهتموا بترجمة قصائدي إلى الإنجليزية لتجد صداها في هذه المجلات الأمريكية التي تهتم بالأدب العربي.

{ هندست الكاتبة بسمة مرواني روايتها “مرايا نوران” في دولة كندا، وعن مضمونها تقول:

– مرايا نوران روايتي البكر صادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن تمحورت فصولها عن المرأة، كيف عليها أن ترضى بدور الحضور السماوي السلبي والأمومي، وألا تفكر أبداً بالسلطة أو الاستقلالية وإلا تحملت عواقب ذلك كما يقول السيناريست الروائي الإسباني كارلوس زيفون …

 الشخوص أغلبها بين تونس ودولة أخرى من أرض واقع الكاتبة في رحلة سفر أنثى مثقفة عانس إلى دولة كندا لها رغبة كمجايليها من العرب في الهجرة … هناك هندست الرواية للمفارقة بين النظرة الغربية للمرأة والنظرة العربية …. فالحديث عن الأنوثة ليست كجنس بيولوجي محدد، بل مسار ارتقائي دائم، من دونه سنبقى قابعين في سجن النمطية المكررة لكل امرأة في الواقع التونسي والعربي والشرقي. بين الهنا والهناك كانت رحلة حب تتخبط فيها نوران البطلة امتلاء بالإحساس بالحب، وامتلاء بقوة شخصيتها، رجاحة عقلها ودأبها على تحصيل العلم وتحقيق الطموح ….

{ أهم الصعوبات التي واجهتها في كتابة الرواية كانت في اختيار أسماء الشخصيات، ولعبة الزمن:

– أكثر الصعوبات التي واجهتني في الرواية هي أسماء الشخصيات، الأمر أصعب مما قد يتصور المرء، واحهت وقتاً صعباً في اختيار أسماء الشخصيات الرئيسية، وفي تذكر أسماء الشخصيات الفرعية…أيضًا أكبر الصعوبات أن الزمن يلعب لعبته في كتابة الرواية حيث أن نفسها طويل وتتطلب تدقيقًا لاستخراج الأخطاء وتصحيحها سواء في الحبكة السردية والتقنيات أو في القواعد والإملاء.

{ ليس بالضرورة أن يكون أو يصبح الشاعر روائيًا:

– لا تستقي مداخل الشاعر إلا رغبته فيما يعثر عليه من روح الشعر في الكثير من الأجناس الأدبية أن كان فعلًا له رغبة فيسكب ماء الحبر في أجناس أخرى فالعلاقة بينها لا تقوم على التضاد والتناقض والصراع، وإنما هي علاقة إثراء وإغناء وحوار ممتد لا يتبدد لكن ليس كل شاعر قادر على كتابة الرواية ولنا في ذلك أمثلة عديدة من الأسماء العربية التي كرست حياتها إلا لكتابة الشعر …

{ تكشف لنا عن بعض الأسباب التي جعلتها تواظب على تأليف الكتاب بعنوان جلال الدين الرومي إيقاع المتصوفين:

– أميل لفكر المتصوفة وإشراقتهم، أميل لفلسفتهم في قراءاتي، جلال الدين الرومي إيقاع المتصوفين هو عنوان كتابي الذي اشتغل عليه هذه الفترة ….

مولانا أو ما يسمى بــ //خُداوندكار// كما يسميه والده، هو صوت من عبق الماضي البعيد، صوت يتسم بالقوة الشديدة والحقيقة البائنة والحقيقة الباطنة عن امتنان للجمال الذي يحيط بالإنسان كانعكاس لخالقه وفقره المتذلل، وعن إحساسه بالعدَم أمام القدرة اللاهوتية. …وأشياء أخرى سيدونها كتابي عنه أن شاء الله.

{ لم تواجهها أي عقبات أثناء ترجمتها رواية جنة الشيطان للكاتب التونسي يوسف رزوقة، لأنها:

– رواية “جنة الشيطان” هي تجربتي الأولى في الترجمة مع الأستاذ القدير الكاتب التونسي يوسف رزوقة الذي يتقن العديد من اللغات، كانت تجربة ناجحة، أتقنت فيها ترجمة روايته وهي مترجمة إلى لغات أخرى، ماري هيرترال إلى الفرنسية، ايريس كاديلاكو إلى الإسبانية وليليان رينهاردت إلى البرتغالية…في الحقيقة لم تواجهني عقبات في ترجمتها لأنها مكتوبة بلغة سلسة، وموجهة لمختلف القراء لليافعين والكبار، ومضمونها مشوق فترجمتُها بكل حب وشغف يشدني إلى اللغة الإنجليزية كما شغفي بلغة الضاد.

ولديها مشاريع أخرى للترجمة: لم ينقطع هذا الجنس الأدبي معي لأني بصدد تجربة أخرى في ترجمة قصائد جمعتها من الأدب الآسيوي سيكون في قادم الأيام.

{ بسمة مرواني منسقة، منشطة ومقدمة لـ “نادي الأربعاء الأدبي” في مدينة قرطاج بتونس:

 عن برامج وإنجازات هذا النادي تقول:

– النادي الأربعاء الأدبي من أهم وأعرق النوادي الأدبية، أسسه الأستاذ الكاتب يوسف رزوقة في سنة 1987 راهن على تقديم مبدعين وعلى تقديم حلقات وورشات لمناقشة قصائد وتصحيحها وتشذيبها، ليشرفني أن أكون العضد الأيمن لهذا النادي مع المشرف عليه منذ سبع مواسم متلاحقة وتحديدا منذ 2012 إشرافًا تنسيقًا وتقديمًا لورقات نقدية للضيف، والضيف شرطه أن يكون صاحب بصمة نوعية في الساحة التونسية والعربية وجل شعراء تونس قد مروا من هذا النادي

وللإيضاح قد مر بنادي الأربعاء كضيوف الكاتبة نوال السعداوي، الكاتب خزعل الماجدي، الكاتبة نعيمة زايد، الكاتب المغربي الطاهر الكنيزي، الشاعر الليبي محمد الدنقلي فضلًا عن أسماء تونسية، الأديبة مسعودة بوبكر، الكاتبة حياة الرايس، الإعلامي والكاتب عامر بوعزة، الشاعر محمد الهادي الجزيري، الشاعر سمير العبدلي وغيرهم من الأسماء … هذا وأنه لأسرة الأربعاء الأدبي تظاهرة شعرية نشرف عليها تحت عنوان “الشعر يعلو” فيها يكون ضم للشعراء وصدح بالكلمات تناغمًا مع اليوم العالمي للشعر 21 مارس ……

{ تشبه انقطاعهم الحالي عن النادي الأربعاء الأدبي كاستراحة المحارب:

– انقطعنا هذه الفترة كاستراحة المحارب لنقتنص أفكارً أخرى نتأمل فيه تجديد لأهداف وبرمجة النادي ولأثراء المشهد الأدبي في الساحة التونسية والعربية وليحافظ النادي على تميزه وجديته والإضافة المرجوة منه

{ أما عن الطرق التي تسلكها لتحقيق الغاية المرجوة من كتاباتها فتجاوب باختصار:

–  لن تكون كاتبًا كبيرًا أن لم تكن قارئًا أكبر. وعملًا بمقولة فيودور دوستويفسكي “تعلم وأقرأ الكتب الهامة والقيّمة، ودع الحياة تتكفل بالباقي.”

{ الموسيقى وأصوات الطرب الذين يأخذونها إلى عوالم أخرى:

أنصت إلى الموسيقى الهادئة، أريد للموسيقى وحدها ربة الجمال الأبدي أن تسكنني، أحن إلى طرب الزمن الجميل وإلى كل الموسيقى الصامتة، أحب عمر خيرت وعمار الشريعي، أحب موسيقى الرحابنة وبعض الأسماء الغربية وكل موسيقى تحملني إلى العوالم الرقيقة، عوالم الحزن الأول والولع الأخير.

{ في الختام … رسالة من الشاعرة الأديبة بسمة مرواني إلى القارئ العربي:

– الشكر موموق لك أستاذ خالد ديريك على إنبات كل الأسئلة ; وأقول: القارئ العربي رهيف الحس، متذوق لزبد الحرف وبعض منهم شاعر لكن يخونه التعبير.

رسالتها: رسالتي أن يبحثوا عن النص الذي بطياته جمالًا إبداعيًا من ثراء وعمق وفكر، وأن يبعدوا عن القرزمة أي الرداءة الشعرية والسطحية ولا يصفقوا للاسم فقط، فالأشياء القابعة بالداخل تكون جوهرة لكن تحرم من متعة النظر، والحديث هنا يظل كما الرغوة تحت اللبن الصريح.

مشاركة