بريد‭ ‬الحكومة- حسن النواب

يكادُ‭ ‬بريد‭ ‬الحكومة‭ ‬أنْ‭ ‬ينفجر‭ ‬من‭ ‬الأضابير‭ ‬المهملة‭ ‬وطلبات‭ ‬المواطنين‭ ‬التي‭ ‬تكدَّست‭ ‬على‭ ‬المكتب‭ ‬الفخم‭ ‬للمسؤول‭ ‬الرفيع؛‭ ‬وقد‭ ‬تراكم‭ ‬عليها‭ ‬غبار‭ ‬النسيان؛‭ ‬منذُ‭ ‬انهماك‭ ‬فخامته‭ ‬بحملته‭ ‬الانتخابية؛‭ ‬وبدء‭ ‬الحوارات‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬على‭ ‬المناصب‭ ‬الحكومية،‭ ‬فلقد‭ ‬تراكم‭ ‬بريد‭ ‬الحكومة‭ ‬بسبب‭ ‬انشغاله‭ ‬بإقامة‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الشعبية‭ ‬ترويجاً‭ ‬لقائمته‭ ‬الذهبية‭ ‬كما‭ ‬يزعم؛‭ ‬وبلقاء‭ ‬وجوه‭ ‬العشائر‭  ‬وزياراته‭ ‬المتواترة‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬البلاد‭ ‬لافتتاح‭ ‬المشاريع‭ ‬الخدمية‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرَّة،‭ ‬بينما‭ ‬أدرك‭ ‬الناس‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬من‭ ‬افتتاح‭ ‬تلك‭ ‬المشاريع‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الانتخابات‭. ‬وكلما‭ ‬أراد‭ ‬سكرتيره‭ ‬الشخصي‭ ‬أنْ‭ ‬يذكِّرهُ‭ ‬بالبريد‭ ‬المهمل‭ ‬منذُ‭ ‬شهور؛‭ ‬يرى‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬مسؤوله‭ ‬الرفيع‭ ‬التعب‭ ‬والإرهاق‭ ‬والقنوط؛‭ ‬فيضطر‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬ذلك‭ ‬البريد‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬آخر،‭ ‬بينما‭ ‬بدأت‭ ‬غرفة‭ ‬السكرتير‭ ‬لا‭ ‬تتسع‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬البريد‭ ‬المؤجَّل؛‭ ‬مما‭ ‬أرغمهُ‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬تلك‭ ‬الأضابير‭ ‬المتخومة‭ ‬بالخطابات‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬استقبال‭ ‬الزائرين،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يمضي‭ ‬يتضخَّم‭ ‬حجم‭ ‬البريد‭ ‬المؤجل؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬تشغلهُ‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الأحزاب‭ ‬والشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تزور‭ ‬البلاد،‭ ‬حتى‭ ‬البريد‭ ‬العاجل‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬يهتم‭ ‬به؛‭ ‬بقدر‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬إقناع‭ ‬الأطراف‭ ‬الأخرى‭ ‬بضرورة‭ ‬بقائه‭ ‬في‭ ‬المنصب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬محيص‭ ‬عنهُ،‭ ‬وبخلاف‭ ‬ذلك‭ ‬ستتحول‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬إلى‭ ‬غابة‭ ‬يفتكُ‭ ‬بها‭ ‬القوي‭ ‬بالضعيف،‭ ‬ويسرق‭ ‬بها‭ ‬المارد‭ ‬قوت‭ ‬الفقير‭ ‬المسكين،‭ ‬حتى‭ ‬انتقلت‭ ‬عدوى‭ ‬إهمال‭ ‬البريد‭ ‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬إلى‭ ‬أصغر‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬حكومته،‭ ‬فعندما‭ ‬يراجع‭ ‬المواطن‭ ‬دائرة‭ ‬حكومية‭ ‬بغية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬ميَّسر‭ ‬لبناء‭ ‬أرضه‭ ‬النائية،‭ ‬أو‭ ‬لترميم‭ ‬منزله‭ ‬المتهالك؛‭ ‬أو‭ ‬لإكمال‭ ‬معاملة‭ ‬التقاعد؛‭ ‬يجد‭ ‬الموظف‭ ‬ساهماً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬آخر؛‭ ‬وحين‭ ‬يطالبه‭ ‬بترويج‭ ‬المعاملة‭ ‬يسمع‭ ‬رد‭ ‬الموظف‭ ‬بعصبية‭: ‬وما‭ ‬جدوى‭ ‬إكمالي‭ ‬إلى‭ ‬معاملتك‭ ‬وليست‭ ‬هناك‭ ‬موازنة‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الحكومة‭ ‬توقَّفتْ‭ ‬أنشطتها‭ ‬بسبب‭ ‬الانتخابات‭. ‬غدى‭ ‬البلد‭ ‬بأسره‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ستتشكَّل‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭. ‬هناك‭ ‬أحد‭ ‬المواطنين‭ ‬نذر‭ ‬كبشاً‭ ‬لوجه‭ ‬الله‭ ‬ينحرهُ‭ ‬أمام‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء‭ ‬عسى‭ ‬أنْ‭ ‬تمضي‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬بسلام؛‭ ‬وعلى‭ ‬أمل‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬ويتنفس‭ ‬الناس‭ ‬الصعداء‭. ‬ولك‭ ‬أنْ‭ ‬تسمع‭ ‬الهاتف‭ ‬الأرضي‭ ‬والنقَّال‭ ‬لسكرتير‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬الرنين‭ ‬عنهُ‭ ‬طوال‭ ‬الوقت؛‭ ‬وكل‭ ‬المتحدثين‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬وغيرهم‭ ‬يسألون‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬مصالحهم‭ ‬ومشاريعهم‭ ‬التي‭ ‬تقدموا‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬تمرّد‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬قرَّر‭ ‬السكرتير‭ ‬إنجاز‭ ‬البريد‭ ‬المؤجل‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬علمه؛‭ ‬قرأ‭ ‬السكرتير‭ ‬مذكرة‭ ‬مرفوعة‭ ‬من‭ ‬موظف‭ ‬حكومي‭ ‬كبير‭ ‬يطلب‭ ‬فيها‭ ‬تسهيل‭ ‬وصول‭ ‬الدواء‭ ‬للمواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬مزمنة،‭ ‬وقرأ‭ ‬مقترح‭ ‬من‭ ‬موظف‭ ‬آخر‭ ‬بضرورة‭ ‬رفع‭ ‬الحواجز‭ ‬الخرسانية‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية؛‭ ‬وقرأ،‭ ‬وقرأ،‭ ‬وقرأ‭ ‬السكرتير‭ ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬يكتب‭ ‬كلمة‭ ‬موافق‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الطلبات‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بحياة‭ ‬الناس‭ ‬وبدون‭ ‬علم‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع،‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬أيام‭ ‬شعر‭ ‬ذلك‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬بتبدُّل‭ ‬الحياة‭ ‬لدى‭ ‬الناس،‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشتكي‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬الفضائيات،‭ ‬بل‭ ‬توهَّم‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّهُ‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬بلاد‭ ‬أرض‭ ‬السواد؛‭ ‬ولما‭ ‬استفهم‭ ‬من‭ ‬سكرتيره‭ ‬الشخصي‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬الرخاء‭ ‬الذي‭ ‬عمَّ‭ ‬البلاد‭ ‬فجأة،‭ ‬أجابهُ‭ ‬السكرتير‭ ‬مرتجفاً‭: ‬بارتكابه‭ ‬إثماً‭ ‬عظيماً‭ ‬حين‭ ‬روَّجَ‭ ‬المعاملات‭ ‬المتراكمة‭ ‬نيابةً‭ ‬عنهُ؛‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬أنَّ‭ ‬البلاد‭ ‬ستتحول‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬إلى‭ ‬فردوس‭ ‬ينعمُ‭ ‬به‭ ‬الناس،‭ ‬انتاب‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬الغضب‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬سكرتيره‭ ‬الذي‭ ‬انزوى‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬المكتب‭ ‬هلعاً‭ ‬وهناك‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬تنتظره؛‭ ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬تبرُّم‭ ‬مسؤوله‭ ‬الرفيع‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬سماعة‭ ‬الهاتف‭ ‬طالباً‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬التنفيذ‭ ‬إيقاف‭ ‬جميع‭ ‬مطالب‭ ‬المواطنين‭ ‬ريثما‭ ‬تنتهي‭ ‬الانتخابات‭ ‬وتشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة؛‭ ‬ثم‭ ‬التفت‭ ‬إلى‭ ‬سكرتيره‭ ‬قائلاً‭: ‬لقد‭ ‬اضعت‭ ‬النعمة‭ ‬عليك‭ ‬بتصرفك‭ ‬الطائش‭ ‬هذا؛‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬شجاعة‭ ‬قال‭ ‬السكرتير‭: ‬لتذهب‭ ‬حياتي‭ ‬إلى‭ ‬الهاوية‭ ‬مادام‭ ‬الناس‭ ‬اصبحوا‭ ‬ينعمون‭ ‬بالسعادة؛‭ ‬رد‭ ‬عليه‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬بعنف‭: ‬أيها‭ ‬الغشيم‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬الشعب‭ ‬سعيداً‭ ‬برغيد‭ ‬العيش؛‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬المسؤول‭ ‬أصبح‭ ‬تعيساً‭ ‬وبلا‭ ‬هيبة‭. ‬خرج‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع‭ ‬من‭ ‬المكتب‭ ‬إلى‭ ‬الحديقة‭ ‬الرئاسية‭ ‬الغنّاء‭ ‬وهو‭ ‬يدمدم‭ ‬جزعاً‭: ‬لابدَّ‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬الحرمان‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬حتى‭ ‬أبقى‭ ‬بهيَّاً‭ ‬بمنصبي‭ ‬أمام‭ ‬أنظارهم،‭ ‬وتبقى‭ ‬الناس‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عطفي‭ ‬ومكرماتي‭.‬

حسن‭ ‬النواب