برتقالة

قصة قصيرة

 

 

برتقالة

 

 

مصطفى عبد الله عراف

 

 

في يوم ربيعي عاطر طرزت ثوب سمائه الازرق غيمات متناثرات بيضاوات كانهن وردات  رازقي. كان في مادبة غداء يرقب سمراء خضراء العينين تقشر برتقالة ثم تفاجأ عندما جاءت تقدمها اليه. اخذ البرتقالة من باطن كفها، قربها من انفه، كان عطر يديها واضحا. تحير ايبقى يشمها فينتعش او يدوخ بذاك العطر؟ او يظل ممسكا بها لان عليها ملمس اناملها؟ ذهبت كما ظهرت وقد سحرته عيناها. ثم عادت فجلسا وحدهما. قدم لها شيفا وقضم اخر وهو يقول: اتدرين ما هو احلى ما اكلته من طعام في مادبة الغداء هذه؟

 

رفعت اليه وجهها متسائلة فاجاب:

 

احلى ما اكلته كان البرتقالة التي قشرتها لي لاني تذوقت فيها طعم اصابعك.

 

احست ان غزله الجريء وكلامه الناعم يتسرب الى داخالها ويداعب كبرياءها فاقتحمته بعينها النافذتين.

 

– انت رومانسي.

 

– اليس احسن من ان اكون خشنا لا يشعر بالجمال؟ الرومانسية هي اجمل ما في الانسانية. انا رومانسي لاني احببت انفاك هذا المنحوت بدقة وعينيك اللتين يغفو فيهما ريحان ووجهك الذي يقطر سمرة هادئة.

 

تصاعدت في وجنتيها حمرة خفيفة. اطالت النظر اليه. تحركت من مكانها متحدية: ساهرب منك.

 

ثم توارت في زحام المدعوين. ظلت عيناه تبحثان. اندس هنا وهناك حتى وجدها واقفة عند طاولة. شعرت بخطواته فابتسمت. سالها:

 

– لماذا تهربين مني ولماذا جئت الي؟

 

– لمحت عينيك السوداوين تطوفان حولي. تقربان وتبعدان. رايتك هادئا وانت تقف بعيدا عن الضجة واللغوة. يبدو انك تستمع اكثر مما تتكلم. كنت سارحا كمن يسترجع ذكريات.

 

– تشخيص دقيق. ايعجبك السارحون؟

 

– ضحكت وهي ترد: والسارحات.

 

اشراب عنقها كان احدا لفت انتباهها فاستاذنت: اهلي ينتظروني وعندما غادرت كان العصر يتسلل منسحبا فاسا الطريق لطلائع الغروب.

 

قالت له ان اسمها (نهلة) اسم يفوح انوثة فهو يخص البنات ولا يطلق على ذكر ابدا. لم تساله عن اي شيء ولم يعرف هو اكثر مما قالت.

 

وجد نفسه يقفز محتميا عند بوابة مبنى كبير يبرز فيه فن هندسي حديث (مول المنصور) بطوابقه المتعددة وسلالمه المتحركة والمزدحم بالناس  وما يعرض من بضائع  منسقة وملفتة ووسائل تسلية كثيرة منها السينمات. كان المطر يتخلل حتى  ثنايا الثياب ويتقطر من خصلات شعر المتانقات، فكيف الاحيتاط من مطر مفاجئ كانت السماء قبله بدقائق ساطعة الشمس؟ نفعته البدلة الكاملة  هذا المطر ولو  ان ربطة عنقه تبللت. كان الوقت عصر جمعة نيساني. رأها تنكت حبات المطر عن تنورتها القهوائي الملتصقة حافتها عن ركبتيها. لم يدر ايهما تفاجأ اكثر حين التقت نظراتهما؟ سيطر على نفسه لئلا يصرخ فرحا.

 

– واخيرا جمعنا المنصور!

 

علت وجهها دهشة من عثر شيء كان يبحث عنه

 

– انت!!

 

اشار الى كافتيريا في الممر القريب: ايعجبك؟

 

تقدمته الى مائدة منزوية وهي تمرر يدها على شعرها المبلل.

 

– يبدو ان المطر الذي الصق بلوزتك بصدرك كان متحرشا وقد زادك فتنة وجمالا.

 

طأطأت حياء فازداد غزلا

 

– وانت انيقة وناعمة ورقيقة

 

قاطعته ضاحكة: وطبيبة

 

– عالجيني اذن

 

– ومم تشكو؟

 

– تعب في القلب  من تغيّر وتبدل شاغلاته

 

نظرت اليه مبتسمة:

 

– انا لا افيدك  فربما انا طبيب يداوي الناس  وهو عليل كما يقولون ضحكا معا فعاد مواصلا:

 

– رغم ما بي فانا اخفي جراحاتي وراء ثيابي كما يقول نزار قباني. اتعريفه؟

 

– اتظن ان الطبيبة لا تقرأ الادبيات؟ فعندي بعض دواوينه من ايام المراهقة.

 

ذهب وعاد بقدحي (ايس كريم) قال وهو يشير الى القدحين:

 

– احب الجوزي والابيض. ما تقولين لو مزجناهما في قدح واحد نتناوله معا؟

 

– افكارك حالمة واذواقنا متشابهة كما يبدو فانا مغرمة بهذين اللونين.

 

غادرنا المول والرعد يدمدم وانا اسال نفسي هل يبتعد عني كما ابتعد من قبله؟

 

ماذا يريد مني هذا النحيف الحالك الشعر؟ ليس صغيرا ليعبث فهو مثلي في اواسط العمر.

 

في غرفتي ووحدتي اجتر الامي واحاور نفسي. البارحة  لم انم الا بعد تناول  قرص منوم فعندي  مستشفى صباحا يحتاج العمل فيه الى راحة وصفاء ذهن.

 

كيف هي مشاعر طبيبة تعالج مريضات يتشافين بينما تعجز عن معالجة نفسها.

 

احاسيس صعبة. كنت احيانا  اشعر بالغيرة والحسد عندما تبشرني احداهن انها شفيت تماما بها وظهرت عليها اعراض الحمل. اذن لماذا يستحيل شفائي وانا الطبيبة؟ كأمرأة كنت اشعر بالنقص الذي  لا يمكن تعويضه. مرة اجتاحني كره للجالسات في الانتظار. فلكل منهن زوجها وتترقب فرحة الانثى التي اسهل انا لها الحصول عليها. لماذا ياتين الي فانا مريضة مثلهن؟ انا امراة معوقة ناقصة الانوثة او بالاصح انتهيت كامراة فالرجال يهربون مني. بعد خطيبي الاول خطبني ثان وثالث ولكني عندما اصارحهم كواجب اخلاقي وكطبيبة، ويتسربون كما يتسرب الماء من بين الاصابع. انا محرومة وسابقى من دون زوج او طفل. اريد الان ان انام لارتاح ولكن النعاس لا ياتي الا مع الاقراص. فهل ساصبح مدمنة؟  احيانا ياكلني الغيظ من كل  النساء السليمات والمريضات فانقطع عن العيادة اياما لاني لا استطيع العمل بكفاءة وضمير وعقل صاف. مرات ياخذني الندم والعطف فلا اتقاضى اجرا  من المريضات امثالي.

 

من نافذة غرفتي  المطلة على شارع الكندي الحافل. انظر لهؤلاء الناس واتساءل كم منهم من يطوي نفسه على نار مستعرة في داخله بسبب المرض او مشاكل الحياة؟ قد تنتهي الام المرض لتبقى الام النفس اشد وطأة. احاول لا بتعد عما اعاني، ان اندمج بالحياة واختلط بالمجتمعات وازور المعارض وعندي اصدقاء  في النوادي. ففي ظلام الحياة انوار تخبو وتضيء.

 

ثم يلتقيان في  معرض للرسم بنادي نقابة المهندسين المبرد والذي ينسيك لظى بغداد في الخارج.

 

– اتقبلون طبيبة ضيفة على نقابتكم؟

 

التفت ليراها في فستان وردي قصير يبرز ذراعين كذراعي فينوس.

 

– نحن الضيوف وانت النقيبة.

 

رفعت اليه راسها ممتنة امتنانا بدا عميقا من ابتسامتها الحلوة  وعيناها تخترقان عينيه. ثم وهما يقفان امام لوحة سالته:

 

– اتحب الرسم؟

 

– هو جزء من عملي. اتحبينه انت؟

 

فاجابت بشيطنة:

 

– لو لم اكن احبه لما جئت اليه

 

– ارى وجهك الوضاء يغلف حزنا عميقا. فهل تشخيصي صحيح؟

 

– لو لم اكن اعرفك لقلت انك طبيب نفساني. نعم هناك حزن غائر في داخلي.

 

نظر اليها بحنو. امسك ذراعها وجلسا الى مائدة في القاعة المكيفة. قالت وكانها  تريد ان تنفث قهرا يموج به صدرها.

 

– كنت في الصف المنتهي بكلية الطب حين قصفت اسرائيل مفاعل تموز النووي جنوب بغداد. كنا نسكن منطقة لا تبعــــــــد كثيرا عن المفاعل.

 

 تخرجت وعينت طبيبة في العزيزية بمحافظة الكوت على نفس الخط الجنوبي الذي يمر  بالمفاعل. كنت مشغولة بمريضاتي اللاتي احبهن. وتاخذ الدراسات العليا كثيرا من وقتي. لاحظت عدم انتظام واضطراب في فترة التبويض عندي.

 

وكطبيبة ووسط مجتمع طبي وبين اساتذتي

 

، اسرعت بتحليل الدم  فوجدنا نسبة  عالية من اليورانيوم.

 

انطلقت من داخله كلمة (لا).. رفع  كفيه ناشرا اصابعه وكأنه يريد ان يوقف من يحاول ايذاءها. وتستمر  في الكلام.

 

– لم تعطلني الحالة عن نيل دبلوم التخصيص العالي.  سافرت الى لندن لمزيد من الدراسة والفحص والتاكد. ظهر هناك عطب تام في احد المبايض وضمور في الثاني.

 

اخذ يضرب حافة المنضدة بقبضته ولكنها واصلت نشر الامها امامه..

 

– كنت مخطوبة لطبيب بعد حب من ايام الكلية. قال لي بعد عودتي: احتفظي بهدايا الخطوبة. ساسافر للعمل في الخليج ولن اعود ابدا. انا اسف جدا.

 

– لا تأسف فنهايتك رايتها في اول تحليل ومعها كل هداياك.

 

كان وهو يجلس امامها ينظر اليها بحزن طاغ. قال بعد ان تهدج صوتها وتوقفت عن الكلام.

 

– الم تستمعي لام كلثوم وهي تقول:

 

يقول الناس خنت عهدي

 

ولم تحفظ هواي ولم تصني

 

هزت راسها وكانها انفعلت بالكلام وقالت معلقة:

 

– اغاني ام كلثوم تتناغم مع ضربات القلب.

 

وتستمر في حديث ماساتها: ويسري الداء والالام تنهشني فاضطر لاستئصال المبيضين وانا في اوائل الشباب.

 

ورغم دمعة في عينيها الا ان ابتسامة باهتة رانت على شفتيها وهي تواصل:

 

– الم اقل لك اني طبيب يداوي الناس وهو عليل؟

 

– انت الطبيبة والدواء الشافي.

 

– رغم هذه العقدة التي تطحنني وتؤثر على عملي وشخصيتي، ارجوك ان لا تعتقد اني معدومة الانسانية وشحيحة العواطف. في اغلب الحالات اتفانى في الواجب واحس اني احارب  عدوا اغتصب جزءا مني واريد ان ابعده عن مريضاتي كمن يبعد كلبا عن طفل يستنجد به.

 

ازدحمت الحروب والشباب يساقون الى الموت جون ان تلوح نهاية في الافق.

 

كانت الحروب في الازمنة الغابرة  اكثر  رحمة، ان كان هناك من رحمة في حرب، فاذاها ساعة وقوعها. اما في زماننا النووي فان الحرب عندما تتوقف يمتد اثرها المميت على الصحة اجيالا. هل نلعن العلم الذي جعل الحروب اكثر فتكا؟

 

– تفاجأت السكرتيرة وهي ترى  رجلا يدخل عيادة نسائية. توقعت ان ترى خلفه  امرأة، ولكن لم تكن هناك واحدة. ظهرت الاستغراب ايضا وبعض الابتسامات على وجوه الجالسات. وضعت القلم الذي كان بيدها على سجل الزائرات. رفعت راسها نحوه مستغربة:

 

– تفضل!

 

– لا تستغربي فعندي موعد مع الدكتورة بعد الانتهاء من اخر مراجعة. سانتظر في الممر.

 

كان الطقس الشديد البرودة يدفعك للبحث عن اي شيء دافئ.

 

ضحكت الدكتورة وهو يفتح عليها الباب:

 

– ما الذي جاء بك الى هذا المكان؟

 

– انا موجوع بك ومتأكد ان دوائي النادر معمول في عينيك، ولمسة من اصابعك تشخص ما اعاني. تفحصي جيدا ستعرفين ما بي. وبما اني مهندس فسارسم  خارطة حياتنا ونبينها انا وانت. بالمناسبة ولو متاخرة. اسمي امجد. فاغرقت في الضحك واهتز جسدها وصعدت يدها تفرك عينيها ومن بين كركراتها تارجحت الكلمات:

 

– بعد وكت؟

 

تركت مكتبها. وقفت الى جانبه. رفعت اليه عينين يشع منهما الحب والرضا  ثم تابطن ذراعه.

 

مشاركة