بربر مصر يتمسكون بلغتهم المحلية في واحة سيوة المنعزلة

479

واحة‭ ‬سيوة‭ (‬مصر‭)- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بينما‭ ‬يقود‭ ‬يوسف‭ ‬دياب‭ ‬شاحنته‭ ‬عبر‭ ‬واحة‭ ‬سيوة‭ ‬المصرية،‭ ‬يردد‭ ‬أغنيات‭ ‬باللغة‭ ‬البربرية‭ ‬المحلية‭ ‬مفعمة‭ ‬بالحياة‭ ‬‭.. ‬إنها‭ “‬السيوي‭”.‬

وتصنّف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬المتفرعة‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬الأمازيغية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ “‬مهددة‭ ‬بالانقراض‭”.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الواحة‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬بصحراء‭ ‬مصر‭ ‬الغربية،‭ ‬من‭ ‬يتحدثون‭ ‬العربية‭ ‬كلغة‭ ‬أساسية‭ ‬قلائل‭. ‬وحين‭ ‬يلعب‭ ‬الأطفال‭ ‬عند‭ ‬سفح‭ ‬قلعة‭ ‬سيوة‭ ‬القديمة‭ ‬يتحدثون‭ ‬ويصيحون‭ ‬بالسيوي‭.‬

ويعبر‭ ‬دياب،‭ ‬المرشد‭ ‬السياحي‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬25‭ ‬عامًا،‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬على‭ ‬نافذة‭ ‬شاحنته‭ ‬الخلفية‭ ‬علمًا‭ ‬بربريًا‭ ‬ملونا‭ ‬بالأصفر‭ ‬والأخضر‭ ‬والأزرق،‭ ‬عن‭ ‬قناعته‭ ‬بأن‭ ‬لغته‭ ‬الأم‭ ‬لن‭ ‬تموت‭. ‬ويقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬الجميع‭ ‬يتحدثون‭ ‬بها‭ ‬هنا‭”. ‬ويعتبر‭ ‬البربر‭ ‬في‭ ‬سيوة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬أكبر‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ (‬مئة‭ ‬مليون‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬حملت‭ ‬راية‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭.‬

وتقع‭ ‬سيوة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬حوالي‭ ‬560‭ ‬كيلومترًا‭ ‬غرب‭ ‬القاهرة،‭ ‬ولم‭ ‬تخضع‭ ‬الواحات‭ ‬لسيطرة‭ ‬الدولة‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬سيطر‭ ‬عليها‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا،‭ ‬مؤسس‭ ‬مصر‭ ‬الحديثة،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1820‭. ‬وتقول‭ ‬أستاذة‭ ‬اللغويات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فالنتينا‭ ‬سيريلي‭ ‬التي‭ ‬أعدت‭ ‬أطروحة‭ ‬دكتوراه‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬الواحة،‭ ‬إن‭ ‬انعزال‭ ‬الواحة‭ “‬سمح‭ ‬لسيوة‭ ‬وسكانها‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬تقاليدهم‭ ‬الخاصة‭ ‬ولغة‭ ‬تميزهم‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية‭ ‬السائدة‭”.‬

وحتى‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬رائجة‭ ‬هناك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ “‬السياحة‭ ‬والإعلام‭ ‬والتنقل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬أو‭ ‬للعمل‭”‬،‭ ‬أمور‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬انتشارها،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬سيريلي‭.‬

وقدّرت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الواحة،‭ ‬أي‭ ‬تقريبا‭ ‬نصف‭ ‬السكان،‭ ‬يتحدثون‭ ‬السيوي‭.‬

ولكن‭ ‬سيريلي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الرقم‭ ‬الحقيقي‭ ‬يزيد‭ ‬بحوالى‭ ‬5000‭ ‬شخص‭. ‬وتتابع‭ “‬تعتبر‭ ‬اليونسكو‭ ‬اللغة‭ +‬مهددة‭ ‬بالتأكيد‭+ ‬لأن‭ ‬الأطفال‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يتعلمونها‭ ‬كلغة‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬المنزل‭”. ‬وتستطرد‭ “‬على‭ ‬حد‭ ‬علمي،‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬صحيحًا‭ .. ‬اللغة‭ (‬السيوي‭) ‬هي‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الحديث،‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬الصغار‭”.‬

ويقول‭ ‬ابراهيم‭ ‬محمد،‭ ‬أحد‭ ‬شيوخ‭ ‬القبائل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬البالغ‭ ‬عددها‭ ‬11‭ ‬قبيلة،‭ ‬إن‭ ‬السيوي‭ ‬كان‭ ‬مركزًا‭ ‬لـ‭”‬الهوية‭ ‬الأمازيغية‭” ‬للواحة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تدفق‭ ‬السياح‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬اليها،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الواحة‭ ‬معزولة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬طريق‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭. ‬ويقول‭ ‬رئيس‭ ‬مكتب‭ ‬السياحة‭ ‬المحلي‭ ‬مهدي‭ ‬الحويتي،‭ ‬ابن‭ ‬الواحة‭ ‬الذي‭ ‬ابتعد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الدراسة‭ ‬ثم‭ ‬عاد،‭ “‬السيويون‭ ‬في‭ ‬سيوة‭ ‬مثل‭ ‬السمك‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬لن‭ ‬يتركوها‭ ‬لأجل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬العالم‭” ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الولاء‭ ‬للجذور،‭ ‬يواجه‭ ‬سكان‭ ‬سيوة‭ ‬تحديات‭ ‬عديدة‭ ‬لحماية‭ ‬لغتهم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الهيمنة‭ ‬الثقافية‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬وحقيقة‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬السيوي‭ ‬يتم‭ ‬تناقلها‭ ‬فقط‭ ‬داخل‭ ‬العائلات‭. ‬ويتذكر‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬اعتمر‭ ‬قلنسوة‭ ‬سوداء،‭ “‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬الآباء‭ ‬يتحدثون‭ ‬فقط‭ ‬السيوي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يجمعها‭ ‬شيء‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭”.‬

‭ ‬ويقول‭ “‬اليوم،‭ ‬أصبحت‭ ‬اللغة‭ ‬أقرب‭ ‬وأقرب‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭”.‬

‭ ‬وبينما‭ ‬تتيح‭ ‬مناهج‭ ‬المدارس‭ ‬المصرية‭ ‬دراسة‭ ‬اللغات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تدريس‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬مثل‭ ‬السيوي‭ ‬والنوبي‭.‬

‭ ‬ويرى‭ ‬محمد‭ ‬أن‭ “‬اللغة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدرس‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭”.‬

‭ ‬وتبذل‭ ‬جمعية‭ “‬أطفال‭ ‬سيوة‭” ‬الأهلية‭ ‬المحلية‭ ‬جهودًا‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬اللغة‭.‬

في‭ ‬2012،‭ ‬حرصت‭ ‬الجمعية‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬والقصائد‭ ‬والأمثال‭ ‬باللغتين‭ ‬السيوية‭ ‬والعربية،‭ ‬وعمل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ستون‭ ‬شخصا‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬وشيوخ‭ ‬الواحة‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الشركاء‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬وايطاليا‭.‬

لكن‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ ‬فقد‭ ‬نفدت‭ ‬نسخ‭ ‬الكتاب‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬التمويل‭ ‬كافيا‭ ‬لطباعة‭ ‬نسخ‭ ‬أخرى،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمعية‭ ‬يحيى‭ ‬قناوي‭.‬

ويضيف‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ “‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تراثنا‭.. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬ننجز‭ ‬عشرة‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬مما‭ ‬نرغب‭ ‬به،‭ ‬لأن‭ ‬الجمعية‭ ‬لا‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تمويل‭”.‬

رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يتمسك‭ ‬دياب‭ ‬بأمل‭ ‬استمرار‭ ‬تناقل‭ ‬لغته‭.‬

ويقول‭ “‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬يتعلم‭ ‬ابني‭ ‬ابراهيم‭ ‬العربية‭ ‬ويقرأها‭ ‬ويكتبها‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يتحدث‭ ‬بالسيوي‭”.‬

مشاركة