براعة القوارير في إنتاج الحلم بمعرض التشكيليات العراقيات

253

براعة القوارير في إنتاج الحلم بمعرض التشكيليات العراقيات
الزهور تتفتح تحت أجنحة الطيور
مؤيد داود البصام
أقام المركز الثقافي الفرنسي في بغداد تظاهرة فنية لاثنتين وسبعون فنانة من مختلف الاتجاهات والمدارس والأعمار أيضاً، ويعتبر هذا المعرض الأول من نوعه الذي جمع هذا العدد من الفنانات التشكيليات العراقيات، وهو أول معرض تقيمه رابطة الفنانات التشكيليات العراقيات، ومثل هذه التظاهرات تبقى إعلامية لا تقوم على خط فكري أو إبراز ظاهرة فنية أو تقنية جديدة تقدم على الساحة الفنية، وكان الأفضل لباكورة إعمال رابطة الفنانات التشكيليات، أن يطرح موضوعاً محدداً قبل مده زمنيه تتيح للأعضاء من تقديم إعمالهم كل برؤيته لتلك الموضوعة من اجل إبراز قدراتهن ورؤاهن الجمالية، وليس عرض روتيني لنشاط الجمعية أو المنظمة أو حزب من الأحزاب كما دأب الحزب الشيوعي العراقي كل سنة احتفالا بذكرى تأسيسه، وبعض الهيئات والأحزاب وحتى معارض جمعية التشكيليين السنوية أو نقابة الفنانين، وعادة ما يكون اغلب المعروض قد سبق عرضه، إما بمعارض فردية أو جماعية، إلا بعض ما ندر وهذه الإشكال من التجمعات الانفصالية بين الأجناس، أوجدتها مقولات الهوية ما بعد الحداثة الرأسمالية، من اجل خلط الأوراق واستثمار النتائج بصفقات إرباح مادية لجيوب الرأسماليين وعتاة المستغلين وسارقي قوت الشعوب، والتي تجر من جرائها روح الانشقاق لتأليب البعض على البعض، وأيضا فوائدها لجيوب الطغاة الرأسماليين، ويبقى المساكين راكضين مصدقين إن هؤلاء القتلة يدافعون عنهم، ولا يرون السكين التي يحملونها خلف ظهورهم التي أعدت لنحرهم، وفي معرض الفنانات التشكيليات كما سبق القول اتجاهات ومدارس مختلفة، وهذه نقطة مهمة لم يلاحظها أكثر الفنانين ما بعد المعارض التي كانت تقام سابقا بمناسبة محددة أو ضمن فكرة مسبقة، والسؤال ما المهم من العرض ولماذا؟ هل هو تسجيلاً لعدد المشاركات؟ أم الاستمرار في الظهور والبقاء ضمن المشهد؟ وهذه الحالات مضرة بالفنان لأنه يفقد فيها تدريجيا روح الدهشة التي تصاحب الاكتشاف ويصبح ضمن لعبة السوق، وليس أدل على ذلك من المعرض اللاحق في فندق المريديان، مهرجان الإبداع ، الذي إقامته وزارة شؤون المرأة، إذ أسئ إلى إعمال الفنانات بان وضعت الإعمال على الأرض، بعرض بشع رتب على عجل وأكثر من تحدثت معهن، تأسفا لاشتراكهن في معرض يجب إن تفترش الأرض حتى ترى اللوحة، وفي معرض المركز الثقافي الفرنسي لرابطة الفنانات التشكيليات تظهر التساؤلات، هل هو لإبراز المرأة الفنانة؟ وهذا لا يحتاج إلى برهان فتاريخ الفن العراقي يثبت أنها من رواد وطلائع من ساهم بالحركة التشكيلية العراقية والعربية والعالمية، وفي المعرض إعمال تثبت هذه الإمكانية الفنية التي يتمتعاً بها، أم إبراز استقلالية المرأة وإشعارها أنها مضطهده؟ وهذا أيضا ليس مجال فرز لأنها جزء من كيان ومجتمع مضطهد أساساً، وليس الرجل بأحسن حال منها، بل المجتمع واقع تحت الاضطهاد بمجمله ويحتاج إلى نضالها جنبا إلى جنب مع الرجل لبناء الدولة العصرية والتحرر من ربقة الظلم والظالمين، وإذا أخذنا المسالة من الجانب الآخر، عندما تعرض الفنانة مع زملائها الفنانين وتظهر إبداعها جنبا إلى جنب، فإنها تحقق اكبر انجاز اجتماعي بسحق غطرسة الرجل، وضرب تبجحه ألذكوري وتثبت مكانتها الإبداعية في المجتمع وقدرتها على إن تكون الند، وأن كان لابد من الانفصال كما فرضته علينا ما بعد الحداثة الرأسمالية، يأتي أهمية المشاركة بمعرض يوضح قضية لإبراز قيمة عمل الفنان وما يقدمه من قيم جمالية لها مدركاتها الفكرية رؤية وتقنية، وهنا السؤال هل حقق معرض همسات ملونة شئ من هذا القبيل؟
الصورة الأولى…
في البدء عنوان المعرض عام وفضفاض، مما يؤكد انه غير قائم على ظاهرة، ومنح الجو هذه الشحنة الرومانسية المغلفة بالحسية، فالمعروض لا يصور هذا الهمس الرومانسي، فاغلب المعروض يحمل الهم الوطني ومأساة ما يعيشه الشعب العراقي، وما وقع عليه من ظلم، فلم نجد همسات فناناتنا المبدعات إلا من بعض اللوحات الانطباعية والتعبيرية اللونية ، والنقطة المهمة بما إن المعرض غير محدد الاتجاه والرؤية، وبهذه الكثافة من العارضات يصعب التحدث عن كل واحد منهن، ولكن ممكن أخذ الظواهر في المعرض للحديث عنها، في المعرض هناك اختلاف واضح بين فنانة وأخرى، من حيث التكوين والبناء للوحة، فهناك لوحات فيها هذا البناء والإنشاء العالي ومنها ما هو ضعيف في الإنشاء، وأكثر ما اثار استغرابي مثلاً، أن الفنانة نبراس هاشم، وهي فنانة لها اشتغال جميل على إنشائية اللوحة في المعارض السابقة التي شاهدت لها إعمال ذات دراسة واعية للقيم الجمالية وتكويناتها الإنشائية على اللوحة، في هذا المعرض عرضت لوحتين إنشاءهما ضعيف، إذ جاء القطع في وسط اللوحة ليجزئهما إلى نصفين بحيث الجزء الأعلى في جهة والأسفل في جهة أخرى إنشائيا، ومن الإعمال الملفتة للنظر للفنانة فاديه محمد ياس، التجريد مع الكولاج، ولكنها تخالف البناء العام للوحة في الفضاء الأعلى لجر اللوحة إلى النص، بينما روعة عملها كان في هذه البساطة للحركة الجمالية بين اللون والكولاج في الجزء الأسفل، من دون جر اللوحة للنص بهذا التطرف في امتداد الفضاء، ففيها هذه البساطة اللامتناهية في التشكيل بين اللون والكولاج. بينما استمرت دراسة الفنانة ناديه اليأس في إعمالها لإنتاج قيما جمالية يتحاور فيها النص مع التشكيل على الرغم من كونها لوحة معروضة سابقا، وهو ما نجده أيضا في لوحة الفنانة يسرى ألعبادي التي منحت مدركاتها التناسق بين اللون والنص بإخضاع الخط لمتطلبات الرؤية الجمالية في تنصيب النص، ومن الإعمال التي حملت الإمكانيات ذات الحساسية العالية في التلوين، جاءت في إعمال الفنانات آلاء الغزالي وسهى الاطرقجي وسوسن فلاح ومريم هاشم ولامعه الطالباني وروش بنيامين، في الوقت الذي تستمر الفنانة زينا سالم على إعطاء النص الأفضلية على التكوين العام، وهذه مسالة دوفع عنها كثيرا وإنا واحداً منهم، إذ وجه لي النقد دائما، إن أعمالي من الذين يهتمون بالنص على حساب الشكل، وهو نقد صائب، لأننا يجب إن نعطي للنص والشكل نفس القيمة وبنسب تفاوت ضئيلة، بخلاف فن الواقعية الاشتراكية الذي يؤكد على النص كأساس للتلاحم بين الفنان والمتلقي، ونقيضه فن ما بعد الحداثة الذي يعطي للشكل كخط أو اللون الأفضلية على حساب النص، أو يضعه ضمن القناع، ولكن يبقى تكوين الفنانة زينا سالم يحمل قيمه الجمالية الإبداعية في لوحاتها السابقة عكس هذه اللوحة التي تقع تحت تأثير البوستر في تضخيم الكولاج لشحن المتلقي باللحظة التعبيرية التي أرادة فيها شحن العاطفة إلى أقصى درجاتها، فوقعت في المباشرة، وإذا ما أخذنا ما قدم على صعيد إعمال الخزف والنحت فإعمال زينب ألبياتي وزينب ألركابي فيهما هذه الجمالية التركيبية بين المنفعة والرؤية الجمالية كشكل وبناء عام، وهناك إعمال نحتية تبشر بعطاء مستقبلي لبعض الفنانات وكذلك في الخزف، وعلى الرغم من إن المعرض لا يعطي ما يمكن إن يكون عليه الفنان إلا إننا يمكننا إن نصل إلى الانطباع العام في الإشارة، إذا بافتراضنا التقييم على العمل الواحد مثل عمل انتصار السامرائي وقيمته الجمالية، وأخيرا فكل ما قيل، لا يمكن إن يعطي حق هذا المعرض الذي أظهرت فيه الفنانات العراقيات إمكانيات وقدرات على محاكاة القيم الجمالية يابداعات تفاوتت الرؤى وتشعبت التقنيات، ولكن يبقى انطلاقهن نحو التطور ملحوظ في كل نواحي الجمال الذي قدمتها أناملهن، مع اعتذارنا لمن لم نذكرهن فالمعرض على عدده من الصعب تقييم كل واحد فيه، والمناسبات القادمة ستوضح ما يمكن إن يقدم.
/5/2012 Issue 4188 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4188 التاريخ 1»5»2012
AZP09