بدلاً من البكائيات لنطرح الأسئلة.. استمع – علي محمد فخرو

189

 

 

 

بدلاً من البكائيات لنطرح الأسئلة.. استمع – علي محمد فخرو

نزلت كارثة انفجار مرفأ بيروت كالصاعقة على قلب كل عربي، خصوصاً وأن هذا البلد العربي الجميل النّشط، الحاضن لكل معذّب مظلوم في بلاد العرب، ما إن يخرج من محنة ويتعافى حتى يدخله القدر في محنة أشدّ وأقسى، لكن البكائيات والمماحكات العبثية ليست هي الجواب على المآسي التراجيدية الكبرى.

الجواب هو طرح الأسئلة بشأن مسبّباتها الحقيقية بدون غمغمة، وبشأن دروب الخروج منها والتّهيئة الوقائية لمنع رجوعها ورجوع مثيلاتها.

أولاً: الطبقة السياسية الطائفية الفاسدة التي يطالب المتظاهرون في شوارع بيروت بنصب المشانق لإعدام كل أفرادها، انتخبها، وقوّاها بغفلته، وتعايش مع مفاسدها وابتذالاتها السياسية بصبر غريب، ورضي بعضه أن يكون من أزلامها المطيعين، انتخاباً بعد انتخاب، وسنة بعد سنة، منذ الاستقلال وإلى يومنا، آباء وأجداد وأبناء غالبية المتظاهرين الذين يلوّحون اليوم بقميص يوسف ويطالبون بمعاقبة هذا الذئب أوذاك.

والسؤال الذي يجب أن يطرح بكل صراحة: في الانتخابات المبكرة التي يطالب المتظاهرون بإجرائها، وحتى تحت قانون انتخاب معقول، هل ستصوّت الأغلبية السكانية الناخبة لأصحاب الكفاءة والنزاهة والقيم الأخلاقية، ودون أي اعتبار لاسم الشخص واسم طائفته وعائلته، ودون أخذ توجيه من قسّ أو فقيه أو رئيس ميليشيا أو محطة تلفزيون مأجورة؟

وهل الانتخابات المبكرة والقانون الانتخابي الجديد سيتمكنان من تجاوز ثقافة فئوية طائفية دينية، منتمية إلى ضغوط الضّيعة والقرية وسهرات العيلة والأقارب، في مجتمع لا يريد أن يتجاوز ثرثرات التاريخ، وهلوسات الخوف من الآخر، وتفضيل الجزء على الكل، والاستكانة للهوية القزمة على حساب الهوية الكبرى الجامعة؟

ثلاثة أرباع القرن من الاستقلال وتلك الأسئلة تراوح مكانها، والإجابات تختفي وراء هذا القناع أو ذاك، و أن البعض سيطرح نفس الأسئلة وسيحصل على نفس الأجوبة. هل أنها صراحة مؤلمة؟ فلتكن، ولكنها من كل إنسان عربي يحب ويعشق ويقدّس لبنان العربي الرائع.

ثانياً: في هذه اللحظة يقبع العراق ولبنان وسوريا والأردن وفلسطين في فم الثعبان الاستعماري الصهيوني، متدخلاً أو محاصراً، أو مبتزاً، أو حاقناً سمّ الجهاد التكفيري الإرهابي اللابس بانتهازية قناعاً مزيّفاً باسم دين الحق والقسط والميزان. الجميع يعانون الأمرّين وينتظرهم مستقبل خطر عاصف. كل واحد مستفرد به ليواجه الأهوال وحده.

والسؤال: ما الذي يمنع جبهة أو أكثر رسمية في هذا القطر أو ذاك، أو يوقف مؤسسات مدنية سياسية في هذا القطر أو ذاك من طرح مشروع في شكل مجلس تضامني ينتقل في الحال إلى اقتصاد متكامل، وإلى موقف واحد منسّق من مشروع صفقة القرن ومقاومته، وإلى توحيد الجهود لمحابة الإرهابيين المجانين، وإلى تيار متقارب متعاضد في الجامعة العربية والمحافل الدولية والإقليمية ؟ إلخ… من التعاون الوثيق الفاعل، بل والتوحيد حيث أمكن. جميعهم مهددون في وحدة الوطن الجغرافية والإثنية، ويتعرضون لضغوط هائلة تستغلُ نقاط ضعفهم في هذا المجال أو ذاك، وبالتالي فهم في خندق الضحية الواحد. أليس هذا كافياً ليخرج قادتهم من عادة الاكتفاء بالتفرُّج على سقوط الآخرين إلى حين مجيء الدُّور عليهم، ثم «البكاء على مُلك لم يحافظوا عليه كالرجال؟»

وبصراحة، فإن لبنان المحاصر، المنهك، المفجوع، يجب أن يكون جوابه على من يطالبونه بتبنّي شعار الحياد المشبوه، الذي يرمي إلى عزله وتهيئته ليكون تابعاً ذليلاً للهيمنة الصهيونية، أن يكون جوابه بطرح مبادرة مشابهة تبعده عن الابتزازات التي جاءته من كل حدب وصوب والتي عاناها الكثير.

يخطئ من يعتقد أن هذه الأسئلة تخصُّ وضع لبنان وحده. إنها تخصُّ وتنطبق على كل أقطار العرب. ويعجب الإنسان العربي من حالة اللاّمبالاة الذهنيّة المربكة التي تعيشها أقطار الوطن العربي تجاه نكبات هذه الأمة الكبرى التي تعيشها حالياً. لقد أصبحت تلك اللامبالاة مسلكاً مخجلاً يقرّبنا من حالات اليأس والانتحار الحضاري.

لن نخرج من الظلام الدامس إلى نور الحياة إلا من خلال أسئلة وأجوبه صريحة إلى أبعد الحدود، وإلى أعماق كيان الإنسان العربي، مهما كان ذلك قاسياً ومؤلماً. إنه جزء من قدر هذا الجيل.

مشاركة