بداية مثالية

434

قصة قصيرة

بداية مثالية

إسماعيل الهدار

إنها الثامنة صباحا، وقت الذهاب للمكتبة العمومية أين يقوم ببعض الأبحاث العلمية والأدبية كالمعتاد. إنه ذلك الوقت المخصص للدراسة التي لطالما اعتبارها نوعا من المعتاد المحبذ بسبب اشتياقه دوما للمعطى المعرفي والبعد التعليمي. فبمجرد دخوله للمكتبة فإنه يقوم بجمع بعض الكتب والمراجع ذات صلة بأبحاثه ثم يقوم بوضعها على المكتب الذي اعتاد الركون إليه دوما. لم تكن هذه الكتب مجرد ” معطيات قاسية ” أو مراجع عادية وإنما كانت مجموعة من الفقهاء والأدباء والنقاد والباحثين والمثقفين أين ينصت إلى آرائهم، يتمعن في وجاهة أفكارهم وحججهم وأحيانا يوجه إليهم نقده ووجهة نظره. لقد كان يستمع لأرقى الحوارات بين التيارات الفقهية المختلفة أين ينصت لأفكارهم وكلماتهم التي لا تنضب أبدا. غير أن اللجوء إليهم جعل منه كائن “غير اجتماعي” بمعنى أنه لا يبحث عن تدعيم لعلاقاته الإنسانية أو حتى إنشائها فهو لا يجد سببا مقنعا لذلك لاسيما وأنه وجد البديل بأقل التكاليف. ولعل المقصود بعبارة ” أقل التكاليف” ما تتطلبه عملية تأسيس الفعل التواصلي من مواجهة وحوار واختلافات الأمر الذي يحتم عليه تدريجا الانصهار في المعطى الواقعي وهو الشيء الذي يمقته ويعجز عن الخوض فيه نتيجة لطباع تلك الذات المتقوقعة والمنفردة. فقد مثلت تلك الكتب بالنسبة إليه تخوما منيعة أمام الآخر وملاذا مناسبا لتحقيق ذلك المصطلح المسمى “بالتعويض النفسي” عن العلاقات الإنسانية الأمر الذي جعل منه غنيا عن مواجهة أحد كوابيسه ألا وهو إقامة الفعل التواصلي. إنه وبكل اختصار يتفادى باستمرار وقوع فعل التواصل والانصهار.

خطاب اللوم والعتاب ألقته تلك الأصوات الباطنية دون انقطاع الأمر الذي أفقده تركيزه ومن ثم رغبته في مواصلة قراءة ذلك الكتاب، فقد بدأت “محاكمة الذات يا سادة”. لقد بدى عاجزا عن الدفاع عن نفسه نتيجة لضعف حججه إذ أنه لم يقدر على إقناع تلك الأصوات الشيء الذي دفعه إلى اتخاذ طريق التهميش واللامبالاة. إنه كالمعتاد يعتمد أسلوب ” عدم الاكتراث لما يقال” من قبل الأشخاص.  من “عدم الاكتراث” إلى ” تكميم الأصوات”، أسلوب يلتجئ إليه كلما أحس بأن المحاكمة بلغت ذروتها وبدأت تهدد استقراره النفسي، راحته وكيانه. إنه ليس بالشخص الديمقراطي تجاه ذاته. يناشد الموضوعية، العقلنة والمعقول في كتاباته وقراءاته لكنه في المقابل شخص قمعي، إقصائي أو بالأحرى ” ديكتاتور” تجاه تلك الأصوات الباطنية، وجدانه ونفسه. حيث أنه يرى بأن أسلوبه منطقي وبديهي باعتبار أن تعسفه كان مسلطا على ذاته فهذا يعد أمرا عاديا وشخصيا يستطيع التعامل معه بطريقته الخاصة. فإيذائه لنفسه ليس مهما أمام إمكانية إيذاء الغير. أغلق ذلك الكتاب. ها قد انطلقت رحلة الهروب من صراعات الذات. أعاده لمكانه لأنه لم يعد قادرا على قراءة المزيد في ظل التشويش الذهني، الشيء الذي دفعه لاتخاذ قرار نيل قسط من الراحة واستنشاق بعض الهواء النقي حتى تتسنى له العودة لمواصلة تلك الأبحاث.   إنه باهر في كبت مشاعره وقمعها. وبعد مرور بعض الدقائق التي كانت كفيلة بأن تعيد تأهيله من جديد، يستأنف عمله المعتاد. إذ انه لم يأت إلى هنا من أجل انتقاد شخصيته المنطوية وإنما جاء لكي يتمكن من ممارسة فعلي التفكير والكتابة.  يتوقف عن الكتابة ليرمق تلك الكلمات التي دونها. فلكأنها بداية لأول عمل له. إنه يتمنى بأن تكون هذه الكلمات البداية المثالية للفصل الأول من المخطوط الذي يطمح إليه…..

مشاركة