بحيرة سفان جنة الله على الأرض وأعجوبة مكسيم غوركي – احمد عبد المجيد

733

(الزمان) تتجول في بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير (4)

سر الأسد على بوابة مجمع كنائس هاغاردزين وسط الغابات

لوح يوثّق إسهام حاكم الشارقة في تأهيل كنيسة أرمينية

بحيرة سفان جنة الله على الأرض وأعجوبة مكسيم غوركي – احمد عبد المجيد

يجمع المسطح المائي الذي يتشكل على هيئة بحيرة كبرى والمسمى سيفان او سفان، بين الوظيفة الاروائية التقليدية لبعض الاراضي الزراعية والجمال الطبيعي الاخاذ الذي جعله بحق لوحة ربانية او جنة سياحية على الارض. وتعد البحيرة التي تبعد عن يريفان نحو ساعة احدى اعلى البحيرات في العالم. ويبلغ ارتفاعها الفي متر عن سطح البحر، وتشغل مساحتها المائية نحو 5  بالمئة من مساحة البلاد، وهي من بحيرات المياه العذبة في العالم. وساعة وصلنا اليها كانت رياح شديدة قد هبت بحيث اصبح من المتعذر على راغب ان يمارس السباحة فيها، برغم ان هذه الهواية تجربة فريدة في الايام الحارة. وباستثناء الزوارق السريعة التي تعوم فيها وبعض القوارب السياحية لم نصادف مغامرا واحدا يسبح في مياهها. لقد افقدت الرياح التي صاحبها هطول امطار متوسطة، القادمين وبعضهم يسكن مجمعات سياحية مخصصة للاقامة الطويلة، متعة العوم في مياه منعشة تتراوح حرارتها بين 18 – 22 درجة مئوية، وتمتاز بانها خالية من الملوحة. وعندما تكون السماء صافية تكتسي البحيرة لونا فيروزيا. وتنقل بعض الروايات عن الروائي السوفياتي العالمي مكسيم غوركي تشبيهه لبحيرة سفان بانها (قطعة من السماء نزلت الى الارض لترتاح بين الجبال). والطبيعة الجبلية لارمينيا حافلة بمناظر خلابة، لكني رأيت ان الجبال المحيطة بالعاصمة، تبدو شبه جرداء، قريبة الشبه بجبال مدينة السليمانية التي من النادر ان تغطيها الاشجار.

وقد يكون السبب قسوة المناخ او طبع البشر. ويعتقد اكاديمي كردي صديق من السليمانية ان الاهالي كسالى لم يبادروا الى زراعة اشجار على سفوح جبال أزمر لتبدو خضراء زاهية. اما بالنسبة لارمينيا فان الجبال تخلع ثوبها الاجرد لتكتسي لونا مختلفا نتيجة كثافة الاشجار، وبعضها معمر وباسق جدا، وهو ما جعلها قبلة انظار علماء الاحياء بسبب تنوعها البايولوجي وثراء حياتها البرية، فهناك حشرات وابرزها النحل الذي يهتم بتربيته المزارعون ورعاة الكنائس وينتجون منه كميات كبيرة تعرض للبيع لدى بسطيات الاهالي او خدم الاديرة. كما يلفت نظر العلماء الى انواع فريدة من الزواحف والزهور في ارمينيا.

وحقا ان هذا البلد لا يزخر بانتاج افخر واجمل انواع الزهور حسب، بل هو يتحلى بثقافة تواصل، تجعله يقبل على شراء الزهور ويقدمها في المناسبات المختلفة. وغالبا ما كنت اصادف اشخاصا من مختلف الاعمار وهم يحملون باقات من الزهور في الشوارع ويتجهون الى مقاصدهم لتقديمها الى مريض او متعاف عنده مناسبة من المناسبات السعيدة، كالاعراس واعياد الميلاد واللقاءات الوجدانية. ولهذا وجدت اكشاك الزهور وباعتها تتوزع بين الشوارع بكثافة. ومن الفوارق بيننا وبين الارمن ان مطاعمنا مبالغ في اعدادها حتى يقال (بين مطعم ومطعم يقع مطعم)، فيما هم ينطبق عليهم وصف (بين كشك زهور واخر كشك زهور). بل واحيانا تعرض نساء مسنات زهورا مقطوفة من حدائقهن على الارصفة باسعار زهيدة جدا. والى جانب امور اخرى كالمساحات المتاحة وانسيابية الطريق فان رياضة المشي تحظى باهتمام، ولاسيما بين الازواج في عمر الخريف. فالمنظر مغر والحيوية موجودة والمجال مفتوح ولا عوائق كونكريتية او (بسطية) نسبة الى البسطيات، على الارصفة في شوارعنا، تحول دون المضي في متعة المشي يوميا وفي جميع الاوقات.

وقرأت ان (اكتشاف ارمينيا من منطقة الى اخرى مشيا هو النزهة المفضلة، فيشعر الانسان وكأنه في رحلة العودة الى الجذور لاكتشاف الارض كما خلقها الله). ومن العوامل المساعدة على ممارسة هذه الهواية كثرة وجود مصادر شرب الماء. فقد وضعت البلدية نافورات مائية تنطلق من قوالب مصبوبة وسط الحدائق او على جوانب الطرق. والماء الذي يروي المارة، عادة، نظيف لا يمكن تلويثه لانه جار ومتدفق وبارد وكانه يخرج من براد كهربائي.

 ولطالما تساءلت وانا ارتوي من مياه السبيل، هذه، لماذا نفتقر الى خدمات من هذا النوع في العراق ؟ ولماذا نضع مصادر قابلة للتلوث احيانا، ولاسيما خلال الزيارات الدينية، كالمستودعات المفتوحة والاواني الفخارية، التي قد يقبل البعض على ارواء عطشه منها بحشر بوزه او غرف الماء بيده.

وفي معرض الثناء على مشروع السبيل الارميني انتقد صديقي العراقي، امانة بغداد لانها لم تفكر بسبيل مماثل، في وقت يرزح المواطنون تحت جو جهنم الذي يصل الى درجة الغليان في الصيف. تركنا يريفان صبيحة يوم الاحد، حيث قوافل السيارات تتجه الى سفان، بكثافة.

الطريق تشق نفسها وسط منحدرات من الجبال والتلال العالية، كلما تقدمنا صعودا نحو البحيرة تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض واشكال الطبيعة بالتنوع والغنى. اما المروج الخضر فتموج، راقصة، تحت اشعة شمس تكسو صفحتها غيوم نشطة تنتشر بعنفوان على سماء زرقاء تعد بزخات مطر. انحدرنا نحو البحيرة بينما تتطاول قامات السلسلة الجبلية المحيطة، وقد تحول كل شبر فيها الى مرفق سياحي. الباعة يتفننون في عرض مقتنيات شعبية وتذكارات من صنع انامل ماهرة.

صور وزهور وقطع زخرفية نحاسية، فيما لا تتوقف كاميرات رواد المكان عن التقاط صور السيلفي لتوثيق واحد من الاوقات الجميلة في الحياة. وعلى مرتادي البحيرة اذا تركوا مغامرة السباحة او المضي نحو الشاطئ، فانهم يواجهون مهمة شبه شاقة لصعود المدرج المؤدي الى كنيسة ودير قديم ينتصب فوق قمة جبل يطل على البحيرة، وقد تم وضع سور حديدي من جهة البحيرة العالية للحيلولة دون سقوط اولئك الذين يستهويهم منظرها من الاعلى فيمضون وقتا اطول اما لاستنشاق اعذب هواء في رحاب الطبيعة او تبادل المشاعر اذا كان خزينها مازال فياضا كعادة العشاق. ولاننا لا من هذا الصنف ولا من ذاك فقد واصلنا تسلق درجات السلم بانتظار الوصول الى القمة. كان التسلق صعبا لكن المكابرة تتطلب اصرارا. وهناك تمتعنا بنهاية ولا اجمل. لقد كنا نلامس الغيوم وشرعنا ننظر الى الافق البعيد لاكتشاف سر العلاقة الازلية بين الغيوم المحملة بالمطر وقمم الجبال الصامتة بعناد وسكينة. ودارت بنا الدورات ونحن في المكان والزمان.. الجهة اليمنى اروع واليسرى اكثر روعة. ها هو الماء والخضراء والوجوه الحسان. مئات الشابات وكأنهن حوريات ومئات البشر يتسلقون، فرادى او جماعات، في مباراة طابعها الجمال وعذوبة الموقع ويا سبحان الخالق.

وفي الاعلى ايضا كنيسة ضاربة في القدم يقال ان احد حواريي السيد المسيح مدفون فيها. لقد شيدت تحديدا بطابعها الروحي الراهن قبل نحو 400  سنة.

وكان قداس الاحد يقام في رحاب الاروقة وقد ارتدى احد الرهبان مسوحه وحلاه الطقوسية، فيما وشم الصليب يتم على الصدور، بينما الافواه ترتل دعواه وتستأذن، ثم تغادر عبر صحن الكنيسة الرئيس، الذي يقود الى غابة غناء تعاني بعض الاهمال. الكنيسة تغص بمن فيها ونحن اصررنا على استكمال بقية الشوط لرؤية نهاية المشهد.

وعند الحد شبه الاخير اقترحت علينا (راولا)، السيدة الارمينية التي رافقت زوجها (كامو) سائق السيارة التي اقلتنا الى سفان، العودة وقالت ان وراء الحاجز واشارات بيدها الى جدار متواضع الارتفاع يقع منزل خاص للرئيس الارميني السابق. وقفلنا عائدين بمجرد ان سمعنا اسم الرئيس، لاننا نحتفظ بذكريات غير سارة عن قصور الرئاسات. والتفت الى الجوار فلم اعثر على صديقي. لقد غاب فجاة ولكن بعد دقائق قصيرة وثب من تحت اغصان شجرة، فاكتشفت انه كان يقضي (حاجته). وقلت في نفسي هذا مكان مقدس كان علينا عدم تلويث ارضه. وقطعنا عشر درجات من السلم هبوطا، فاذا بنا امام دورة مياه خصصت لقضاء (الحاجة)، مما يعني ان القائمين على المزار الروحاني اخذوا بالحسبان الحاجة البشرية وعملوا على عدم قضائها في العراء او الهواء الطلق، وأدخلوا من المستلزمات كالماء للاغتسال وتنظيف اليدين. لقد قارنت ذلك ببعض المزارات في بلدنا، التي تفتقر الى وجود دورات مياه فيضطر الشخص الى قضاء حاجته وحاجة الاطفال على الرصيف او في رقعة منزوية قريبة مع سير السابلة.

ليس صعبا ان تكتشف هويات الذين يرتادون المكان.

 بشر من مختلف البلدان والجنسيات لاحظت وجودا استثنائيا للسياح الهنود في ارمينيا برمتها. وصادف اننا قصدنا اكثر من موقع سياحي بعيد عن العاصمة ورأينا عوائل هندية ضمن طواقم ومجاميع السياح، بعضهم يبدو مسلما واخرون يتبعون الديانة المسيحية او هم هندوس. وهؤلاء غالبا ما يشتغلون في مشاريع استثمارية لشركات مقبلة من الهند وتدل العمائم الملونة التي يعتمرونها على ديانتهم.

 وشاهدت معظمهم في العاصمة اما يسيرون على اقدامهم يقطعون المناطق التجارية او يركبون الحافلات (البوت) كحال اي ارميني اخر. وعندما حان وقت الغداء اتجهنا صوب احد ابرز المطاعم السياحية في سفان.. انه يقع على ساحل البحيرة وتضرب موجات مياهها المناضد والكراسي المصفوفة تحت خانات مغطاة بالمشمع الشفاف بهدف عدم حجب مشهد البحيرة عن الرؤية.

وشعرنا ببرودة الطقس تضرب اجسادنا، بقوة واسعفتنا عاملة الخدمة التي تتلقى طلبات الطعام باغطية شبيهة بقماش بعض الانواع السميكة من الستائر السائدة في منازلنا. التحفنا بها وواصلنا طلب الطعام مع قنينة من الواين الاحمر ساهمت في تدفئة صدورنا.

 لقد وصفت هذا الغذاء بانه مأدبة مع الغيوم. لشدة كثافتها وقوة الرياح التي ترافقها. كانت المائدة عامرة وجلها يفوح برائحة اللحم المنقوع بالبهارات والفلفل مع وعاء متخم بقطع خشنة من الخيار والطماطة وشرائح البصل الابيض والخضر.

كنا مستعجلين لكسب الوقت، فوراءنا مشوار اخر لزيارة قرية دليجان، وهي منطقة منخفضة محاطة بالغابات الكثيفة والوصول اليها يتطلب مهارة في قيادة السيارة لتفادي مفاجأة الطريق الملتوية والرطبة بزخات المطر. كنا نشم عبق الاشجار والانواء فنزداد رغبة بالوصول الى دليجان.

نحن في كنيسة اخرى..

ويا عجب بلد كأرمينيا مفعم بهذا الطراز من الاعتكاف والعزلة، وكأنما هي تدرك ان رضا الرب لا يتحقق، الا بمزيد من الابتعاد عن الثرثرة والضوضاء والاحتكاك المثير للصخب والخلافات والاحقاد. وطوال الطريق يلفت النظر باعة الفطر، النبات البري الذي يعوض عن البروتينات المستفادة من اللحوم الحيوانية، وفي مقابله لدينا في صحارى العراق الكمأ او ما يسمى بـ (الفقع)، وهو منتج بري طبيعي باهظ الثمن في ايام نزوله الاولى الى الاسواق، ويعد الكمأ الأبيض بمكانته العالية واحدا من أندر الفطريات بل أصعاب الأنواع من حيث العثور عليها في العالم. وينمو الكمأ في منطقة بيدمون في شمالي إيطاليا وسط جذور أشجار معينة، كما أن الكمأ الأبيض أندر مقارنة بأي نوع آخر من أنواع الكمأ. أضف إلى ذلك أن النوع الأبيض يتميز بنكهة عالية خاصة ورائحة مميزة. ولا يمكن استزراع الكمأ على الرغم من سعي الكثيرين على مدار أجيال لانجاح هذه العملية، لذا لا يمكن الحصول عليه حتى الآن إلا في البرية. ومن المدهش اننا نعثر في منطقة نائية محاطة بالجبال العالية على لوح معدني يحمل كتابة باللغة العربية. دققت النظر فاذا هو يقول بالنص (في عهد حبرية صاحب القداسة كاريكين الثاني كاثوليكوس عموم الارمن وبمكرمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم امارة الشارقة وملحقاتها تمت اعادة تأهيل وترميم مجمع كنائس هاغاردزين سنة 2011  ميلادية بهجة لجميع المؤمنين والزائرين بقلب مفعم بالشكر ان نسأل الله عز وجل يغدق على المحسن الكريم نعمه الالهية ويمن على آله بالبركات). واسعدتني التفاتة القاسمي، ورأيت للمرة الثانية ان يد العرب تسهم في اعمار معابد غير اسلامية وتحمي ديارا لطائفة موحدة انعم الله عليها بالخيرات الطبيعية الوفيرة، ففي المرة الاولى كنت قد قرأت ان المؤرخ سيار الجميل نقل عن الخوري الارمني ناريك اشخاميان قوله (نحن مدينون للعرب فقد فعلوا ما باستطاعتهم للترحيب بنا، كما سمحوا لنا بالعمل والرقي في المراتب الاجتماعية بعد ان وصل الناجون من المذابح، وغالبيتهم من اليتامى حفاة اثر فرارهم في متاهات الصحراء هربا من الموت).

وكان الخوري يعني هربا من المذابح التركية التي طالت ابناء طائفته عام 1915  ونجم عن بعض اثارها اول هجرة لهم الى العراق، من مناطق ايران الى البصرة فبغداد ثم الى الموصل بدايات القرن السابع عشر. وقد كتبت اللوحة التي توثق تأهيل مجمع هاغاردزين بثلاث لغات انكليزية وعربية وارمينية، فيما كانت قطع فن الخاشكار الفخارية الصلب تتوزع بين ارجاء المجمع حاملة الصليب او موثقة وقائع كنسية او روحية. واظن ان الخاشكار هو نوع من الحجر الرملي سبق ان استخدمه الفراعنة في صنع تماثيل ملوكهم وآخرها تم العثور عليه قبل نحو شهر في منطقة الجيزة وكان عبارة عن تمثال يشبه أبي الهول  وكان مرتادو المكان يقتربون منها لقراءة رموزها او فك طلاسمها التي تآكلت بفعل تقلبات الجو والامطار.

وتقول بعض المصادر ان (فن الخاشكار يمثل رمز الثقافة الوطنية في أرمينيا، أو فن نحت الصليب في الحجر، الذي يمارسه الأرمن وحدهم منذ القرن الرابع، مباشرة بعد أن اعتنقت البلاد الديانة المسيحية، وكانت الأولى في اعتناقها هذه الديانة في التاريخ. وان وجود حجر الخاشكار في أرضٍ ما كان من شأنه أن يدل على ذكرى انتصار أو إتمام بناء معبد أو جسر، أو شكر الله على امتلاك قطعة أرض، وكان يستخدم أيضاً كنصبٍ في المدافن. يتوسط الخاشكار صليب ينمو مثل الشجرة أو الزهرة، وهو رمزٌ لحياة أبدية جديدة، وكل خاشكار هو فريد من نوعه ولا يوجد آخر مثله).

وللمرة الاولى يسمح بمرفق سياحي فندقي ان يشيد في منطقة كنسية. ففي دليجان يطل هذا المرفق على واد سحيق تكسوه الاشجار المعمرة. وتقول الاسطورة ان الغابة التي تحيط الكنيسة، تضم اسدا وان هذا الحيوان المفترس تحول ببركة الرب الى حارس لاولئك الذين بنوا الكنيسة. وربما لهذا السبب تحمل بوابة المجمع صورة اسد منقوشة بعناية، وكذلك فهمت انه تحول الى رمز في مراسلات وعنوان صاحب القداسة.

ويضم المرفق الفندقي، كشكين لبيع العصائر والمشروبات الساخنة كالشاي والقهوة الى الوافدين.

ولا اكتم فان مذاق الشاي الذي طلبته لم يعجبني، وقد اكتفيت بطلب قنينة ماء فقط، وكان سعرها باهظ الثمن نسبيا، اذا ما قورن بأسعار مناطق جذب سياحي اخرى.

وقلت في نفسي ربما، لان المكان يضم قبور ثلاثة ملوك واميرات من بكر توني، منحدرات من ارض ادفيجان ذات العجائب الارمينية.

((يتبع))

مشاركة